الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةإصدارات وكتب أدبية › "الطلياني: استكناه الذات والوعي بالتاريخ

صورة الخبر: الطلياني
الطلياني

لم تزل الرواية الكلاسيكية بشكلها التقليدي وتقنياتها الفنية المتوارثة التي لا تنحو للتجريب كثيرا، أو المغامرة بآليات السرد، قادرة علي التواصل مع القراء، بل والاستحواذ علي أصوات لجان التحكيم، فلقد حصلت "الطلياني" لكاتبها الأكاديمي د. شكري المبخوت علي جائزة البوكر العربي 2015 وهي أول نص روائي له. جاءت الرواية لتمثل استمراراً لأشكال التقنيات الكلاسية في الكتابة، وترسيخاً متواصلاً للاتجاه الواقعي بتجلياته حيث تبدو الحياة أحيانا أكثر إثارة للدهشة والغرابة من التخييل وفنونه، فيعيد السرد الفني ترتيب العلاقات بالواقع وعرضها علي نحو خاص، ينسج أطراف الحكايات بنسق يتضمن بلورة لتفاصيلها المتناثرة، فيجمع شتات تباعدها ويعيد ترتيبها من خلال نماذج بشرية تنغرز فوق خلاياها بصمات المكان ومتوالية الزمان بأحداثهما، يشكل الروائي الحقيقة أو الواقع تحت عدسات رؤيته الفنية الفكرية، حيث الشغف بتسجيل الوقائع، وتحولاتها في التاريخ القريب، غوص يرصد الأبعاد العميقة لتحركات القوي المتصارعة بالأوطان من خلال رصد النماذج الإنسانية، فهي المرآة المصقولة التي تمر بها هذه الأحداث ظلالاً غامرة، تنطبع فوقها فتزيد من تألقها أو عتمتها، بكل ما تحمله هذه النماذج من تطلعات، وبحث عن ذواتها المضطربة الحائرة في الواقع العربي بكل بلدانه.
الافتراض العبثي الذي وقفت أمامه طويلا أنني لو بدلت أسماء الأماكن بالرواية: المدن والقري والشوارع، وغيرت تغييراً طفيفاً أرقام السنوات التي تقع فيها الأحداث بتونس، وما له علاقة بمواطنيها؛ لأمكنني أن أضع بديلاً اسم أي بلد آخر من بعض الأقطار العربية، حيث لن تتغير أحداث النص عدا القليل منها، فلتكن مصر أو سوريا أو العراق أو الجزائر أو ليبيا أو أي بلد عربي بعد حصوله علي الاستقلال من الاستعمار أو الحماية الأجنبية في خمسينيات القرن العشرين. إذ تتكرر الأحداث: استيلاء قائد عسكري علي الحكم وإزاحة الملكية، نفس شكل القوي المتصارعة علي الحكم: التنظيمات الشيوعية أو الاشتراكية، والجماعات الإسلامية، والأحزاب ذات التوجهات الفكرية النفعية التي تشكلها السلطة، ولعبة التحالفات التي ما تلبث أن تنقلب أطرافها علي بعضها، وعلي خلفية هذا السيناريو المتكرر تتشابه النماذج البشرية التي تشكل الأحداث وتعد إفرازاً لها في الوقت ذاته.
هنا أتساءل: لماذا هذا هو مصيرنا في هذه المنطقة من العالم وهذه الحضارة العربية؟ لماذا هذا السيناريو المتكرر؟ أهو الصراع الذي لم نبارحه بين الأصالة والمعاصرة، هل الأسباب سياسية أم أنها دينية وثقافية؟ هل هو لتحكم الامبريالية العالمية في مقدرات هذه المنطقة؟ ولم لا نغادر كبواتنا وصراعاتنا المتكررة بنفس قضاياها ولا نقطع فيها بحكم العقل والعلم والمنطق والقدرة علي التحرر؟ يبدو أن هذه العوامل مجتمعة قد ظلت هي القيد الذي يحول بين نهضة حقيقية حتي بعد ثوراتنا الاخيرة.
تبلور " الطلياني" قصة الوعي التونسي الحديث بداية من حكم الزعيم بورقيبة، القيادة التي تعول علي ظهير عسكري وأمني، وتتجمل صورياً بالحياة الحزبية الديمقراطية وهي مفرغة منها ولا تعنيها، فتتمكن من الاستحواذ علي أطراف اللعبة وعقد توازنات غير معلنة في الداخل أو الخارج . ثم ادعاء نظام سياسي يسعي إلي تحقيق الحرية والتطلع إلي العدالة الاجتماعية، في ظل وجود قوي ثورية يسارية حالمة تتكئ علي شعارات واختلافات نظرية أكثر من اعتمادها علي مقتضيات الواقع وخصوصية ظرفه، وقوي يمينية راديكالية متمثلة في مجموعة العصابات المتخلفة التي تتخفي وراء أقنعة الدين وتدعو في صلف لا منطقي للوقوف أمام حركة التاريخ.
تلك هي الخلفية السياسية التاريخية التي يرصدها النص بوعي تحليلي عميق لتتحرك في منحنياتها وتشكل أجزاءها الإنسانية حيوات شخوص العمل الذين تنطبع عليهم ظلال الأحداث، فيدور النص حول الطالب عبد الناصر القيادي اليساري بالجامعة التونسية وعلاقاته الأسرية التي تشغل حيزا بالفصول الأولي من الرواية، و من خلالها يرصد الكاتب التحولات الاجتماعية بمجتمع يحاول تحديث واقعه، فتبرز انقساماته بين التقاليد المحافظة والمعاصرة وهو مايبدو من خلال الأخوين: "صلاح الدين" الباحث البارز في الاقتصاد العالمي الذي استقر بباريس، و"عبد الناصر" اليساري الحالم الذي يري توحش الرأسمالية العالمية وتعسف صندوق النقد العالمي والمفارقات الواضحة بين أوضاع غالبية الشعب التونسي والطبقة الحاكمة. يرث عبد الناصر ممتلكات أخيه بعد استقراره بفرنسا، غرفته، موسيقاه، "لالة جنينة" جارتهما وعلاقة بدأها الأخ الأكبر فتستكملها جنينة مع أخيه، ويتفتح عليها وعي الصبي عبد الناصر جنسيا. كما يتحدث النص عن التحولات السياسية والاجتماعية الثقافية التي حدثت في تونس فترة حكم الزعيم بورقيبه، ثم انقلاب زين العابدين بن علي عليه بمسوًغ صحي. ويقدم تشريحاً دقيقاً لبانوراما الاتجاهات المتصارعة علي الحكم ومناطق النفوذ والسلطة وعلاقاتها برجال الأعمال والصحافة والمجتمع الجامعي والأمني.
النفس الإنسانية بين المنطقة الباردة من النار والحارقة من الجنة:
ربما تأتي ميزة هذا النص في قدرته علي وصف هذه العوالم وأفكارها بتناقضاتها ما بين النظرية والتطبيق في خضم مطبات الحياة ومتغيراتها، مانقتنع به من أفكار وما نستطيع أن نمارسه منها بالفعل. يتأتي هذا في عرض سردي طبيعي يلتقط دقائق النفس البشرية، عرض مثقف وواع، عميق التحليل، وفي لغة معبرة ومسبوكة بعناية ، كما جاءت طبيعة الشخصيات وثقافتها العميقة المكتوية بصراعاتها، والتي تمتلك طموحاتها الخاصة، لتمنح الروائي مساحة متسعة ليمارس تعرية الحقائق ومواجهة متلقيه بقناعات أبطاله وسلوكهم دون تهيب جانب أخلاقي ادعائي، بل نحي النص إلي أسلوب الصدمة في عرض الصراعات بين القوي المختلفة أو داخل النفس البشرية الواحدة وتعدد أطماعها.
جميع نماذج النص تتراوح مابين إنسانيتها الراقية ومستواها الغرائزي الذي تحركه رغباتها، فبداية من عبد الناصر هناك الجانب الإنساني الذي يثمن عاطفة الحب والزوجية ويرغب في تكوين عائلة، جانب آخر تتغلب عليه شهوانيته نتيجة لشعوره بعدم الأمان، يؤمن بالاشتراكية لكنه يمارس حياته كبرجوازي، يشتغل بصحيفة قومية ويرضي بأعراف وسطه ليضمن استمرار حياته، يحب زينة ثم نجلاء ويقيم العلاقات مع أخريات بلا أي وازع أخلاقي.
تؤمن زينة بحريتها لكنها تستغل عبد الناصر لتسيير حياتها وإنهاء دراستها لتصبح أستاذة بالجامعة، في علاقة تتأرجح بين الحب والعقد المكبوتة وشرط عدم التخلي عن طموحها لتنتهي بضياع في فرنسا مع صديق يكبرها بأعوام كثيرة.
تستنكر زينة رؤية الشرقي للمرأة تقول:" ..إن المرأة مدانة في الأصل لأنها تزعزع البنية الآيدولوجية المهيمنة باعتبارها خلاصة استيهامات جماعية صنعها الرجال لحماية ملكيتهم للمال والجسد والسلطة" 142. يعجب "صلاح الدين" رجل الاقتصاد بآراء عبد الناصر أخيه لكنه يشتغل ضمن منظومة رأسمالية عالمية، يؤمن أن:" المسألة ترتبط باختيارات محددة للتموقع في الفضاءات الاقتصادية وبالخصوص في الاقتصادات الأوربية وعلي رأسها فرنسا وألمانيا ويركز علي أن السياسة الاجتماعية في التعامل مع الملف الاقتصادي مجرد شعبوية أدت إلي أزمة مع الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1978 وإلي أحداث سنة 1984 " 15 .
ربما كانت رغبة الروائي في القبض الواعي علي هذه الفترة التاريخية بما احتدمت به من قوي، وفروق بين كل توجه فكري ذي مرجعية فلسفية، والاختلافات التي تقع في الاتجاه الفكري الواحد أو السياسي ذاته، وعرض مراحل تكون الوعي الحديث للتونسيين مابعد الاستعمار أكثر إلحاحاً لديه من استحداث تقنيات فنية خاصة ببناء العمل علي نحو يبدو فيه نصه قائما علي نوع من تحديث التقنيات والمغامرة معها.
تناغم اللغة ونزعة التحرر:
يغلب علي لغة السرد الأسلوب المثقف القادر علي الصياغات المحكمة التي تتبلور من خلالها رؤي الحياة، فهي لغة تعلو عشقا للمعرفة، كما تميل إلي استخدام المصطلحات اليسارية المقولبة في صيغها المحفوظة وذلك لتوجهات شخوص النص الفكرية. ومن أبرز سمات هذه اللغة أنها مندفعة حماسية، تميل إلي التنظير تعبيراً عن مناخ العمل في بيئة جامعية أثناء ثمانينيات القرن العشرين في ظل التنظيمات اليسارية وانشقاقاتها بكل ما احدثته من زخم ثقافي ووعي متفتح ارتبط بالمرحلة العمرية لأبطال الرواية وأطروحاتهم الجامعية الحقوقية والفلسفية. هذه الأجواء التي استدعت لذاكرتي نص "الروائيون" لغالب هلسا وهو يؤرخ لهذه المرحلة الاشتراكية بمصر، علي نحو مما نجده في حكي السارد مثلاً عن أجواء اللقاء بين زينة وعبد الناصر بطلي العمل الذي يضفر الكلام فيه بلغة المثقف الخبير:" .. تدخلت برشاقة لتطرح ما تعتبره غموضاً ولبساً يحفان بمفاهيم عديدة لبيار بيرديو تجعلها أقرب للإنشاء البلاغي منها إلي رأس المال الرمزي أنموذجين علي الضبابية المفهومية ، دخلت في جدال مع بعض المدافعين عن بورديو بحماس فياض" 69.
ينسج الروائي لغة سرده مفعمة بأجواء الكتب والثقافة ومفرداتها القريبة من عالمه وعالم شخوصه في كل مشاهد النص وأحداثه، فحين يصف عبد الناصر علاقته بأنجيليكا في باريس أخت زوجة صلاح الدين أخيه يقول:" كان متنها غزير المعاني، كثيرة ظلال معانيها، لم يكن من اليسير عليه شرحه وتحشيته في ليلة واحدة مهما طالت خصوصا أن كتاب حياته مغلق في الغرفة الأخري وقد يطل عليهما في أي لحظة" 139.
يظل الوعي بالإرادة الحرة، والكتاب أفقا للمعرفة، محوراً جوهرياً بالعمل ولذا فهو يدخل في نسيج بناء لغة النص وتتشكل الحياة به من خلال التشبيهات والكنايات يقول في حوار بين عبد الناصر ونجلاء : " أنت كتاب لا يقرأ إلا علي امتداد أشهر طويلة. أجابته: وهل تريد الفراغ منه بسرعة؟ أتنتظرك كتب أخري ؟ - اعتدت علي قراءة أكثر من كتاب في فترة واحدة" 191.
وفي مواكبة لأجواء النص وأحداثه تجنح اللغة

أحياناً إلي العنف ولاسيما عندما يتعلق السرد بالجماعات الإسلامية والجهادية التي وجدت بالجامعة واضطر الأمن الي التعامل معها ، وهو ما نجده أيضاً في الحديث عن العنف الموجه للشيخ (علالة) في كل الفقرات المتعلقة به.
وبالرغم من المستوي اللغوي الفصيح المتثاقف في النص كله إلا أن هناك بعض المفردات الخاصة بالبيئة التونسية ولهجتها العامية اضطر الروائي لشرح بعضها في متن النص مثل تفسيره لمفردة " الأقعار" 145، "حسكتها" 224 .
عادة ما يقاس وعي المبدع وتميزه بقدرته علي استكناه العوالم المختلفة والمتباينة للإنسان، وبقدرته علي تجسيد حالات البشر المتفاوتة في خضم صراعاتها واضطراباتها، فالثنائيات الحدية كالخير والشر أو العدل والظلم أو الحب والكراهية، الصدق والكذب كلها لا تعبر عن الإنسان بصدق، ولا يخلص لها الفرد في حالتها (البيور)، يلتقط الفنان التفاصيل الحساسة المتذبذة صعودا وهبوطا، ويضع عدسات قلمه فوقها ليرصد البيني في حالة فورانه أو كمونه ، في حالة قربه أو بعده من الحدود القصوي للقيمة، فالحياة الحقة تقع بين هذه الثنائيات وتتدرج حالات الفرد بين طرفي كل ثنائية، وهو ما التقطه د. المبخوت بوعي الدارس المتعمق بالذات البشرية.
يبدو المستوي الثقافي المقترن بالمصطلحات الأكاديمية مرتفعاً في أجواء النص كله إلا ماندر، ويبدو التحرر المطلق سلوكاً سائداً وأسلوب حياة وطريقة تفكير إلي درجة لا تصمد أمامها كثير من مواضعات المؤسسة الاجتماعية. إذ تميل الشخصيات في سلوكها إلي التجرد من كل قيمها وقيودها السابقة حتي لو كان ذلك داخل الأطر الاجتماعية المستقرة كالزواج، فهي تسعي إلي التحرر منه مثل مانجده فيما يتعلق بـ "الصداق" بين زينة وعبد الناصر التي أصرت أن تبقي علاقتها به حرة لا زواجاً حقيقياً، و أجهضت نفسها عندما تحرك بداخلها جنين قد يحول هذه العلاقة إلي علاقة زواج مكتملة ومعلنة للجميع. أو علاقة نجلاء صديقة زينة بزوج صديقتها عبد الناصر، ورفضها للزواج منه بصورة قاطعة بعد علاقة زواج فاشلة لم تحقق لها السعادة. ثم علاقات عبد الناصر الجنسية الأخري التي لم تحقق له أي شعور بالاكتمال.
يلاحظ في النص أيضاً تقويض مباشر وضرب للعلاقة الزوجية التي هي من أقوي المؤسسات الاجتماعية رسوخاً في أي مجتمع عربي: بداية من الأسس العائلية الهشة بين عبد الناصر وعائلته وعلاقته البراجماتية بأخيه الأكبر وتلقيه المساعدات المالية والمعنوية منه وفتور تواصله مع باقي أفراد أسرته عدا اخته يسر. ومروراً بإبراز الصدع النفسي المقيم بشخصية زينة جراء اغتصابها وهي لم يتعد عمرها الرابعة عشرة، والشك في تحديد هوية الفاعل أهو ابوها أم أخوها؟ ثم رفضها الزواج المعلن من عبد الناصر أو من صديقها الفرنسي الأخير، وبقاء الآلام الجسدية والنفسية مقيمة برحمها بعد أي اتصال جسدي مع أي رجل. وأيضاً بطلاق نجلاء من زوجها من جراء علاقة جنسية لا تشبعها بل تتسبب في إيلامها.
كأن الروائي يرصد الخواء والاضطراب الذي يعيشه الإنسان المعاصر، ربما نتيجة للحرية التي لا يعرف حدودها، وتطلعه للنموذج الفكري والاجتماعي الغربي في صورته السطحية، أو نتيجة لتنامي المجتمع الاستهلاكي وعدمية القيم والثوابت، فيجسد الروائي هذا التفتت والتشيؤ والبراجماتية في العلاقات الإنسانية وبعدها عن طابع الحب والاستمرار والاقتداء بأي نموذج عاطفي ، إذ أصاب التشوه الجميع دون استثناء. يمثل النص وعياً عميقاً في قراءة الواقع. ليس واقع تونس التي هي مسرح أحداث النص فقط بل واقع الدول العربية الإسلامية في هذه المنطقة الجغرافية من العالم. وهو مايختزله الروائي بعبارة زينة وهي تقول:" فكركم خلطة ساذجة من إسلام الإخوان والوهابية وتأثيرات شيعية .. أنتم تقدسون الأفكار المحنطة ، تقدسون أفكار مدرس تربية إسلامية محدود الذكاء، أو معلم من أرياف مصر، ولا تقدسون الخالق. أنتم أبناء الجهل المغلف بالبحث عن أصل كاذب لم يوجد أبدا " 57. وقد يفسر هذا توالي بعض الأحداث وكأنها نسخ معادة من الوقائع التي حدثت بكثير من البلاد العربية.
"علالة" علة هذه الأوطان
يستشرف النص في زمن السرد 1990 تكرار السيناريو ذاته من استحواذ القوي الإسلامية علي السلطة السياسية وقفزها لسدة الحكم بعد ثورات الربيع العربي وذلك من خلال المسح الصحفي الذي قام به عبد الناصر في كل المدن والقري التونسية النائية لصالح وكالة الأنباء الفرنسية قبل اشتعال ما سمي بثورات الربيع العربي.
ربما جاء تصوير الروائي لانهيار حياة عبد الناصر وزينة معا نتيجة لهذا الاكتشاف وسيطرة زين العابدين علي الحكم واخضاعه للجميع، في تواز مبدع بين الشأن الخاص مع الشأن العام في البلاد. هذا بالإضافة إلي تكوين الرواية الدائري الذي يبدأ بالمشهد الصادم الذي تمثل في ضرب عبد الناصر للشيخ الدرويش: (علالة) عند قبر أبيه أثناء دفنه، لتنتهي الرواية بذات الأحداث التي استهل بها السرد. إذ ينقل الراوي صديق زينة وعبد الناصر عنه قصة لالة جنينة مع علالة وكيف كانت حياتهما، لنكتشف في نهاية النص لماذا ضرب عبد الناصر علالة في أوله، عندما تلاقي مشهد عبد الناصر مع ريم وهو يهم بمواقعتها ،316 مع ما تذكره من فعل علالة الشاذ معه عندما كان صغيراً، لكن المشهد كان أكثر عمقاً وظلالاً من هذا فيما بدا لي، فقد انتهت ملاحظات عبد الناصر واستقراؤه للواقع التونسي في قراه ومدنه الصغيرة كلها إلي استفحال أمر التيار الإسلامي وسيطرته علي أذهان البسطاء، وتأكيد غلبتهم عند إجراء أية انتخابات قادمة، وتوازي هذا مع رؤيته للإسلاميين فهم: " تعبيرا عن تفقير الأرياف وترييف المدن في العهد البورقيبي" 208. ويذكر في النص صنيع حزب الدستور الحاكم حينما أراد ضرب اليسار التونسي: " فشجع الإسلاميين ورعاهم وسمح لهم بالعمل في المساجد وتكوين نوي لمجتمع مواز باسم الدعوة إلي الدين والأخلاق الحميدة " 208. كما يذكر السرد الخاص بعبد الحميد الصحفي الكبير مدير عبد الناصر بالجريدة أنه يحب اليساريين الأذكياء ويكره بالفطرة الإسلاميين الذين يهددون الإرث الحداثي للبلاد 154. وحين نجمع كل هذه القرائن والإشارات معاً نستطيع أن نلتقط التفسير العميق لضرب عبد الناصر الشيخ علالة ببداية السرد وهو ما انتهي به النص أيضاً. وأتصور أن علالة يمثل كل ما هو طفيلي شاذ من مظاهر الدين، فهو لا يمثل الدين في جوهره وإن كان يظهر بسمت رجل الدين الذي يؤذن بالناس وراثة عن الشيخ الشاذلي والد جنينة.
يمثل علالة نوعاً من الدروشة والحياة علي هامش العقل البشري ، يقفز فوق مالا يستحقه، لايصلح لشيء سوي ممارسات شاذة توقع الأذي بالآخرين المحيطين به. ربما أراده الروائي رمزاً لهذه الجماعات التي لا يعنيها جوهر الدين، بل ما تناله من توظيف الدين في الإسلام السياسي من نفوذ واستحواذ علي السلطة.
ورغم أنني لا أفضل تأويل النص وحصر شفراته في قراءة رمزية إلا أنني قد تصورت لالة جنينة ابنة الشيخ الشاذلي رجل الدين المتصوف رمزاً لتونس أو أي قطر عربي، تعرضت لضياع المستقبل وتوزعه الفادح نتيجة لعدم النضج والتخلي عن العلم والعقل الذي هو طريق حتمي لتحديث الأوطان. لم تجد من يقف بوعي بجوارها، لذا كان قدرها هذا الرجل العنين أو الجماعات الإسلامية التي تتستر بالدين لتخفي عقمها الواقعي في انتاج حضارة حديثة تلحقنا بركب التطور العالمي. ربما لكل هذا يبدأ النص وينتهي في حركة دائرية كزمان هذه البقعة من العالم بحادثة ضرب عبد الناصر للشيخ علالة رمزا لكل ماهو شاذ وبلا منطق، ولنا أن نلاحظ مجرد اختيار اسم الشخصية، فالعلة تكمن في نهج فكري لا يمكن أن يصمد أمام حركة التاريخ الطبيعي .

المصدر: اخبار الادب

قد يعجبك أيضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على "الطلياني: استكناه الذات والوعي بالتاريخ

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
1326

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة