الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

اخبار التكنولوجيا والعلومتكنولوجيا واتصالات › السرعة الضوئية للعوالم الرقمية ترتسم في نفوس الشباب

صورة الخبر: السرعة الضوئية للعوالم الرقمية ترتسم في نفوس الشباب
السرعة الضوئية للعوالم الرقمية ترتسم في نفوس الشباب

«لا يمكن مقارنة ستيف بالمر بستيف جوبز. ولا يمكن اعتبار أن المدير التنفيذي لشركة «مايكروسوفت» فيلسوف. ولكنّه خلال مؤتمر المطوّرين الأخير الذي عقدته هذه الشركة، لجأ بالمر إلى استخدام شعار عصرنا وهو «أسرع! أسرع! أسرع! أسرع!» بشكل مميّز، بل جعله موضوع المؤتمر.
ولربّما أراد بالمر أن يشير إلى تطوير منتجات جديدة أو استحداث أنظمة تشغيل تتميّز بسرعتها غير المسبوقة، بيد أنّ السرعة باتت أيضاً تشكّل هدفاً عالميّاً في المجتمع العصري».

الميكانيك وثراء الحياة معنويّاً
بمثل هذه الكلمات، أعرب الألماني هارتموت روزا، وهو عالم اجتماع وأستاذ في جامعة «جينا» الألمانيّة، عن اعتقاده بأنّ السرعة باتت ظاهرة لا تقتصر آثارها على عوالم التكنولوجيا الرقميّة. واقترح في كتاب ظهر أخيراً بعنوان «التسارع والاغتراب»، أنّ التسارع عنصر أساسي في الحداثة الراهنة، ما يجعله بالتالي أهمّ مفهوم في عصرنا.
علاوةً على ذلك، ميّز روزا بين التسارع الميكانيكي، وتسارع التغيّر الاجتماعي، وتسارع وتيرة الحياة اليومية. ولاحِظ أنّ عمليّة التسارع الميكانيكيّ بدأت في القرن التاسع عشر بالتزامن مع الثورة الصناعية. وتركت آثاراً عميقة على وتيرة الحياة اليوميّة. فلجهة الوقت الذي يحتاجه الفرد للسفر حول العالم مثلاً، لا شكّ في أنّ التسارع الميكانيكي قلّص الكرة الأرضيّة واقعيّاً إلى سدس حجمها الأصليّ.
وبحسب الكتاب، يؤثّر التسارع الرقمي على القطاع الميكانيكي بصورة خاصّة، كما يؤثّر بصورة موازية تقريباً على تسارع وتيرة الحياة. وعقد روزا مقارنة بين التسارعين الرقمي والميكانيكي. وشدّد على أن الأخير قصّر الوقت الذي يحتاجه الفرد لإكمال مهامه، لكنه عمل أيضاً على توفير متّسع من الوقت للأفراد، بمعنى أن الوقت الذي جرى اختصاره وُظّفَ لمصلحة توسيع الوقت المتاح للأفراد لإثراء حياتهم. وفي سياق المقارنة عينها، أورد روزا أن التسارع الرقمي لا يبدو أنّه يفعل شيئاً مماثلاً، بل أن أثره يذهب إلى الاتجاه المُعاكِس تماماً لأثر التسارع الميكانيكي، إذ يتعذّر على الأفراد في مجتمعنا العصري التنعّم بمزيد من أوقات الفراغ، بل بات الفرد يشكو دوماً من معاناة نقص في الوقت! ولا يصعب التأكّد من هذا الملمح عبر التأمل المباشر لطريقة تصرّف الشباب والمراهقين في مجتمعاتنا الحاضرة.
وفي كتابه المذكور آنفاً، أضاف روزا أنّ السبب الذي يكمن وراء ضيق الوقت المستمر لأفراد العصر الرقمي يتمثّل في الرغبة في تحقيق أكبر عدد ممكن من الخيارات من بين احتمالات باتت غير محدودة تقريباً بفضل التقدّم الرقمي. وبحسب كلمات الكتاب، «أصبح أهمّ هدف في عصرنا هو الاستفادة من الحياة إلى أقصى حدّ. وفي الوقت عينه، من المستحيل تلبية هذا التعطّش الدائم لاختبار أمور جديدة. ومهما ازدادت سرعة نمط حياتنا، يستمرّ تقلّص نسبة التجارب التي نخوضها أمام تلك التي نفوّتها، أو بالأصح نعتقد بأننا نفوّتها». ونتيجة لذلك، نشهد على ارتفاع عدد الأشخاص الذين يصابون بالكآبة أو الإرهاق، وفق ما قاله روزا.

الميل إلى التفكير المُحافِظ
من جهة أخرى، لجأ روزا في تعريفه للتغيير الاجتماعي إلى استخدام مصطلح يأتي من الماركسيّة، هو: التغريب Alienation. ويقصد هذا التعبير الإشارة إلى معاناة أفراد المجتمع من وضع يجعلهم غير متمتعين بما ينتجه المجتمع، بمعنى أن ما يصنعه مجتمع ما لا يخدم سعي الأفراد إلى تحقيق ذواتهم والوصول إلى السعادة في عيشهم، ما يجعلهم بعيدين عن الاستفادة الإنسانية مما تنتجه مجتمعاتهم، على رغم أنهم يساهمون في إنتاج هذه المنتجات. وإذ اقتبس روزا هذا المفهوم المألوف في ثقافة الغرب بمشاربها كافة، فإنه لم يستعمل مفهوم التغريب في نقد شروط الإنتاج في المجتمعات الغربية المعاصرة (على غرار ما فعل كارل ماركس أصلاً)، بل رأى أن معاناة التغريب يساهم فيها التسارع الرقمي، مع ملاحظة كون هذا التسارع جزءاً من ظاهرة فوقية في مجتمعات ما بعد الرأسمالية في الغرب.
وكذلك أعرب روزا عن اعتقاده بأنّ ظاهرة التغريب بعلاقتها مع التسارع الرقمي، تستحقّ اهتماماً موازياً لما يوليه العالم المعاصر لمفهوم «العولمة» الشائع، خصوصاً أنّ التسارع المستمرّ للتغيّر الاجتماعي يؤدّي أيضاً إلى تبدّل القيم والعلاقات وأنماط الحياة اليومية للناس.
وإضافة إلى ذلك، أشار روزا إلى وجود مجموعة كبيرة من الصراعات العصرية التي تأتي من عوامل متنوّعة منها أنّ الناس باتوا ببساطة غير قادرين على فهم هذا العالم مع ما فيه من تعقيدات. نتيجة ذلك، يظهر ميل لدى الأفراد نحو تبني تفكير محافظ، وهو يظهر بأشكال عدّة. إذ يتبدى في بعض الأحيان في أعمال عنف كتلك التي هزّت العالم الإسلاميّ أخيراً. وفي أحيان أخرى، يتّخذ التفكير المحافِظ طابعاً عقائديّاّ كذلك الذي نشهده في الولايات المتحدة، ويظهر أيضاً في الرغبة بالتعافي بعد حصول تغيّرات اجتماعيّة، وتكنولوجيّة، واقتصادية. ففي ألمانيا مثلاً، ساهم هذا الميل إلى التفكير المُحافِظ في ظهور الفكرة التي غالباً ما تتردّد عن عصر «بيدرماير» جديد في عهد المستشارة أنجيلا ميركل. ويشير تعبير «بيدرماير» إلى حقبة في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر تميّزت بتوجّه نحو الشؤون المحلية، مع الابتعاد عن شؤون السياسة.

تهديد الديموقراطية
في الكتاب نفسه، لاحظ روزا أنّ ظاهرة الميل إلى التفكير المُحافظ بأثر من التسارع الرقمي، تترك تداعيات خطيرة على المجتمعات الديموقراطيّة. إذ تزيد في صعوبة صنع إرادة سياسية، فيما تتسع فجوة الاختلاف بين المجموعات الاجتماعية. ولذا، لا تكاد السياسة تتمكن من رسم طريق نحو التغيير كما يتوقّعه المجتمع، بل يبقى لها بدلاً من ذلك مهمّة التخفيف من وطأة التأثيرات التي تخلّفها تأثيرات التطوّر التقني.
«بالمقارنة مع عالم الاقتصاد المعاصر الذي شهد تعرّض الأسواق المالية إلى كارثة بأثر من تسارع كبير، يبدو أنّ السياسة تتّسم بنمط جامد، وهو عيب لطالما انتقده صانعو الآراء في ذروة الليبراليّة الجديدة»، يكتب روزا.
ونظراً إلى أنّ المجتمع يتقدّم بسرعة غير مسبوقة، ينبغي اتخاذ القرارات السياسية بسرعة أكبر أيضاً. أمّا النتيجة فواضحة بحسب روزا، لأنّ الحجّة لم تعد هي الأهمّ، «بدلاً من ذلك، أصبحت مشاعر الاستياء والحسد غير المنطقي التي تزداد بشكل ملحوظ، هي الأهمّ. إذاً، لا عجب في أن يكتسب مشاهير كأرنولد شوارزنيغر نفوذاً سياسياً، أو أن يفوق الهدوء الشخصي للـسياسيين أحياناً سياساتهم في الأهمية».
وفي ألمانيا، يبدو البروز المفاجئ لوزير الدفاع الألماني السابق كارل تيودور تسو غوتنبرغ، متناسباً مع هذه الظاهرة، على رغم أن روزا لم يأتِ على ذكره في كتابه!

المصدر: الحياة

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على السرعة الضوئية للعوالم الرقمية ترتسم في نفوس الشباب

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
44636

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار العلم والتقنية