الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةإصدارات وكتب أدبية › من معاقل القاعدة إلى حواضن داعش.. يسرى فودة فى طريق الأذى العـودة إلى الفـخ (الأخيرة)

صورة الخبر: غلاف كتاب «طريق الأذى» ليسري فودة
غلاف كتاب «طريق الأذى» ليسري فودة

• فودة يسقط فى أيدى المخابرات السورية بعد الإفلات من حرس الحدود العراقى.. وأبونور ينجح فى تهريب الشرائط إلى كردستان
• المقاومة العراقية العلمانية القلب والروح تنجح فى اجتذاب حماسة الشارع المقاوم برفع راية الإسلام
• القائد العسكرى لـ «الجيش الإسلامى فى العراق»:الجيوش التى تقاتل بعقيدة الأرض تختلف عن الجيش الذى يقاتل بعقيدة السماء
• منير مقدح مؤسس «كتائب شهداء الأقصى»: ليس عارا أن يدخل العدو إلى أرضنا.. العار إذا خرج سالما.. فهذه بلاد الشام بركان تحت رماد
• مروحيات رامسفيلد تنهى الرحلة فى الصحراء العراقية.. وأبوثائر يهدد: ارجع لوحدك بلا حماية إذا استطعت أن ترجع
• كثير من المتطوعين للجهاد فى العراق خرجوا من مخيمات فلسطينية
ينطلق فودة ورفاقه بحسب الخطة الموضوعة للتحرك إلا أن خروجهم من تغطية شبكات الهواتف الخلوية يجبر دليل الرحلة أبوليث على فعل كل شىء: «يفتح الباب ويخرج من السيارة بحثا عن إشارة ربما تكون مختبئة بين طيات الهواء الصحراوى. لا يوجد. يصعد لدهشتى فوق سقف السيارة عسى أن توجد إشارة فى طبقة أعلى! كوميديا ساخرة لولا أنها غير مضحكة فى موقف كهذا».. وأخيرا تلجأ المجموعة إلى سؤال «أولاد الحلال» عن الطرق الفرعية، فيتطوع أحد المواطنين ويحمل بندقيته الكلاشينكوف ويتولى قيادتهم فى قلب الصحراء.
«فجأة، سمعنا أزيزا يشبه أزيز طائرة هليكوبتر. سمعناه يقترب منا. التفتّ إلى حيث ظننت أنه مصدر الصوت، لكننى لم أر شىءا بينما يستمر الصوت فى الاقتراب أكثر وأكثر. أدركت لأول وهلة أن طائرة فى الغالب تطير على ارتفاع منخفض وأنها ستنبثق فجأة فى أى لحظة من وراء التلال. تجمد رجل الكلاشينكوف بسيارته اللاندروفر أمامنا فتجمدنا خلفه. «ماحدش ينطق ولا كلمة ولا حركة خالص». هتفت بهم بينما سلمت أمرى إلى الله.. ثم فجأة انبثقت طائرتان أدركت مباشرة أنهما من طراز «بلاك هوك»، واحدة فى ذيل الأخرى، وخلفهما مباشرة عن يمين وعن يسار طائرتان أخريان من طراز «أباتشى».
«تلاوة القرآن سرّا تفرض نفسها تلقائيّا والتسليم بقضاء الله، فماذا عساك تفعل إن قرر ذلك الطيار، ذعرا منا أوغير ذلك، أن يضغط على زر إطلاق قذيفة واحدة من طائرة كهذه من ارتفاع كهذا».
«...» كلمة غير مهذبة من ثلاثة حروف بالعامية المصرية انفجرت فجأة من فمى دون كثير من الوعى، مع جملة كانت هذه المرة أمرا مباشرا أكثر من أى شىء آخر: «لف بالعربية، إحنا راجعين». بُهت أبو ليث الذى لم يكن قد أفاق بعد من الصدمة فتحرك بالسيارة حركة الإنسان الآلى عائدا الأدراج. حتى رجل الكلاشينكوف الشهم لا أذكر إلى الآن إن كنا شكرناه على مجهوده.
تهديد ووعيد
ويكتشف فودة بعد عودته إلى منزل أبو نور فى قرية «الخضر» أن وزير الدفاع الأمريكى، دونالد رامسفيلد، قام اليوم بزيارة سرية إلى إحدى القواعد العسكرية الأمريكية فى شمالى العراق.»كان هو إذا بشحمه ولحمه فوقنا بعشرة أمتار. يا للهول!».
تتلقى المجموعة اتصالا غاضبا من أبو ثائر، والذى كان منفعلا من قرار العودة الذى اتخذه فودة:»بدأت المناقشة على الهاتف تتخذ اتجاها كنت أجهد فى أن أتجنبه. ارتفع منسوب التوتر بينما زادت المقاطعات أثناء محاولات مستميتة للإقناع والإقناع المضاد. ثم صرخ الرجل بنبرة متأثرة مستنكرة لا تخلو من كبر: «أنا آتى لك بالرجل الكبير وأنت تريد أن تلقى بى إلى محكمة شرعية؟!». ثم سرعان ما تطورت هذه النبرة إلى نبرة مهددة ندم عليها كثيرا بعد ذلك: «إذا أصريت على العودة بعد ذلك كله فأنت وحدك؟» ما الذى يعنيه ذلك تماما وأنا مغروز فى أعماق العراق تحت الأرض؟ «ستعود وحدك.. لا دليل ولا سيارة ولا حماية ولا تنسيق.. إذا استطعت أن تعود».
بُهت الرجل عندما عاجلته بالرد دون تفكير وفى نبرة هادئة: «حسنا.. موافق، وأشكركم على كل ما قدمتموه لنا حتى الآن». زادت حدة الرجل فاتخذ خطوة أخرى.

عينة من ترسانة منير المقدح «مؤسس كتائب شهداء الأقصى» فى مخيم عين الحلوة بلبنان
«والشرائط.. تترك الشرائط وكل ما صورتموه.. تتركها جميعا وراءك».
«لا بأس.. رغم أن هذا ليس من حقك، ولكن لا بأس».
لم يصدق عُدى أذنيه فبادرنى بالسؤال فور انتهاء المحادثة: «الشرائط؟ هل حقّا ستترك الشرائط لهم؟» زادت دهشته عندما أومأت له إيجابا (..) كنت أنظر إلى المسألة كلها من منظور عملى بحت لا علاقة له بكبرياء أو ببطولة. كنت أعلم فى سريرتى أن أياما قليلة لن تمر قبل أن تهدأ النفوس فتتيح مجالا أوسع أمام العقول. وحين يحدث هذا ستُعاد الحسابات وسيسعون هم إلى إيجاد وسيلة لتوصيل الشرائط إلى أى عنوان نختاره نحن، ربما أيضا مع اعتذار واجب والتماس بإكمال عملية إنتاج التحقيق بما نراه مناسبا.
فى قبضة المخابرات
«أما وقد وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه انقلب الرأى العام فى ذلك المنزل الآمن بشكل واضح إلى جانبى. «سأصطحبكما فى صباح الغد إلى النقطة التى التقطتكما منها أول مرة فى سوريا حتى أطمئن على وصولكما بالسلامة»، هكذا تطوع أبو ليث وأنا أعلم أنه يعلم أن تصرفا كريما كهذا ربما يكلفه حياته. ثم انضم أبونور إلى ما صار الآن يحمل جانبا من ملامح الثورة: «وأنا سأتأكد من خروجكما من هنا حتى منطقة الحدود سالمين مهما كلفنى الأمر». انفرجت أسارير عُدى وهو يستعيد ابتسامته الطفولية العذبة لأول مرة منذ وقت بعيد.. ثم فجأة طلب منى أبو نور أن أنتحى معه جانبا قبل أن يهمس فى أذني: «ابحث عن طريقة لعمل نسخة من الشرائط وسأجد أنا طريقة للشرائط الأصلية كى تصلك بسرعة ربما قبل عودتك إلى لندن».
وتبدأ رحلة فودة فى طريق العودة إلى سوريا من الأراضى العراقية « كانت أشبه بمعجزة صغيرة تلك التى حملتنا على جناحيها بصورة غريبة أكثر من مرة عبر دوريات مفاجئة لقوات الحرس الوطنى العراقى التى انبثقت فجأة فى طريقنا»..
كانت تجربة العودة من قلب العراق فى اتجاه الحدود شاقة، وبعدما يعاكسه الطقس السيئ، وتهطل الأمطار محولة طريقه الترابى إلى «معجنة» من الطين.. يصل أخيرا إلى «منزل بدا مهجورا لدى نهاية المنطقة الفاصلة» بعدما يودع أبونور، ويمضى ليلته مع رفيقية عدى وأبوليث.
وقبل أن يتجاوز فودة الحدود، يسقط فى أيدى المخابرات السورية، لتبدأ مرحلة جديدة من عناء الإستجوابات المتراوحة بين الود والترحيب وبين التجاوز والخروج عن اللياقة، بل والتهديد أحيانا.. وأخيرا تنتهى فى أحد فنادق دمشق فى أنتظار لقاء مع وزير الإعلام السورى الدكتور محسن بلال.
ويختتم فودة رحلته وكتابه:» فى اليوم التالى وصلت الحقيبة كاملة المحتويات فاتخذت طريقى عائدا إلى لندن. فى تلك الأثناء كان أبونور قد أفلح فى تسريب الشرائط إلى مراسل الجزيرة فى كردستان الذى أوصلها عبر الحدود إلى مكتب الجزيرة فى تركيا ومن هناك وصلت بعد أيام قليلة إلى مكتبى فى لندن.. كاملة».
كانت تلك تجربة على الصعيد الشخصى من الصعب أن أكرر مثلها مرة أخرى، وعلى الصعيد المهنى فتحت آفاقا لكثير من الدروس التى ستبقى معى ما حييت، وأرجو أن يكون جانب منها على الأقل مصدرا للإلهام، خاصة لهؤلاء من زملائى الذين يبدأون أحلامهم على درب الصحافة الاستقصائية. لكنها على الصعيد السياسى أوقدت شمعة فى طريق فهم جانب مما تكشّف بعد ذلك، سواء فيما يخص العراق وسوريا كاثنتين من أكثر الدول العربية ثقلا وأهمية، أو ما يخص رؤية السلفية الجهادية لتطور الصراع مع الغرب فى ربوع إقليم الشام، أو فيما يخص تململ الشارع العربى من أنظمته.
بعد الختام
السطور الأخيرة من كتاب يسرى فودة «فى طريق الأذى من معاقل داعش إلى حواضن القاعدة» الصادر أخيرا عن «دار الشروق»، يختمها بما يصفه بـ«رؤية ثاقبة.. يطرحها بشجاعة نادرة أمام الكاميرا فى حلب الدكتور عبدالرزاق عيد، من جمعية إحياء لجان المجتمع المدنى، فى إبريل عام 2006، قبل خمس سنوات من بداية انفتاح بطن سوريا: «يعنى الوضع فى سوريا لا يختلف جوهريّا عن الوضع فى العراق (قبل الغزو)، والمقدمات التى ساقت إلى الحالة العراقية متوافرة بكاملها عندنا فى سوريا، إن كنت تريد أن تتحدث عن مسألة تغييب المجتمعات.. وبالتالى يعنى السلطات هى التى فرضت وصايتها أن تكون بديلا للجميع. وبالتالى يعنى كان الدرس العراقى بالنسبة لنا مثل وسيلة إيضاح.. لا يمكن لمجتمع أن يدافع عن سيادته الوطنية الخارجية بدون تحقيق سيادة وطنية داخلية... وإلا فالناس لا تدافع عن سيادتها وإنما عن سيادة حكامها أو سادتها».
ويقول كذلك فى آخر فقرة من كتابه: ويا له من تحد ينذر أكثر مما يبشر ذلك الذى يبسطه فى هدوء مؤسس كتائب شهداء الأقصى، منير مقدح، قبل سبع سنوات من انسلاخ داعش من بين أضلاع القاعدة على طريق «حركة الجهاد العالمى»، التى تؤمن بأن نزالا أخيرا بين المسلمين والكفار واقع لا محالة فى هذا القطاع من العالم: «ونحن هنا نقول.. ليس عارا أن يدخل العدو إلى أرضنا.. العار إذا خرج سالما. فهذه بلاد الشام مهيأة.. مهيأة لأى شىء.. وهى بركان تحت رماد. متى ينفجر؟ الله أعلم».
والفقرتان الأخيرتان من الكتاب، تستدعيان بالضرورة عبارات كثيرة وردت فى ثنايا مغامرته عبر الحدود السورية العراقية، لعل أولاها ما أحتواه حوار أجراه فودة مع القائد العسكرى لجماعة «الجيش الإسلامى فى العراق»، أبو مشتاق الزبيدى، الذى كان يتحدث لأول مرة لوسيلة إعلام فى إجابة مصورة عن أسئلة طرحها فودة.. والأسئلة هنا تنصب على «بواعث الغالبية العظمى من جماعات المقاومة فى العراق التى ترفع راية الإسلام وتنطق بلكنة بِنْلادِنِيَّة؟
ويقول الزبيدى: «إنما نحن فقد عُبئنا قبل أن تأتى أمريكا وقبل أن تأتى بريطانيا (إلى العراق)، وقد عُبئ ذلك من خلال قراءتنا للقرآن، ومن خلال فهمنا لسنة النبى عليه الصلاة والسلام، ومن خلال ما أردنا من هذه العبادة: أن ندخل الجنة. فنحن علمنا أن هذه الجيوش عندما تقاتل بعقيدة الأرض تختلف عن الجيش الذى يقاتل بعقيدة السماء».
وكان فودة بعدما قطع رحلته المحفوفة بالمخاطر، توصل إلى حل وسط «قمت فى إطاره بإمدادهم بأسئلة مكتوبة قرأها عليه أحد أعوانه ثم أرسلوا لى بعد ذلك بإجاباته المصورة على شريط».
البنلادنبة
«على الشريط نفسه سجلوا بعد إجاباته ما كنت أخشاه: اجتماعا لعدد من القادة الميدانيين للجيش الإسلامى يخططون لعملية كبرى، تم تصويره «حصريّا» لصالح التحقيق الذى كنت أقوم به. يظهر هؤلاء القادة فى الشريط ملثمين، لا بتلك الشالات العربية ذات اللونين الأحمر والأبيض ولكن بأقنعة سوداء من الواضح أنها فصلت خصيصا لهذا الغرض. حوالى دستة من القادة جلسوا، لا على الأرض بل على مقاعد مريحة حول طاولة طويلة أنيقة كأنها فى قاعة اجتماعات لشركة حديثة، لا فى كهف ناءٍ بل فى غرفة عادية مزدانة. أمام كل منهم جهاز كمبيوتر متنقل (لاب توب) وفى منتصف الطاولة الممتدة عرش من الأزهار وخريطة ورقية معقدة، وأمامهم جميعا على الحائط شاشة بلازما عرضها 50 بوصة تنبعث منها خريطة حديثة لوسط بغداد. بهذه التفاصيل كلها لا يجد الذهن صعوبة فى إدراك أنك داخل غرفة عمليات».
«على رأس الطاولة يجلس الآن رجل ظهره إلى الكاميرا وصوته ينبئ بأنه ربما يكون قائد القادة. يفتتح الاجتماع بآيات من القرآن الكريم قبل أن ينقله المونتاج إلى: «إذا، نعلم الآن أن ساعة الصفر هى الساعة الواحدة ليلا.. ليلة الخميس على الجمعة الساعة زيرو مية. لقائد القوة مجموعتان من كتيبة الديرة ومجموعتان من كتيبة سلمان لمهاجمة قطاعات العدو فى منطقة.. (قطع فى المونتاج).. أريد أن أعرف كم قذيفة لديك كى أسجلها عندى؟» يبدأ رجل يجلس فى المنتصف الإجابة: «بالنسبة لى»، فيقاطعه القائد مفصلا السؤال: «قذائف 60 ملليمترا، كم رأسا تقدر أن تؤمّن لى؟» فيستطرد الرجل فى الإجابة: «أقدر أؤمّن لك 30 رأسا»، فيكررها القائد للتأكيد، وهو يسجل فى أوراقه: «30 راسا 60 ملليمترا».
تبدو«اللكنة البنلادنية» مختلفة قليلا هنا، أليس كذلك؟ فمنذ متى كانت تحتوى على مفردات ومصطلحات من مثل «الساعة زيرو مية» و«كتيبة» و«قطاعات العدو» و«قذائف 60 ملليمترا»؟ مفردات القاموس العسكرى المحترف من شأنها فقط أن تؤكد إيحاءات بأن عناصر من الجيش العراقى المسرّح ومن البعثيين ومن القوميين استطاعت أن تجمع شتات حركة مقاومة جادة داخل العراق. ورغم أنها علمانية القلب والروح فقد استطاعت أن تفاجئ نفسها وتفاجئ المتابعين عندما اجتذبت حماسة الشارع المقاوم، لكن ذلك لم يكن ليحدث فى نظر كثيرين إلا عندما علقت راية الإسلام على مدخل المكان.
يكفى اسمها، «الجيش الإسلامى فى العراق»، لجذب المئات من المقاتلين والمجاهدين وطلاب الشهادة ولتحويلها فى وقت قصير إلى كبرى جماعات المقاومة وأكثرها فتكا. يستطيع جورج بوش الصغير أن يستخدم كلمة «بعثيين» فى سياق سلبى كل مرة يرهق نفسه لتزيين غزو العراق، لكن هؤلاء من الأمريكيين الذين يعلمون حقيقة الأمر سيجدون فى استعداد المئات، بل الآلاف، للشهادة تحت لواء الإسلام ولو كان الذين يرفعونه بعثيين، هزيمة لمشروعه فى بلاد الرافدين.
إجابات
وتضم ثنايا قصة الرحلة أجزاء أخرى تحتوى معلومات عن «حواضن داعش»، نختتم عرضنا لكتابه «طريق الأذى» بهذى الإجابات:
لدى القاعدة وشبيهاتها على أى حال أصدقاء ومتعاطفون كثر فى بلاد الشام. بعضهم سيتحول بعد ذلك إلى حلفاء، سرّا أوعلنا، وبعضهم سيكون جزء لا يتجزأ من التنظيم. أحد الحقول الطبيعية للإخصاب تقبع فى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التى تجاوزت أحوالها من التردى بكثير الحدود الدنيا لأى معايير إنسانية. فى ظل حياة بائسة وآمال ضائعة فى مخيمات دول الطوق المحيطة بالإسرائيليين فى بلاد الشام يشكل مئات الآلاف من هؤلاء أهدافا سهلة للتجنيد.
خذ على سبيل المثال مخيم عين الحلوة فى لبنان الذى يؤوى نحو 80 ألف روح (وقتها، عام 2006) يتكدسون طبقات فوق طبقات فى مساحة لا تزيد على ميل واحد مربع. هو فى واقع الأمر دولة أخرى داخل الدولة اللبنانية، يحكمها ويديرها رجل خارج عن القانون بحكم محكمة أردنية. منير المقدح مقاتل فلسطينى شرس شارك عام 2000، فى غمار رحلة عمر طويلة مع المقاومة المسلحة، فى تأسيس «كتائب شهداء الأقصى» كجناح عسكرى لحركة فتح بأمر مباشر من الزعيم الفلسطينى الراحل، ياسر عرفات. فى ذلك العام نفسه، أصدرت محكمة أردنية حكما غيابيّا بإعدامه بتهمة تدريب مجموعة من أتباع أسامة بن لادن الذين كانوا يخططون لتفجير عدد من الأهداف الإسرائيلية والأمريكية فى الأردن. وبعد خمس سنوات، عام 2005، أُعلن هذا التنظيم تنظيما إرهابيّا من قبل الإسرائيليين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى وكندا واليابان.
كيف التقى صاحب الفكر اليسارى المتشدد صاحب الفكر اليمينى المتشدد؟ هناك ما يثير مزيدا من الدهشة التى تفتح مجالا أرحب للفهم. شريد هو الآن فى مجتمع مغلق على نفسه، لا يغادر حدود المخيم لأسباب واضحة، ومن ناحيتها لا تستطيع السلطات اللبنانية اقتحام حدوده. لديه حرية الحركة فى أزقة المخيم، وهى تكفيه؛ فعلى مدى سنوات طويلة يستمر فى الإشراف على دورات تدريبة عسكرية مر من خلالها عدد ضخم من الشباب، من داخل المخيم ومن خارجه، حتى هولا يستطيع إحصاءه. يبدو هو الآن لمن يلتقى به وقد اكتسى وجهه بكثير من التجاعيد وانحنى ظهره قليلا، لكنه فى انضباطه وحزمه واتقاد ذهنه لا يزال يبدو وكأنه فى منتصف العمر.
لكن الاختلاف الأكثر وضوحا، الأكثر إثارة للدهشة لأول وهلة، هوفى ميله الواضح الآن إلى أفكار كتلك التى يحملها أسامة بن لادن، ومن أبرزها انعدام الحدود بين أراضى الإسلام. بعد عمر طويل، بلغ كُفر خريج مدرسة فتح بالأنظمة العربية فى مواجهة الإسرائيليين حدّا صار معه لا يؤمن الآن بالحدود. يتباهى أمامى بأن «كثيرا من المتطوعين للجهاد فى العراق خرجوا من مخيمات فلسطينية. معظمهم يأتى من دول أوروبية، أو أنهم على الأقل يحملون جوازات سفر أوروبية. يذهبون إلى هناك من أجل المقاومة، وهذا حق طبيعى مثلما يأمرنا نبينا محمد، صلوات الله عليه وسلامه، بأنه إذا احتُل شبر من أرض المسلمين وجب القتال على كل مسلم.. يصبح الجهاد فرض عين».


المصدر: الشروق

قد يعجبك أيضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على من معاقل القاعدة إلى حواضن داعش.. يسرى فودة فى طريق الأذى العـودة إلى الفـخ (الأخيرة)

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
14185

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة