الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةإصدارات وكتب أدبية › الحسن بن علي.. شهيد التسامح

صورة الخبر: الحسن بن علي
الحسن بن علي

بات من الضروري إعادة النظر في معايير اختيار النماذج القيمية من التراث حتى نستطيع بها أن نؤسس لمجد جديد، ففي تاريخنا نماذج مشرقة لقيم كثيرة نحتاج لإبرازها، ومن أبرز هذه النماذج الإمام الشهيد الحسن بن علي الخليفة الراشد الخامس رضي الله عنه، الذي يعد واحدا من أكبر نماذج التسامح والحلم في التاريخ الإسلامي، فهو السيد الذي جمع الله به الأمة، كما قال عنه النبي الكريم، وهو المناضل المسالم المؤسس للنضال السلمي كما يعلمنا التاريخ.
ورث الإمام الحسن بن علي الخصومة السياسية بين أبيه ومعاوية بن أبي سفيان ، بعد أن بويع له، ورفض معاوية هذه البيعة، وأتى بجيش الشام إلى الكوفة؛ ليحسم الصراع مع الابن، واحتشد جيشي الشام والعراق بكامل عدتهم وعتادهم متواجهين، وعلى اتم استعداد لإفناء بعضهم البعض، فتنبه الحسن بن علي أن هذه معركة لا منتصر فيها، وأنها خوضها يعني فناء الأمة الاسلامية، التي احتشدت في الجيشين، ولم يكن الحسن وحده من وعى هذا، بل لقد تنبه لها أيضا خصمه معاوية، يروي الحسن البصري قال:” استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب مثل الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لارى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -: أي عمرو ! إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لأمور المسلمين، من لنسائهم، من لضيعتهم ؟ !”.
إن كلا القائدين متيقن من المأساة؟ وقبل لحظات قليلة من بدأ المعركة قام الحسن بن علي في جيشه خطيبا، والجنود في لهفة لخطاب حماسي يلهب المشاعر، ويحث على القتال فقال ” قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي بين معاوية وبين هذا الأمر (أي أمر الحكم) فقد طالت الفتنة وسفكت فيها الدماء، وقطعت فيها الأرحام، وقطعت السبل وعطلت الثغور…. يا أيها الناس إني كنت أكره الناس لأول هذا الأمر، وأنا أصلح آخره، إني جدت بحقي لصلاح أمة محمد صلى الله عليه و سلم” لقد تنازل الخليفة الشرعي المنتخب عن حقه في الخلافة ليمنع هلاك امة محمد وليضع حدا لقتال استعر بين المسلمين لسنين عديدة.
تملكت الصدمة والذهول الكثير من أتباعه بينما تفهم آخرون، فالعقلانية، والإنسانية، والضمير اليقظ، والتسامح صفات ليست بجديدة على الحسن، فقد كان انسانا راقيا ساميا شديد الرفض بطبعه للحروب والدماء، وكان يجاهر برفضه هذا أمام الجميع، فقبل موقعة الجمل حاول مرارا ثني والده عنها ثم حاول منعها فدخل على أبيه، وهو باك لا يخفي حزنه وتأثره، وقال لوالده : قد أمرتك فعصيتني، فقال علي : إنك لا تزال تخن خنين الجارية (خن : يخرج الصوت من خياشيمه) ، وما الذي أمرته فعصيته ؟ ، قا : أمرتك يوم أحيط بعثمان أن تخرج من المدينة ، فيقتل ولست بها ، ثم أمرتك يوم قتل أن لا تبايع حتى يأتيك وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر، ثم أمرتك حين فعلا هذان الرجلان (يعني طلحة والزبير) ، ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا ، فإن كان الفساد كان على يدي غيرك ، فعصيتني في ذلك كله… ” يبكي الشاب المسالم بصوت مسموع حزنا على ما سال من دماء، وقد دافع الأب عن نفسه في حوار نموذجيا يؤشر لعلاقة رائعة بين ابن وأبيه، تظهر لنا الاحترام العميق بينهما.
كان الحسن يؤمن بالشورى ويحث عليها، وله فيها فهم راقي حيث يقول: “والله ما تشاور قوم قط إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم” لم يقل الحسن إلا هداهم الله للحق، وإنما لأفضل ما يحضرهم، فالشورى ليست طريقا للحق يرفع عن الأمور نسبيتها كما يتخيل البعض.
وقد سمي العام الذي تنازل فيه الحسن عن الخلافة وتصالح فيه الفريقان بعام الجماعة، وبعدها دخل عليه أحد أتباعه قائلا بفظاظة بالغة السلام عليك يا مسود وجوه المسلمين (يعني بالصلح) فقال الحسن: لا تقل ذلك اني خشيت أن يجتث المسلمين عن وجه الأرض، فأردت أن يكون للدين ناعي، فقال الرجل بأبي أنت وأمي “ذرية بعضها من بعض”، وقال له آخر: يا مذل المؤمنين ! فقال: “لا، ولكن كرهت أن أقتلكم على الملك” وروى الذهبي في السير أنه قيل للحسن: يقولون: إنك تريد الخلافة. فقال: كانت جماجم العرب في يدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها لله.
لقد تحمل الإمام الحسن الكثير من الأذي من أتباعه وخصومه، وتلقى ذلك في صبر وثبات شديدين فكان يعارض بالصمت خوفا من تفجر الأوضاع، وتعرض لمحاولات اغتيال متعددة بالطعن مرتين، وبسهم مرة قبل الصلح وبعده، يختلف المؤرخون حول مدبريها هل كان معاوية أم انصاره ليمنعوا الصلح؟، لكن شيئا لم يوقف الإمام عن مساعيه للسلم الأهلي بين المسلمين.
وبعد الصلح بدأت مضايقات السلطة وظل يجاهدها بصمته وصبره؛ حتى لا يراق دم مسلم، فنصف الأمة أنصاره، وهو لا يريد للحرب أن تعود، يروى ابن عساكر في تاريخ دمشق قَائلاَ : كَانَ مَرْوَانُ بن الحكم أَمِيرًا عَلَى المدينة لسِنِينَ ، فَكَانَ يَسُبُّ عَلِيًّا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقِيلَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ : أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ مَرْوَانُ ؟ فَلَا تَرَدُّ شَيْئًا ؟ فَكَانَ يَجِيءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَيَدْخُلُ حُجْرَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَكُونُ فِيهَا ، فَإِذَا قُضِيَتِ الْخُطْبَةُ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ” لقد تعرض الإمام لأقسى درجات العذاب النفسي، وأعطانا صورة من أسمى صور المعارضه السلمية بكل نبل وشرف.
ورغم كل هذه المسالمة والصبر، إلا أن خصومه ظلوا على تخوفهم من مجرد وجوده حتى ولو صامتا، فخططوا لاغتياله في محاولة ثالثة ولكن بالسم، فنالوا منه، وعلى فراش الموت يثبت الحسن أن التسامح والسلم عنده عقيدة راسخة يروى الذهبي في سير أعلام النبلاء قوله:” والله إني قد لفظت طائفة من كبدي قلبتها بعود، وإني قد سقيت السم مرارا، فجاء الحسين، فقال: أي أخي ! أنبئني من سقاك ؟ قال: لم ! لتقتله ؟، قال: نعم، قال: ما أنا محدثك شيئا، إن يكن صاحبي الذي أظن، فالله أشد نقمة، وإلا فوالله لا يقتل بي برئ، فلما احتضر الحسن قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك.
وحينما خرجوا بجنازة الحسن، حمل مروان والي معاوية بالمدينة سريره، فقال الحسين: تحمل سريره ! أما والله لقد كنت تجرعه الغيظ. فقال: كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال.

المصدر: البديل

قد يعجبك أيضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على الحسن بن علي.. شهيد التسامح

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
14914

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة