الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار
صورة الخبر: هيكل ضد هيكل
هيكل ضد هيكل

مسكين «الأستاذ».. محمد حسنين هيكل.. الذى تربى جيلى وجيلك على كتاباته، حتى أنه يمكن القول عن حق إنه أستاذ كل الأجيال، فبعد أن كان قبلة الجميع، أصبحت السهام والقذائف تنهال عليه من كل حدب وصوب، وبعد أن فرغ الرجل من كل سلم يمكن استخدامه للصعود إلى الشهرة أصبح الكثيرون يجدون فى الحديث عنه وتناوله تحقيقا لذات الهدف.. الشهرة.. صحيح أن بعضهم يفعل ذلك من أجل الوصول إلى ما يعتبره حقيقة وكسر ما يحلو لهم بوصفه أحد «تابوهات» المجتمع المصرى المعاصر، إلا أنه لا مانع ولا ضير من الجمع بين الهدفين.
وإذا كان الرجل قد أسال الكثير من أحبار المطابع حتى كادت تئن من كثرة استهلاك كتبه لها، فإن العجيب والمدهش أن هناك استهلاكًا موازيًا لتلك الأحبار فى الكتابة عنه، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنه بقدر عدد كتبه، بقدر الكتب التى تناولته بالنقد والذم.. والمدح أيضا! الملاحظة الأساسية على هذه الكتب أنها رغم أنها سعت لأن تطرح الرجل أرضا، إلا أن مؤلفيها لم يستطيعوا إخفاء الإعجاب بهذه الشخصية حتى ولو أوردوا موقفهم فى سياق انتقادها.
وإذا كنا من الجديد نبدأ، فإننا نشير إلى كتابين بالغى الأهمية فى نقد هيكل أولهما كعادل حمودة «خريف هيكل» الذى يأتى استنساخا لكتاب صدر منذ ثلاثة عقود بذات العنوان وهو يأتى فيما يمكن اعتباره ردا على استخدام هيكل ذاته لذات المصطلح «الخريف» فى نقده للسادات حين راح يقدم كتابه «خريف الغضب».

انقلاب أحد الحواريين
أهمية كتاب حمودة تأتى من شخصية المؤلف الذى كان من حواريى هيكل وحاول أن يكرر تجربته لكن الظروف لم تساعده، فلم يتعلم حمودة السحر من «الكبير» الذى لم يتوان عن تعليم حوارييه، ما انعكس فى فشل محاولاته للتحول إلى ساحر!
«هيكل ليس فوق مستوى النقد».. هذا هو ما يحاول أن يكرسه حمودة كاسرا قاعدة أن «كل شخصية مهما ارتفع شأنها تعرضت للنقد دون تعجب، بمن فى ذلك الأنبياء والزعماء إلا هيكل، كأنه الوحيد المحصن والمصون، خاصة فى سنوات ما بعد مبارك إلا قليلا». ولأن حمودة «حكّاء» وكاتب يمتعك بأسلوبه فإنك تسرح مع ما يكتب ولا تشعر إلا وقد سلبك عقلك فتحولت إلى حمودة آخر فى النقمة على هيكل.
من الغلاف يكسبك حمودة فى صفه حين يقدم سند براءته من تهمة الهجوم على من لا يملك سلاح الرد قائلا إن هيكل: «أصبح مؤثرا على صحيفة يومية بشراكة أحد أبنائه فيها وأصبح مؤثرا على دار نشر كبرى تتحكم فى غالبية مثقفى مصر لو اختلف هيكل مع واحد منهم لن تنشر له ما يكتب، وأنه بتعدد الصحف المستقلة نجح هيكل فى مد جسور الود مع ملاكها ومحرريها فأصبحت فى خدمته تحتفل بما يقوله على شاشات التليفزيون وتتبارى فى نشر حوارات معه وتمنع ما يكتب ضده من النشر وهو أمر غريب أن يكون كاتبا فى ثقله وشهرته سببا فى تقليص حرية الصحافة وتقييدها».
يبدو عقل حمودة غير قادر على استيعاب الكثير من المواقف والأوضاع التى يعيشها هيكل، فهو يبدى دهشته من قدرة الرجل على نيل حظوة لدى مرسى «الإخواني» والرئيس السيسى الذى أطاح به. وهذه فرادة هيكل سواء اعتبرناها ميزة أم عيبا. يقول حمودة فى معرض الذهول إن سكان العمارة التى يقيم بها هيكل تعودوا منذ جاوروه أن يصادفوا شخصيات تعبر عن عصور سياسية مختلفة ومتصارعة ليكون السؤال عن موهبة ذلك الرجل فى القفز من سلطة إلى سلطة ومن سفينة إلى سفينة دون أن يصاب ببلل أو بأذى.. إلا قليلا. وتلك هى المهمة التى نذر حمودة نفسه لتناولها على مدى صفحات الكتاب لكشف حقيقة ما يصفه بـ «الأسطورة التى شاخت فى موقعها».

الوجوه المتعددة لهيكل
أما الكتاب الثانى فهو لأيمن شرف الصحفى المتمرد ورئيس صحيفة الدستور السابق والذى لم تعطه الصحافة التقدير المناسب له، وفيه راح يقدم لنا صورة أخرى لهيكل وهى الكاهن الذى يسعى لتقديم خدماته للفرعون.. وإن كان ليس أى فرعون بالطبع وإنما الذى يراه هيكل مناسبا. مستشار السلطان وصانع السياسة من وراء الكواليس ورجل المهام الخاصة.. هى الوجوه المتعددة التى يراها شرف فى هيكل، وهى وجوه قد يتمنى شرف نفسه أو غيره أن يتمتعوا بها، حيث تعبر عن قدرات خاصة لا توجد لدى الكثيرين.
فى تحديده لأبعاد كتابته لموضوعه يقول المؤلف إنه يأتى للرد على جانب كبير من الخداع والتضليل الذى قام به أو شارك فيه هيكل لجيل كامل يتتمى إليه نشأ على قراءة كتاباته منذ ما يزيد على أربعين عاما فى مقالاته الشهيرة بجريدة الأهرام وفى العديد من كتبه.
فى قلب طبيعة المهنة ينال شرف من هيكل، مؤكدا أن هيكل الذى يعتبره رجلاً طالما تلاعب بالحقائق، كاتب ليس له لون سياسي، مشيرا إلى مقالة كتبها فى بداية الخمسينيات من تمجيد لفاروق والعهد الملكي. ويتتبع شرف ما يصفه بادعاءات هيكل عن علاقته بعبد الناصر فيذكر أنها جاءت لادعاء الأهمية، معتبرا أن ذلك إنما جاء من هيكل للاقتراب من السلطة الجديدة ممثلة فى شخصين أساسيين هما ناصر ونجيب. وهنا يخوض شرف فى زاوية قد تبدو جديدة للقراء وهى اتهام هيكل بالارتباط بجهاز المخابرات الأمريكية، الأمر الذى يستند فيه إلى شكوى من نجيب لإحسان عبد القدوس يذكر فيها أن جهاز المخابرات الحربية المصرية زوده بمعلومات تقول بأن هيكل عميل لدوائر المخابرات الأمريكية.
ويحاول المؤلف أن يدعم ذلك بالإشارة إلى ما يعتبره دور هيكل فى تسريبه سر «العملية عصفور»، والتى تعتبر حسبما يشير المؤلف، مستخدما وصفه هيكل نفسه «أنجح وأخطر عمليات التجسس فى تاريخ المخابرات فى العالم والتى نفذتها المخابرات المصرية داخل السفارة الأمريكية بالقاهرة قبيل وفاة عبد الناصر بثلاث سنوات» حينما صرح ناصر بزرع أجهزة تنصت واستماع داخل مبنى السفارة الأمريكية بالقاهرة عام 1967، فحرمت مصر نتيجة لذلك من مصدر معلومات لا تقدر بثمن، بينما حاول هيكل أن يلصق تهمة التسريب بالسادات.
وعن خلافه مع هذا الأخير يقدم لنا شرف وجها آخر لما يراه الحقيقة وهى أن هذا لم يأت على الخلفية التى أشار إليها هيكل وإنما على خلفية سعى هيكل مشاركة السادات فى الحكم وفى المسئولية وفى السلطات وفى الحقوق. حيث كان رد السادات عليه، حسب رواية ناصر الدين النشاشيبي: أنت مجنون إنت بتقول إيه يا هيكل أنا رئيس جمهورية وعايزنى أتنازل عن سلطاتى علشان أشركك فى الحكم؟

نقد عربى لهيكل
على هذا النحو من محاولة الموضوعية والتوثيق والبعد عن النميمة يمكنك أن تتابع رؤية شرف لهيكل بغض النظر عما إذا كنت ستقبلها أم لا. غير أن الموضوعية التى حاول أن يتبعها منهجا يمكن أن تلمسها بشكل أكاديمى فى كتاب ثالث فى نقد هيكل هو للباحث العراقى سيار الجميل أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر فى الوطن العربى «تفكيك هيكل.. مكاشفات نقدية فى إشكاليات محمد حسنين هيكل».
ورغم ما قد ينتابك من شعور بأن الكل يتداعى على هيكل على نحو ما جاء فى «حديث القصعة»، إلا أنه يجب ألا يغيب عن بالك أن الكتاب يأتى متجاوزا لكونه نقاشًا مصريًا مصريًا بشأن هيكل وإنما يمتد ليصبح عربيا، وأنه يأتى فى الأساس للنيل من هيكل على خلفية ما قاله هذا الأخير فى حق الراحل الملك حسين والأردن، فى مقاله بـ «وجهات نظر» إبريل 1999، أى أنه دفاع عراقى بالوكالة، دون أن يكون فى ذلك تقليل من قيمة ما يرد فيه من تحليل لشخصية هيكل، الأمر الذى لا يمكن أن يخفى عليك من تقديم الكتاب الذى يتحدث عن «خطايا لا أخطاء ارتكبها كاتب كبير ومرر من خلالها أفكارا شوهاء وأحكاما متعسفة على دول وزعامات ووقائع عربية من دون استناد إلى توثيق تاريخى وعلمى ومنهجى صحيح»، وكذا من تأكيد المؤلف ذاته على أنه لم يكتب الكتاب للدفاع عن زعيم عربى معين بذاته.
فى صلب منهج كتابة وروايات هيكل يشير الكتاب إلى أن وثائق عديدة تشير إلى أنه كان يتهالك للقاء الزعماء العرب ويبذل من أجل ذلك أكثر مما يبذله كاتب فى أول الطريق، وهو ما يعد مؤشرا لفحص روايات هيكل التى يوردها فى مواضع شتى بأن زعامات عربية كثيرة كانت تسعى للقائه بحثا عن مشورة أو رأى أو خبرة أو تعارف.
ورغم هذه السخونة فى النقد نجد سيار يصف هيكل بقوله: «شخصية خلافية جدالية غير نمطية غريبة الأطوار جمعت على امتداد نصف قرن من حياتنا فى القرن العشرين مختلف البدائل والتناقضات والثنائيات».
كأستاذ للتاريخ يقول سيار إن مشكلة هيكل أنه لم يكتب تاريخا أمينا وصادقا وموثقا.. بل كتب توليفات مفبركة بأسلوب ذكى فيه التواءات لا حصر لها. ورغم إستنتاجاته العديدة بشأن ما كتب الرجل، إلا أنه يبدو أن أقساها تلك التى يؤكد فيها سيار أن كتابة هيكل، بفعل سيطرة الجزئيات عليها، أضرت بتاريخنا العربى المعاصر، وأن هيكل، فى كتاباته، يفكر سلبا فى كل ما هو عربى أنتجه العرب فى التاريخ.

النبش فى الحياة الخاصة
ولأن هيكل شخصية لا تشبع انتقادا من الآخرين، فقد كان كتاب الصحفى إبراهيم الويشى «خريف هيكل» والذى صدر عام 1988. وقد جاء كتاب الويشى فى حمى الجدل حول «خريف الغضب».. ليكوى هيكل بذات النار التى كوى بها السادات. يقول الويشى عن كتابه إنه محاولة صحفية لإثبات: أن النبش فى دهاليز الحياة الخاصة لأى إنسان كان وأن تعرية الجذور وكشف المستور منها لا يحتاج لجهد خارق. وبتجاوز أو بدون يذكر الويشى أنه فى رحلته لتقصى تلك الجذور راح أحد الرجال يهمس فى أذنه قائلا : «تعرف يا أستاذ أن والد الأستاذ هيكل كان خادما فى دوار أبويا العمدة كان يعمل فى الحظيرة ينظفها ويرعى البهائم».. حيث طور والد هيكل عمله بعد ذلك ليصبح علافا على حمار. ولاينسى الويشى فى معرض الوشاية بهيكل لقرائه إن يذكر لنا أن هذا الصحفى العملاق بنى مجدًا على الفبركة حين نشر فى بداية حياته الصحفية حوارين مع الملك عبد الله ملك الأردن وشكرى القوتلى رئيس وزراء سوريا اكتشف مصطفى وعلى أمين فيما بعد أنهما عبارة عن خطب كانا الزعيمان قد ألقياها فى المؤتمر الذى كان هيكل يغطيه!
وأخيرا وإن كان ليس آخرا نعرض سريعا لكتاب كرم شلبى «بصراحة عن هيكل».والذى صدر عام 1975 وينطلق كاتبه من أنه عندما يقول هيكل فإنه ليس مطلوبا منا أن نتحول إلى جوقة «سميعة»، وليس مطلوبا أن نكتفى بمجرد الإنصات، فعندما تتجاوز الأمور حدود الصدق، وتصل حد الافتراء والاجتراء على التاريخ ووقائعه وطمس دور القيادات والشخصيات وأحداث التاريخ يبنغى أن نتكلم بصراحة عن هيكل! على هذا النحو يفند المؤلف ادعاء هيكل بهامشية شخصية محمد نجيب وادعائه بإيمان عبد الناصر بالديمقراطية، مؤكدا أن وقائع التاريخ تقول شيئا آخر يكذب هذا القول.

المصدر: الوفد

قد يعجبك أيضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
81393

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة