الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

اخبار النجوم والفنفنون تشكيلية، فنون جميلة، موسيقى › بين" أبو زيد" و"ابن عربي": معاناة من أجل الأفكار

صورة الخبر: بين" أبو زيد" و"ابن عربي": معاناة من أجل الأفكار
بين" أبو زيد" و"ابن عربي": معاناة من أجل الأفكار

نحن لا نملك غير الدموع في مواجهة المصيبتين اللتين تجرّعنا مؤخرا مرارتهما. ففي ظرف زمني قصير، فقدنا مفكرين كبيرين خدما الثقافة العربية بجرأة وشجاعة ونزاهة، وبأدوات معرفية اجترحاها من أبحاثهما واجتهاداتها المضنية في سبيل التنوير ومقاومة التحجر والتزمت، وقدّما رؤى جديدة في مجال الدين والتراث ارست دعائم صلبة لفكر عربي جديد ومتنور. هذان المفكران هما: المغربي محمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد.

وقد خاض هذا الأخير خلال العشرين سنة الماضية معارك حامية من أجل الدفاع عن أفكاره التي شرحها في العديد من مؤلفاته بلغة واضحة، وبأسلوب رفيع، وبذكاء العارف المتعمق في المواضيع التي يعالجها. وقد البت عليه أفكاره أعداء الفكر فحاربوه بضراوة وقسوة، وأصدروا بشأنه أحكاما غريبة أجبرته على ترك بلاده ليعيش سنوات طويلة في هولندا حيث درّس في جامعاتها المرموقة، مواصلا العمل، والتفكير والبحث من دون كلل وملل وبرغم المعاناة المريرة التي عاشها في مواجهة خصومه الشرسين والحاقدين.

ظل ناصر حامد ابو زيد مخلصا لمبادئه وأفكاره، رافضا الاستسلام، والتراجع. وتلك هي سمات المفكر الحر بالمعنى الحقيقي والعميق للكلمة.

وقبل وفاة ناصر حامد أبو زيد بأسابيع قليلة، كنت قد انتهيت من قراءة واحد من أروع مؤلفاته، أعني بذلك، "هكذا تكلم ابن عربي". وقد أهدى كتابه هذا إلى ثلاثة راحلين اقتدى بهم في تفكيره وأبحاثه، فكان موتهم خسارة فادحة بالنسبة إليه.

وهؤلاء هم: المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد الذي "حوّل سؤال الهوية إلى مشغل انساني ضد التعصب والتطرف والجمود" والمستشرقة الالمانية آنماري شيمل التي "وهبت حياتها الأكاديمية والشخصية لمد الجسور وحفر قنوات التفاهم والتعاطف بين العالمين الاسلامي والغربي". أما الراحل الثالث فهو فتحي نجيب "ابن مصر وأحد قضاتها الأفذاذ جمع في اهاب - واحد كابن رشد - عقل الفيلسوف وروح القاضي وقلبه، وحمل هموم مصر وناسها فلم يحتمل القلب المرهف كل هذا العناء".

ولعل كتاب "هكذا تكلم ابن عربي" هو الكتاب الأقرب إلى شخصية مؤلفه من بين كل كتبه الأخرى إذ أنه ضمّنه بشكل متستر البعض من جوانب تجربته الروحية والدينية. لذلك هو يسرد في المقدمة كيف أنه تعلق في طفولته في الريف المصري بقصص الأنبياء وكرامات الأولياء وأحاديث الصالحين من أسلاف قريته والقرى المجاورة لها. وكثيرا من المرات حضر حلقات الذكر التي كانت تنتظم في المساجد، فتسحره الأناشيد والايقاعات التي سوف تظل راسخة في ذاكرته حتى بعد أن تقدمت به السن، وتعرف على ثقافات وبلدان كثيرة.

ويروي ناصر حامد أبو زيد أنه تعرف خلال سنوات شبابه على رجل يدعى "عم حسن" الذي رأى في المنام رسول الله فقال له: "أحبك يا رسول الله" فرد عليه: "وأنا أحبك يا حسن". وفي مقدمة كتابه المذكور، يكتب ناصر حامد أبو زيد قائلا: "لم يكن الحافز على دراستي للتصوف ولفكر ابن عربي بصفة خاصة هو فقط ذلك الشوق النابع من تجارب الطفولة الدينية في قريتي، تلك التجارب التي ساهمت تجربة "عم حسن" في تعميقها، بل كانت الحافز بالإضافة إلى ذلك هو رغبتي في استكمال معرفتي بقطبي التراث الاسلامي الاساسيين: العقلانية والروحانية".
ويرى ناصر حامد أبو زيد أن التجربة الصوفية في التراث الاسلامي، كانت في جانب كبير منها "ثورة ضد المؤسسة الدينية التي حوّلت الدين إلى مؤسسة سياسية اجتماعية مهمتها الأساسية الحفاظ على الأوضاع السائدة ومساندتها من خلال آليات انتاج معرفية ثابتة يقف على رأسها "الاجماع" ويليه "القياس". لذلك يعتقد ناصر حامد أبو زيد أن العودة إلى الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي تبدو ضرورية إذ أن عالم اليوم، عالم القرن الواحد والعشرين، بات مفزعا بسبب خلوه من التجارب الروحية الكبيرة.

أما العالم العربي والاسلامي فهو يعيش حقبة "الأصوليات المتطرفة" التي أفرغت الدين من مضامينه الروحية العميقة لتحوله إلى "ايديولوجيا" تبيح القتل والتكفير، وعن الشيخ محي الدين بن عربي يكتب ناصر حامد أبو زيد قائلا: "ترجع أهمية فكر ابن عربي إلى أنه يمثل حالة نضج في الفكر الاسلامي في مجالاته المتعددة من فقة ولا هوت وفلسفة وتصوف، هذا فضلا عن علوم "تفسير القرآن" وعلوم اللغة والبلاغة.. الخ".

ويقدم لنا ناصر حامد أبو زيد تعريفا مفصلا عن حياة الشيخ محيي الدين عربي. وهو يذكر أنه ولد في مدينة "مرسية" بالاندلس في 27 يوليو/ تموز 1165. وهو ينتمي إلى أسرة من أقدم القبائل العربية التي وفدت إلى اسبانيا، وهي قبيلة "طي" التي منها حاتم الطائي أشهر كرماء العرب. وكانت أسرة ابن عربي تحتل مكانة بارزة سواء في "الجيش" أو في "الادارة" من ذلك مثلا أن والده كان في خدمة محمد بن سعيد ابن مدردنيش حاكم مرسية. وعندما سقطت هذه المدينة في يد الموحدين، انتقلت عائلة محي الدين بن عربي إلى اشبيلية. وكان ذلك عام 1172م.

وفي هذه المدينة، توفرت لمن سيكون شيخ المتصوفة في ما بعد "حياة مريحة هينة". وفيها ايضا عاش أولى تجاربه الروحية. ففي تلك السن المبكرة تعرف على امرأتين من الأولياء هما ياسمين المرشنية وفاطمة القرطبية، فكان تأثيرهما عليه قويا إلى حد بعيد. ويقال إن فاطمة القرطبية كانت عجوزا طاعنة في السن غير أنها كانت "تتمتع بوضاءة وجمال فتاة في السادسة عشرة من عمرها".

وقبل أن يبلغ سن العشرين، أخذ ابن عربي يطوف في مختلف مدن الاندلس، وفي مدينة قرطبة التقى بابن رشد، القاضي والفيلسوف والذي كان قد اشتهر آنذاك بشروحاته لفلسفة أرسطو. وراويا تفاصيل ذلك اللقاء، كتب محيي الدين بن عربي في "الفتوحات المكية" يقول: "لقد دخلت يوما بقرطبة على قاضيها أبي الوليد ابن رشد، وكان يرغب في لقائي لما سمع، وبلغه ما فتح الله به عليّ في خلوتي فكان يظهر التعجب مما سمع فبعثني والدي إليه في حاجة قصدا منه حتى يجتمع بي فإنه كان من أصدقائي وأنا صبي ما تقل وجهي ولا طر شاربي. فعندما دخلت عليه قام من مكانه إليّ محبة واعظاما فعانقني وقال لي: نعم، قلت له، نعم.

فزاد فرحه بي لفهمي عنه ثم استشعرت بما أفرحه من ذلك، فقلت له، فانقبض وتغيّر لونه وشك في ما عنده، وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الالهي، هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ قلت له: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها. فاصفر لونه وأخذه الأفكل "الرعدة والخوف" وقعد يحوقل وعرف ما أشرت إليه، وهو عين هذه المسألة التي ذكرها هذا القطب الأمام، أعني مداوي الكلوم".

ومن التجارب الروحية التي عاشها ابن عربي في سنوات شبابه الأولى أنه خرج ذات مرة مع والده في سفر. وكان يحرسهما الغلمان من الحراس على صهوات الخيول وبأيديهم الرماح والسهام. وأثناء السفر، مرت القافلة بحمر وحشية كان ابن عربي يهوى صيدها غير أنه لم يشأ أن يؤذيها في ذلك اليوم.

وهو–أي ابن عربي – يروي لنا الحادثة على النحو التالي: ""ففكرت في نفسي، وجعلت في قلبي أني لا اؤذي واحدا منها بصيد. وعندما أبصرها الحصان الذي أنا راكبه هش إليها، فمسكته عنها ورمحها بيدي إلى أن وصلت إليها ودخلت بينها، وربما مرّ سنان الرمح بأسنمة بعضها وهي في المرعى، فوالله ما رفعت رؤوسها حتى جزتها ثم أعقبني غلماني ففرّت الحمر أمامها. وما عرفت سبب ذلك إلى أن رجعت إلى هذا الطريق، أعني طريق الله، فحينئذ علمت في نظري في المعاملة ما كان السبب. وهذا ما ذكرناه فسرى الأمان إلى نفوسهم".

وفي طفولته، عاش ابن عربي تجربة روحية سبقت التجارب التي ذكرناها. فقد أصيب بمرض خطير أقعده عن الحركة، وبات في حالة غيبوبة. وأثناء ذلك، رأى قوما "كريهي المنظر يريدون اذايته". ثم لم يلبث أن طلع شخص جميل "طيب الرائحة" وراح يدفع أولئك القوم ويصارعهم حتى غلبهم. عندئذ سأله ابن عربي: من أنت؟ فأجابه الرجل الطيب الرائحة أنا سورة يس".

وفي هذه اللحظة أفاق الطفل المريض من غشيته ليجد أباه عند رأسه يبكي وهو يقرأ سورة يس" وفي سنوات شبابه عاش ابن عربي تجارب روحية كثيرة سواء في مدن الاندلس أو في تونس التي زارها عام 1175 وفيها عاش الحادثة التالية بحسب رواتيه: "ثم اتفق لي مرة أخرى أني كنت بمرسى تونس بالحفرة في مركب في البحر فأخذني وجع في بطني، وأهل المركب قد ناموا، فقمت إلى جانب السفينة، وتطلعت إلى البحر فرأيت شخصا على بعد في ضوء القمر.

وكانت ليلة البدور، وهو يأتي على وجه الماء، حتى وصل ووقف معي ورفع قدمه الواحدة واعتمد على الأخرى، فرأيت باطنها وما أصابها بلل، ثم اعتمد عليه ورفع الأخرى فكانت كذلك، ثم تلكم معي بكلام كان عنده ثم سلّم وانصرف يطلب المغارة مائلا نحو تل على شاطئ بيننا وبينه مسافة تزيد على ميلين، فقطع المسافة في خطوتين أو ثلاث، فسمعت صوته وهو على ظهر المغارة يسبح لله تعالى".

وكان ابن عربي بمدينة مراكش عام 1198م لما توفي ابن رشد فحضر موكب نقل جثمانه إلى قرطبة، مسقط رأسه. وعندما وضع التابوت الذي فيه جسد شارح ارسطو على ظهر الدابة "جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر" وعندئذ التفت أبو الحكيم إلى الحاضرين وقال: "ألا تنظرون إلى ما يعادل الامام ابن رشد في مركوبه هذا الأمام وهذه أعماله". فما كان من ابن عربي إلا أن كتب لك الموعظة ليجعلها تذكرة، وعلق عليها قائلا:

هذا الامام وهذه أعماله
يا ليت شعري هل أتت آماله.

وفي نفس الفترة التي توفي فيها ابن رشد بمراكش، سنة 1198، رأى ابن عربي رؤيا سوف تعجل بسفره إلى بلاد الشرق التي لن يعود منها أبدا. فقد شاهد العرش الالهي قائما على قوائم من نور، يحلق فوقه طائر أمر ابن عربي بمغادرة وطنه والرحلة إلى الشرق.
وخلال الحج إلى مكة، وكان ذلك عام 1201،

أمر محيي الدين بن عربي بالشروع في تأليف "الفتوحات المكية". كما أنه عشق فتاة صوفية فارسية، كانت على درجة كبيرة من الايمان والجمال. ولعله كتب ديوانه الشعري الوحيد "ترجمان الأشواق" من وحي القصة التي عاشها مع الفتاة الايرانية الفائقة الجمال والتي كانت تدعى "عين الشمس تطام". وفي هذا الديوان، نقرأ ما يلي:

أحبك حبين: حب الهوى
وحب لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى
فشغلي بذكرك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل له
فكشفك لي الحجب حتى أراك

كما نقرأ:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فاذا ابصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا.

وقد هاجم عدد كبير من الفقهاء والشيوخ ديوان "ترجمان الأشواق" واعتبروا صاحبه "خارج عن الدين" وعن "حظيرة الاسلام" وهذا ما كانوا قد فعلوه مع الملاج الذي صلب في بغداد، ومع السهر وردي الذي قتل بتهمة الردة والكفر. وفي الشرق، كانت حياة محي الدين ابن عربي سفرا دائما.

فقد زار القاهرة حيث واجه مخاطر أجبرته على اللجوء إلى مكة ليختفي فيها من مكائد من كانوا يرغبون في قتله وتكفيره. كما رحل إلى الاناضول بتركيا. وفي مدينة قونية التي سوف يقبض فيها المتصوف الكبير الآخر جلال الدين الرومي، الشطر الأكبر من حياته، التقى ابن عربي بالشيخ صدر الدين القوني الذي كان قد تعرّف عليه في مكة، والذي سيصبح من تلاميذه المشهورين ومن أعظم شراح مؤلفاته الكثيرة والمتسمة بالتعقيد والغموض. ومن قونيه، انتقل إلى بلاد ارمينيا ثم توجه إلى "وادي الفراتين" وبغداد التي التقى فيها بالشيخ المتصوف شهاب الدين السهروردي الذي كان يسمى بـ"شيخ الاشراق". وفي حلب استقبله الملك الظاهر بحفاوة كبيرة غير أنه لم يتمكن من أن يمنعه من قتل السهروردي.

وكان الشيخ محيي الدين بن عربي قد أصبح يحظى بشهرة واسعة في جميع أرجاء العالم العربي والاسلامي لما قرّر الاستقرار بمدينة دمشق. وكان ذلك عام 1223. وهناك دأب على استقبال عشاق الحكمة وأتباع التصوف والمريدين الذين كانوا مفتونين بأفكاره وأطروحاته. وفي تلك السنوات "الدمشقية" التي أرادها سنوات هدوء وسلام، أتم الشيخ محيي الدين بن عربي "الفتوحات المكية" التي ضمنها تجاربه الروحية العظيمة. وظل في دمشق إلى أن مات عام 1240. وهناك دفن.

وقد نجح الراحل الكبير ناصر حامد أبو زيد في تقديم صورة مفصلة ومستفيضة عن حياة وأعمال شيخ المتصوفة الأكبر ابن عربي. فأثبت بذلك أنه واحد من المفكرين العرب القلائل الذين حاولوا الجمع بين قطبي التفكير الاسلامي المتمثل في العقلانية والروحانية، اي بين ابن رشد ومحيي الدين بن عربي.

المصدر: عرب نت 5

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على بين" أبو زيد" و"ابن عربي": معاناة من أجل الأفكار

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
19284

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
-
-
-
روابط مميزة