الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار
صورة الخبر: محمد محمود الإمام
محمد محمود الإمام

الزمان: منتصف خمسينيات القرن الماضى.. المكان: جامعة ليدز بشمال إنجلترا.. المناسبة: محاضرة عامة نظمتها الجامعة، ضمن برنامج لحزب العمال فى أنحاء بريطانيا..

المحاضر: مصرى يدعى عصام الدين جلال، أتم دراسة الدكتوراه فى الطب من جامعة إدنبرة الاسكتلندية، وكان كاتب هذه السطور يعد الدكتوراه فى علم حديث يدعى الاقتصاد القياسى يتوسط علوم الاقتصاد والإحصاء والرياضة، ضمن الفوج الأول للبعثات الموفدة لأبناء جامعة أسيوط، آملا فى أن يكون صعيد مصر أول من ينتقل إليه هذا العلم فى العالم العربى. وقد أسعدنى وملأنى فخارا أن يكون المحاضر مصريا فى بلد نناضل من أجل استرداد استقلال مصر من قبضته.. وهو ما تحقق بفضل شعب مصر الأبى فى مدن القنال وعلى رأسها بورسعيد.

اكتشفت فيما بعد أنه كان طبيبا متخصصا فى الغدد الصماء، وهو ما أذهلنى لأن حديثه كان هجوما شرسا على معالم التخلف التى منيت بها المستعمرات التى جردها الاستعمار الأوروبى وعلى رأسه البريطانى الغاشم من خيراتها، وجند بعض شبابها فى الحرب العالمية الثانية ليسقطوا قتلى دفاعا عن الرجل الأبيض.

وبعد أن أفنوا أجيالا عملت عبيدا فى مزارعه وقصوره. عدّد فى حديثه مؤشرات تندرج تحت شعار تردده ألسنة السياسيين المتلاعبين بمصير مصر فى العهد الذى يترحم البعض على ازدهار الديمقراطية فيه، وهو مكافحة ثلاثية «الفقر والجهل والمرض». وذكر إحصاءات عن مدى تدنى المعرفة وتفشى الجهل، وعن تدهور الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض والأوبئة والعاهات، وانعكاس كل ذلك على قدرات الإنسان على العطاء الاقتصادى والمعرفى وعلى التمتع بحقوقه فى رغد العيش.

شعرت بضيق شديد لم يفارق صدرى حتى اليوم حيث أدركت حجم الخدعة التى أصابتنى كغيرى من الدارسين لعلم اقتصاد وضع آدم سميث أسسه وصاغه الاقتصاديون الكلاسيك وطوره كينز، فانشغلنا بمعدلات نمو الدخل القومى ومعالجة التغيرات الدورية التى تتوالى فيها موجات الرواج والكساد، ومناقشة السياسات التى تجنب العالم شبح الكساد الكبير فى الثلاثينيات وتتفادى عواقب التضخم الكبير فى الخمسينيات. فى ذلك الفكر كان التخلف ظاهرة تصيب أقاليم جرى إهمال النهوض ببنيتها الأساسية، وتعلمنا من أساتذتنا فى مصر ومنهم وهيب مسيحة أن الدول ليست متخلفة بطبيعتها، بل هى ضحية الاستعمار، فيكفى أن تسترد حريتها منه ليزول العائق أمام نهضتها. فأوضح حديث عصام الدين أن التخلف مشكلة متجذرة تتقاطع جوانبها الاجتماعية والسياسية مع الاقتصادية.



●●●


استبق منهج عصام الدين مفهوم الأمم المتحدة للتنمية البشرية بثلث قرن. وجاء امتدادا لنشاطه فى مصر فى الأربعينيات فى إطار اللجنة الوطنية للعمال والطلبة الذى أفضى به لإقامة مطولة فى معتقل هايكستب جعلته يدرك أن الأمر يتجاوز اتهام الاستعمار ببلاء العالم الثالث، ويتعدى مجرد معالجة أمراض أصابت البشر فى ظواهر حياتية، إذ إن مرجعه التخلف الذى كرسته نظم حاكمة لا تحمل من المواطنة إلا الجنسية، ولا تمارس من الديمقراطية إلا القدر الذى يثبتها فى كراسى الحكم. ومن ثم فإن الأمر لا يقف عند طرد المستعمر، بل لابد من اجتثاث عناصر التخلف التى عششت فى وكر الاستبداد المستند إلى ملك مستهتر وحاشية فاسدة زينت تربعه ليس فقط على عرش مصر (والسودان) بل توليه الخلافة ليكون أميرا للمؤمنين، وهى دعوة تنشط كلما تصاعدت وتيرة المراءاة لتغتصب الطاعة لولى أمر فاسد. وحينما خرج عصام الدين من المعتقل انتقل إلى قصر العينى ليس للتدريس بل للاستشفاء من أمراض أصابته.



غير أن ما حققته ثورة يوليو التى نشبت وكلانا فى بريطانيا العظمى لدراسة الدكتوراه، من قضاء على الإقطاع واحتكار رأس المال، وتخلص من براثن الاستعمار لم يحققا له الشرط اللازم والكافى للقضاء على التخلف، وهو فى رأيه بناء نظام ديمقراطى سليم يعيد السلطة إلى صاحبها وهو الشعب، وهو ما عبر عنه فى كتاب لا يزال عنوانه صالحا ليومنا هذا: «مصر.. شعب ينهض». ورغم أن السفارة المصرية أبت تجديد جواز سفره، رفض قبول عرض الأوساط النقابية الاسكتلندية منحه تصريح إقامة كلاجئ، فعاد إلى مصر فى أوائل 1956، ليحصل على عمل ليس فى الجامعة مكانه الطبيعى، بل فى إحدى شركات الأدوية تعرضت بعد ذلك للتأميم. فعمل رئيسا لإدارة البحوث الدوائية ما بين 1961 و1975. وعمل فى نفس الوقت مستشارا لمنظمة الصحة العالمية، كما استعان به عبدالناصر فى قيادة حوارات دولية، لم يتردد فى إجرائها على خير وجه. ثم عمل مستشارا لوزارة الصحة حتى 1981، ليتركها للعمل كمستشار لأكاديمية البحث العلمى للسنوات الخمس التالية.



وعندئذ كرس جهوده لوضع إستراتيجية للبحث العلمى مستعينا بفريق من العلماء والباحثين. غير أن الجمود الذى ابتليت به مصر فى ظل مبارك جعل جهوده تذهب أدراج الرياح. فاتجه إلى دعم أنشطة المجتمع المدنى، بدءا بتأسيس الجمعية المصرية لعلوم السميات فى 1985، وترأس الجمعية المصرية للغدد الصماء. وانتهى به المطاف إلى تأسيس الجمعية القومية للتنمية التكنولوجية، وحشد لهذا الغرض مجموعة من العقول المهتمة بالتنمية بوجه عام، وبالتنمية التكنولوجية القادرة على تعزيز قدرة مصر على الإسهام فى الثورة التكنولوجية التى تمثل بداية الطفرة الهائلة التى يمر بها العالم، أمثال عزيز صدقى وإسماعيل صبرى عبدالله وعلى حبيش وكمال حسن على. وحينما تكرم بدعوتى للانضمام لبيت مذكرا إياه بواقعة ليدز وكيف كان لها تأثير ضخم فى إعادتى التفكير، وتجاوز الإطار الاقتصادى الكلاسيكى إلى المجال التنموى الرحب.



●●●



لقد رحل الثائر دوما من أجل تحقيق كرامة إنسانية قوامها حسن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، بعد أن اطمأن لتسلم جيل 25 يناير الراية منه.. تغمده الله برحمته وحقق لوطنه أحلامه وآماله.

المصدر: الشروق

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على وداعا للعالم الثائر

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
2942

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار العلم والتقنية