الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةإصدارات وكتب أدبية › حين يتداخل التاريخي مع القصصي من جبل لبنان إلى قناة السويس

صورة الخبر: حين يتداخل التاريخي مع القصصي من جبل لبنان إلى قناة السويس
حين يتداخل التاريخي مع القصصي من جبل لبنان إلى قناة السويس

يستكمل الدكتور فواز طرابلسي في هذا الكتاب ثلاثية أصدرها في ‏أوقات متباعدة، تعتمد مادتها الأولية على أرشيف عائلي، أي على الوثائق والبيانات والمدونات ‏المباشرة لفترة زمنية معينة، ليبني عليها تاريخا اجتماعيا نستبين منه ‏التحولات المغفلة في التواريخ المعتمدة ومصادرها التي يكتبها الدم في ‏ساحات المعارك وميادين الحروب.‏ في هذه الثلاثية يبين الاقتصاد والربا والمحسوبية والتوازن الطائفي ‏وكيفية تشكل الفعاليات في صناعة التاريخ، وتتضح التحالفات المبنية ‏على المصالح المشتركة في تكون ونمو الملكيات العقارية الكبيرة ‏نسبيا، ويظهر الالتزام الضريبي فاعلا في توازنات القوى وترجيح ‏النزاعات وأثرها. ‏ ينطلق المؤلف في كتابه الأول «يا قمر مشغرة» الصادر في العام ‏‏2004 من مجموعة وثائق تخص «إلياس طرابلسي» وابنه سليمان ‏وأسرته. نجح المؤلف بعد أن ‏حصل عليها في فرزها والاحتفاظ بها، وتسجيل ملاحظات عنها فتكون ‏لديه أرشيف مدهش في حجمه، وفي الدقة التي جمعه ونظمه صاحبه ‏محتفظا بأصغر قصاصة ورق، مدونا كل تفصيل مهما كان ‏تافها بنظرنا. ويسمح هذا التوثيق بدراسة ثلاث ظواهر من حياة «مشغرة» والجوار، وهي تمتد بين منتصف القرن التاسع عشر ومطلع ‏الأربعينات من القرن العشرين.
كما تمدنا بمعطيات حول تكون وانحلال ملكية عقارية كبيرة، ‏شملت نحو عشر مزارع في جوار مشغرة بالإضافة إلى عقارات في ‏البلدة ذاتها، انطلاقا من الالتزام الضريبي، ومن التجارة والربا. ويزداد ‏الأمر أهمية إذا علمنا أن أسرة الملاك العقاريين هذه مسيحية في حين ‏أن أكثرية سكان مشغرة كما أهالي مزارع الجوار وقراه من المسلمين. ‏فانعكست النزاعات وتوازنات القوى الناجمة عن ذلك التكوين ‏الديموغرافي على توازنات القوة بين الطائفتين داخل البلدة ذاتها كما ‏على توازنات القوى بين البلدة والقرى والمزارع المجاورة.‏ يسعى الكاتب لاستكمال قصة شبكة المحسوبية والحزبية العائلية في ‏ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وأيضا السياسية والأمنية ‏التي طرأت عليها في العهود الاستقلالية. وذلك في مجرى الوثائق التي ‏توقفت كتابتها في مطلع الأربعينات من القرن الماضي. فيستكمل ‏المؤلف رواية تلك القصة في أطوار ثلاثة:‏ ‏1) وفود الحزبيات الحديثة إلى البلدة وتراكبها مع الحزبيات العائلية.‏ ‏2)‏ بروز قيادات جديدة للحزبية العائلية تعتمد أكثر فأكثر على ‏الارتباط بالسياسة الوطنية.‏ ‏3) تطورات حرب 1975 - 1990 والاحتلال الإسرائيلي ودخول ‏الميليشيات المختلفة إلى البلدة المترافق مع انحسار دور الأحزاب ‏والهيئات النقابية العابرة للطوائف.

في العام نفسه (2004) أصدر فواز طرابلسي كتابه الثاني «إن كان بدك تعشق» كتب فيه عن دور الحرير في ‏تشكيل المجتمع اللبناني وتطوره، ودورته الاقتصادية وعلاقته مع ‏غرفة تجارة «ليون» الفرنسية، وبروز ‏شجرة التوت لعشق دودة القز لأوراقها، وعمليات التبادل التجاري ‏التي يرعاها أصحاب الأموال والنفوذ، واحتكار أصحاب الأموال عمليات ‏التصدير واستيراد المعدات وإقامة الكرخانات لمعالجة الشرانق، فكان لهذه العمليات الأثر الأكبر في صعود ‏عائلات وامتداد نفوذ بعضها الآخر خارج الحدود والأطر الجغرافية ‏المعروفة آنذاك، مناطق عثمانية أو متصرفية جبل لبنان أو دولة ‏لبنان الانتداب، فأصبح مصدر الغنى تجارة ‏الحرير، وشاع القول: «إن كان بدك ‏تعشق تاجر بالحرير».‏ يستكمل فواز طرابلسي مشروعه الكتابي بعد انقطاع، لم يخلُ من ‏مقاربات مع الموضوع، فأصدر كتاب «تاريخ لبنان الحديث» 2008، الذي عالج فيه موت النظام ‏‏«المقاطعجي» وجدليات بؤس وعظمة المتصرفية، وكيف أصبحت ‏بيروت عاصمة التجارة والثقافة، والإصلاح من خلال السلاح وغيرها من المواضيع ‏المتصلة ليعود إلينا وكأنما تدغدغ دودة القز حلمه، وخيط الحرير ‏كلمته في كتاب «حرير وحديد» الصادر في مطلع السنة الحالية (‏‏2013). ‏ ‏ «حرير وحديد من جبل لبنان إلى قناة السويس»، كتاب في التاريخ يؤسس لنفسه أسلوبه ‏ومنهجه الخاص، يدور حول الحدث، يطوقه ويخلط بطريقة مشوقة بين القصصي ‏والتاريخي، وينتقل من مادة إلى أخرى تراها للوهلة ‏الأولى غير مترابطة لكن القارئ يكتشف اللحمة في النهاية بين ‏المعلومات المعروضة.‏ ويفتح المدى الجغرافي على آفاق أوسع مما تناوله في كتابيه السابقين.

تتنقل شخصيات هذه الحوليات عبر البحر الأبيض ‏المتوسط شرقه وغربه خلال القرن التاسع عشر.‏ يبدأ التدوين مع ‏إطلالة موسم الحرير في جبل لبنان، ويختتم مع افتتاح قناة السويس ‏في مصر. مثل خيوط حرير ‏فوق نول تروح وتجيء أحداث تلك ‏الفترة فتتسلك باللحمة والسدى مصائر أفراد وجماعات وبلدان ‏وأمصار وأقوام ‏وشعوب.‏ ‏تتداخل ألوان وأصباغ وتفترق ألوان وأصباغ وتتصالب خيوط ‏وترتخي خيوط وتنقطع خيوط لتنوصل خيوط. ‏وتنعقد قطب ظاهرة ‏للعيان لتختفي قطب عن العيان تعمل عليها جميعا أنامل نساج لا ‏يرحم، يسميه البعض «القدر» ‏والبعض الآخر «الاستعمار»، ويكتفي ‏ثالث بأن يقول عنه إنه «التاريخ». يبدأ التدوين سنة 1806 لينتهي ‏في سنة ‏‏2004 في بلدة «جون».

لبعض الأشخاص حصة كبيرة في السرد التاريخي، منهم ‏الليدي هستر ستانهوب وموضوعها قصة في حد ‏ذاته، ومنهم أيضا ‏فارس الشدياق أحد كبار رجال النهضة العربية، الذي عُرف باسم ‏أحمد فارس الشدياق وموضوعه ‏قصة مأساوية، حيث تكاتف ‏الإقطاع السياسي والديني على شقيقه أسعد ‏الشدياق، الذي ‏اعتنق البروتستانتية. فاعتقل في قبو ‏مقر ديني، وعُذّب إلى أن مات ‏في ذلك القبو.‏ لم يتدخل طرابلسي في المادة التاريخية بل أوردها موثقة.

فتحت عنوان «صيف 1832 - تاجر بريطاني في ‏قنوبين» (وهي منطقة في شمال لبنان).. نقرأ ‏عن اعتقال أسعد ‏الشدياق، وكيف أثار ردود فعل تجاوزت تداعياتها حدود جبل لبنان الصغير. بعد ذلك نصل إلى «1832 - الجزائر: سيدي عبد القادر»، في ‏إشارة إلى الأمير عبد القادر الجزائري. وهنا ‏نقرأ «كان عائدا من ‏غزوة على وهران عندما استدعاه والده الأمير محيي الدين الحسيني إلى اجتماع ‏مشايخ وعلماء جاءوا يبايعون سليل ‏الإمام الحسن سلطانا على المغرب الجزائري.. اعتذر الشيخ لأنه ‏كبر ولم يعد ‏قادرا على القيادة وتنازل لابنه».‏ وتحت عنوان «تموز 1833.. نفس نارجيلة في بيروت» نقرأ ‏عن اجتماع وفد مع «الكولونيل سي المعروف ‏بسليمان باشا، وهو ‏العسكري السابق في جيش نابليون الذي وضع نفسه في خدمة ‏محمد علي باشا. منحه ‏الخديوي رتبة أميرالاي وكلفه مهمة بناء ‏جيشه الحديث بتجنيد الفلاحين وأرسله للتنقيب عن الفحم في صعيد ‏‏مصر».‏ أما عن الليدي هستر ستانهوب فنعود إلى مرحلة سابقة وهي تحت ‏عنوان «1806 - على الساحل الإسباني».‏ واشتهرت هستر بأنها فارسة متمكنة. تنبأ لها عراف نبوءة غيرت ‏حياتها إذ قال ‏لها: «إنها أنثى المسيح التي ستقود شعوبا ذات يوم وتعيش سبع سنوات في الصحراء، ‏وإنها ستصير ملكة على اليهود».‏ سافرت إلى الشرق سنة 1810 وتوجهت إلى ‏دمشق مع حاشيتها ‏وفي الطريق إليها حظيت في الإسكندرية بمقابلة محمد علي ‏باشا، الذي أهدى إليها جوادين ‏عربيين.‏ وبعد جولة في سوريا، أمضت مدة في تدمر التي تصورت ‏أنها ستكون ملكتها كما كانت زنوبيا، توجهت إلى ‏جبل لبنان حيث ‏أقامت مع حرسها الألباني. في جبل لبنان اكتسبت «الست» شهرة ‏ونفوذا واسعين وكانت كلمتها ‏نافذة عند الحكام والقناصل لا القنصل ‏البريطاني وحده.‏ وعلى الرغم من أن المؤلف في بداية الكتاب قال: «جميع شخصيات هذا الكتاب حقيقية ‏ومثلها الأحداث والمواقع والتطورات.. لعب ‏التخيل دوره في ثلاثة ‏تأليفات فقط» ذكرها المؤلف.

ومن الحقائق أن الحرير جعل من سوريا «مستعمرة ليونية»؛ فمنع غورو قطع أشجار التوت والتحريج لتزويد الكرخانات بالحطب، وألزم السوريين باستيراد السلع الحريرية الفرنسية، فأقامت على شرفه غرفة تجارة «ليون» حفل استقبال وقف فيه الصناعي الليوني «غينو» وقال: إن سوريا بلد غني جدا، ويهم، نظرا لماضي العلاقة بيننا، أن نثمر هذا الغنى لصالح فرنسا». فرفع الجنرال غورو كأسه وأعلن: «أيها السادة، الصفقة سوف تكون مربحة».

المصدر: الشرق الاوسط | سمير شمس

قد يعجبك أيضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على حين يتداخل التاريخي مع القصصي من جبل لبنان إلى قناة السويس

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
65418

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة