الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

اخبار النجوم والفنفنون تشكيلية، فنون جميلة، موسيقى › "موسم الهجرة إلى أركيديا" (قصة قصيرة)

صورة الخبر: الروائي محمد علاءالدين
الروائي محمد علاءالدين

كان حبًا من أول نظرة. لا يسعنا أن نضع توصيفًا أفضل لهذه اللحظة، عندما شاهد الأسطى حمزة هذا الجاكيت الجلد البني الغامق- والذي يسميه الناس أحيانا بـ"المحروق"- وهو يلتف بإحكام حول جسد زبون قادته الصدفة، أو حظ الأسطى حمزة السعيد أو العثر، إلى ورشته الصغيرة بقرب النيل.

يفسر بعض الناس موضوع "الحب من أول نظرة" هذا بـما يسمونه "الكيمياء" ما بين كائنين، أو بشكل أبسط "الاشتهاء الجنسي".

تبدو صورة "الكيمياء" بين رجل وجاكيت مبلوعة نوعًا - إذا ما تذكرنا ولع بعض الناس بقداحاتهم مثلا، ومبدأ نفسي مهم يسمى الإسقاط - لكن صورة ممارسة الجنس مع جاكيت تبدو بعيدة، نوعًا.

ومن ناحية أخرى، فقد اختبر صبيه لوزة هذا النوع من الحب المشبوب العفوي "الفطري" مع رفيقة صاحب الجاكيت، تلك الحسناء ذات الصدر الثقيل، الذي يلتف حوله "تي شيرت" قطني بإحكام لا يقل عن الجاكيت الذي يرتديه صاحبها، ومؤخرتها المستديرة المتماسكة، التي اتشحت بجينز أزرق غالي الثمن، وذلك صار منافسًا للجاكيت في نقطتين أساسيتين.

قسمة لم تبد عادلة لأغلب الملاحظين، لكنها بدت عادلة تماما في نظر الأسطى حمزة المسحور: لقد أحب صبيه لوزة - شأنه شأن كل من بالمنطقة - تلك الحسناء القادمة من العالم البعيد القريب وراء الكوبري، بينما هام الأسطى عشقًا بهذا الجاكيت. ولكلّ مبرراته، وإن اتفقت فعلا: فبينما أحب لوزة هذه الصفات الفيزيائية البارعة في الفتاة، فقد أحب الأسطى هذا الجلد الناعم للجاكيت، وجيوب الصدر اللطيفة على شكل قلوب (ما ذكره بشكل جيوب جينز الـ"لي" المشهورة بين جيله)، وذلك السّحاب ذو المقبض الذي لا هو بالكبير ولا بالصغير، منحوت بعناية ولامع بجلال، وتلك الأساور القماشية المطاطة قليلا، والتي تحيط برسغي الزبون وبوسطه، الخيوط القوية التي تظهر بلا تفاخر مقصود، شادة أجزاء الجاكيت بعضها إلى بعض، وذلك السير الجلدي ذو "الكباسين" الذي يحيط بالياقة المشرعة.

كُل من العاشقين له أسبابه الفيزيائية للولع بمحبوبه، ولكن هناك أيضًا شيء مهم نرمز له بـ"الجلال" في محاولة لتجاوز البعد المادي في قيمة "الغال".

بالفعل كانت الحسناء تصدر قيمة الجلال من منظارها الغالي الذي أشاحته بعيدًا عن عينيها الواسعتين بلون العسل، وماكياجها المتقن، وشعرها الذهبي المنسدل في خصل متماوجة، وأيضًا كان الجاكيت يُصدر ذات القيمة، في عيني الأسطى حمزة الولعتين. وللأمانة فقد حاول الأسطى التخلي عن هذا الولع، وأن يركز كل تفكيره على تصليح سيارة الزبون الألمانية الأنيقة التي رقدت بلا حراك بالقرب من ورشته، إلا أنه، وفي لحظات يعرفها المغرمون جيدًا، كان يختلس النظر إلى محبوبه الجديد.

حاول الأسطى ذلك مجددا بعد مغادرة الزبون، الذي كان مقطرًا في الحساب، بهذا الشك الموضوعي في أولئك الحرفيين الذين يمدون أيديهم في جيوب الزبائن الموسرين، وكالعادة لم يفلح فعليًا في تجنب المبالغة في أجر الخدمة، لكنه نجح، وبامتياز، في الشعور بالفخر والرضا عن نفسه، وهذا- فيما يبدو - هو المهم. حاول الأسطى أن ينسى حبه الضائع، وبينما كان الناس في منطقته يتكلمون عن رفيقة الزبون، كان هو يسأل باهتمام عن المكان الذي ابتاع منه الزبون الجاكيت.

كان يحاول ألا يتذكر أنه قد سأل الزبون عن ذلك، إلا أن الزبون قد رماه بنظرة تحمل استهانة ما، ولم يرد. حدّث حمزة نفسه أنه كان لا بدَّ عليه ألا يجفل - كشأن الشعبيين حين يتعاملون مع أبناء الطبقة الراقية - ويصمت عن الموضوع تمامًا. ابتسامة الزبون الضيقة المستهينة بسؤاله كانت شيئًا لم يستطع احتماله. إلى أن فطن أحد الأصدقاء على القهوة الصغيرة في ركن الحارة إلى لوعته وعذابه، وهو شاب أصغر منه، لم يكن ابنًا لميكانيكي يورثه ورشته، فعمل كـ"خرتي" ومرافقًا للأجانب في منطقة وسط البلد القريبة، وبذلك صارت وحوش هذا العالم أليفة له.

كان الخرتي الصغير مارًا مصادفة حين مرت الحسناء ورفيقها، بالطبع لفتت الحسناء نظره، لكن الجاكيت استرعى انتباهه أيضًا بحكم اهتمامه المبرر بالمظاهر. قال له إن مثل هذه الجواكت ستكون في أماكن مثل سيتي ستارز، أو متجر "بايمن" بفندق الفور سيزنز، أو في أركيديا أو في بعض المحلات المستقلة بذاتها في شوارع الجزيرة القريبة، أو على الشط الآخر من النهر. كانت النقطة الأساسية عندما سأل الخرتي الشاب عن سعر جاكيت كهذا، فرد الشاب بلهجة تماثل ملك الموت بأنه لا يقل عن الخمسة آلاف جنيه، إن لم يزد عن ذلك بكثير.

لم تكن المسألة في فقر مدقع يعيش فيه، فقد كانت "مستورة والحمد لله" كما يحلو له أن يقول، ولكن كمنت المشكلة في ولع سابق له بتحديث فخر المنطقة، فيسبا أبيه القديمة نوعًا، وإن تكن 200 سي سي إيطالية فاخرة، والتي ورثها عنه كصولجان الحكم. احتاجت الجميلة التي تعديلات وتجديدات، هذا من وجهة نظره على الأقل، بينما لم تشاطره نعيمة زوجته الرأي، ورأت أن الموضوع – الذي كلف ميزانية البيت رقم يتعدى الآلاف سابقة الذكر- لم يعدُ سوى تفاهات يغرق حمزة بها نفسه، و"منظرة كدابة" في حكم قاسٍ من كلمتين، لم تملك الكياسة الكافية لكتمها عن حماته، أو ربما قصدت التجريح أمامها أساسًا.

بالطبع ترى نعيمة أن الأولى بالرعاية هو وليدهما الجديد محمود، الذي أنجباه قبل أشهر ثلاث، ليؤنس ابنتهما خديجة - التي سمتها على اسم أمها – والتي بلغت الخمس سنوات وتلعب وحيدة. وبالطبع أيضًا فهم حمزة أن الموضوع ليس الونس فحسب، بل أن "يُربط" بطلقة جديدة، كتعويض عن شعور نعيمة بعدم الأمان في علاقتهما، نظرًا لأنها تدرك أن المضاجعات السريعة فوق سطوح بيته بما فيها من تلهف قابل تمامًا للانطفاء بطول المعاشرة، هي السبب الأساسي لارتباطهما. وعندما أتى ابن ذكر، كان هذا كفيلا بكتم اعتراضات حمزة المكتومة أصلا، ومنح شيئًا لا بأس به من العزاء لذلك الشعور القاهر الذي انتاب حمزة بالسجن المؤبد.

وهكذا، وقع حمزة في حب عظيم، وككل قصص الحب العظيمة فقد توافرت كل الأسباب المنطقية لجعله حبًا بعيد المنال، وربما محرمًا.

حاول، لمرة جديدة، ألا يشغل نفسه بالمسألة، وانخرط في أعماله اليومية المعتادة، وترك جزءًا من نفسه يحادثه بأنه عندما ينمو الرضيع، وعندما تنسى نعيمة موضوع الفيسبا، وعندما يتوافر لديه مبلغ كبير لا يحتاجه، عندئذ سوف يبتاع هذا الجاكيت، محبوبه الأثير.

وكعادة كل قصص الحب العظيمة أيضًا، فلم تخل المسألة من صدفة تالية تطابق الصدفة الأولى، فقد قادته الظروف إلى أركيديا مول، غير بعيد جدًا من ورشته، ليُصلح عربة مدير إحدى الشركات في المول الكبير.

كان الباشا قد ضاق ذرعًا بما سماه "تعزز" و"غرور" ميكانيكيه المعتاد في المنطقة البائسة وراء المول، واستمع لنصيحة رجل يعمل معه، بأن يقصد ميكانيكيًا آخر ليصلح عربته التي تعطلت في جراج المول بعدما قال ميكانيكي المنطقة إنه لن يستطيع الحضور إلا بعد ساعتين. كلم مرؤوس الباشا أحد أصدقائه، والذي أشار عليه بحمزة - والحق أن حمزة ذو سمعة طيبة في مهنته - وتولى أمر دعوة الميكانيكي الجديد ليأتي إلى المول.

وعندما اصطحب حمزة حقيبة أدواته، ومعه صبيه، وانطلق في طريق الكورنيش، داخله توتر لم يعرف مصدره، لكنه قال لنفسه إنه "فيه شيء لله" بعدها بساعة زمن، بالضبط حين استقل هذا المصعد العجيب، الذي بدا له ككبسولة مضاد حيوي شفافة، في طريقه لأخذ حسابه من الباشا في الدور العلوي.

لم يأمن الباشا أن يترك أحدًا ليحاسبه، لكن يجب أن نقول، عوضًا عن موجات انتقادنا الشرسة لدوافع الشخصيات ومن باب الموضوعية، أن الرجل انتوى فعلا دعوته لفنجان من القهوة أو بعض الصودا ساقعة، والذي لم يشك أبدا في سعادة الأسطى بذلك العرض، لذا كانت دهشته شديدة حين ألحف حمزة في الرفض، ما نزعه من دائرة "التمنع وهم راغبين"، والتي يضع فيها الرجال النساء فيها تارة، ويضع فيها الأغنياء الفقراء تارة أخرى. أصر الأسطى على الرحيل عن المكتب الفخم.

كان متعجلا تمامًا (إلا أن استعجاله لم يمنعه من عد النقود جيدًا)، وتجاوز عن اعتراض مكتوم لصبيه الذي كان يتمنع وهو راغب فعلا في صودا ساقعة، أو امرأة ساخنة بيضاء قد تعبر بالمكتب بين فينة وأخرى كعميلة أو كموظفة، بجوباتهن القصيرة نسبيًا، وأمارات "الجلال" الواضحة في مظهرهن.

مرة أخرى اتفق الأسطى وصبيه على حب الجلال، لكن حب الصبي كان يدفعه للبقاء قليلا وتجريب الحظ، بينما كان هو بالضبط دافع حمزة للرحيل سريعًا، فقد حدث، بينما هو في كبسولة المضاد الحيوي الشفافة، أن رأى حب مرحلته معلقًا في واجهة متجر فخيم في الدور الثاني من المول.

لا بدَّ أن نعترف بأن قانون الصدفة قد لعب كثيرًا من الأدوار في هذه القصة، لأنه لولا تعطل المصعد الخلفي للجراج ما كان حمزة ليُسمح له بدخول المول بملابس عمله، وهي ذات الملابس التي منحته نظرة متعالية أخرى من البائع الذي نسي أنه بائع، وهو يجيب بحزم مالك المتجر على سؤال حمزة المتلهف: سبعة آلاف جنيه. وحدث أن ملك البائع هذه الخاصية المهمة في مراجعة أفكاره، لينتقل من خانة التعالي إلى خانة حسد الأسطى أمامه على مهنته المربحة، كما تقول الأسطورة الشعبية الصحيحة غالبًا، فرد على سؤال آخر من حمزة عن ماركة الجاكيت.

أجابه باسم لم يستطع فهمه إلا على أنه "رُماني"، كالرمان، أو "رمان البلي" في مهنته، أو هو روماني مثل اسم صديق قديم.

ضحك الخرتي الشاب عندما أخبره الأسطى بأنه جاكيت رُماني بسبعة آلاف جنيه، وأخبره مرة أخرى بالاسم الصحيح للماركة، ولكن - وللغرابة - لم يهتم الأسطى باسم محبوبه جدًا هذه المرة.

كرره مرتين لكنه كان يعود للاسم المفضل، الاسم الأول: رُماني. وقد نضيف هنا أن حمزة قد شعر بالاستياء من الخرتي الشاب، فهو يضحك عليه بينما حمزة يكبره ولو بسنوات غير كثيرة، وهو يكسب أكثر منه بكثير، وهو- وهذه هي النقطة الأهم - يكسب قوته من عرق جبينه، لا من عرق النساء الأجنبيات الهُتم اللاواتي يسمع أنه يرافقهن.

ولابد أن هذا الاستياء قد ظهر في صورة زجرة ما، أو نبرة صوت خشنة، أو أن الخرتي الشاب طيب القلب، أو كل هذا: فقد عرض الخرتي الشاب على حمزة أن يخرجا إلى الوكالة بجوار مسكنيهما، فربما يجدًا شبيها، ولو من بعيد، للرماني المفقود، وهو يعلم أبو أشرف وحمدي وعبد الله أصدقائهما والتجار بالوكالة وربما يفلحون في الإتيان له بما يشتهي.

سيذهب هو مع الشاب أحمد عبد الرؤوف، ابن المنطقة، ليختار له طاقمًا من الملابس يناسب الذوق الأوروبي كي يصطحبه لحفلة تقيمها إحدى "صديقاته" ببيتها في المعادي يوم الجمعة المقبل.

بالطبع فقد راودت هذه الفكرة ذهن حمزة كثيرًا، بينما هو يتقلب في فراشه متلمظا بجوار زوجته التي تشخر عادة في نومها، لكن شيئًا طفوليًا - معتادا من أيام انتظاره الطاقم الجديد أيام العيد الصغير - كان يجعله يقاومها: هو يريد جاكيت جديد، جديد، وبالضبط مثل جاكيت الزبون ذو الحسناء المبهرة والعربة الألمانية الفخمة.

يريده بشدة لدرجة أنه يفكر جديًا في نسف هذا الكرش الصغير الذي اعتلى جسده منذ زواجه، حتى يماثل شكل بطن الزبون الخمصاء التي التف الجاكيت حولها، أو ربما يمكنه "شفط بطنه" كما يفعل حماه في بدلته الصيفية القديمة.

تداخله بعض الأفكار الهدامة عن جدوى ارتداء مثل هذا الجاكيت الفخم في منطقته الفقيرة، وأي مكان غني يمكنه أن يرتدي الجاكيت من أجل ارتياده، لكن يتذكر مثال الأستاذ طعيمة، ذلك المعجباني الذي يحرص دومًا على أن يكون في غاية الأناقة حتى وهو جالس على قهوتهم البائسة في ركن الحارة.

صمم على شيء أبعد، وهو أن يبتاع تي شيرت وجينز يماثلان في الغلو ما كان يرتديه الزبون، ولا بأس من حذاء ذي رقبة طويلة "بوت" ذي حشو حديدي في المقدمة مثل الحذاء "الردونج" الذي تاه به عشقًا في مراهقته.

هكذا بنت طفوليته سدًا عتيدًا أمام فكرة ابتياع جاكيت مستعمل. لكن عندما عرض عليه الخرتي الشاب ذات الفكرة الآن، إضافة لسعر الجاكيت، فقد زعزع هذا رفضه الطفولي، وأتاح المجال لصوت يتظاهر بالوقار في عقله، ويتساءل بجدية ما عن الفارق بين جاكيت جميل مستعمل -استعمال ملوكي كما قال الصوت - وجاكيت جديد مبالغ في سعره.

استمر الصوت الوقور ليخبره أنه سيكون ناصحا فعلا إن نجح في العثور على جاكيت يشابه المحبوب المفقود، وبسعر أقل كثيرًا بما لا يقارن. كل هذا دار في رأسه بينما يستمع للخرتي الشاب، جالسا بجوار ورشته، شافطًا في نهم دخان المعسل القص، وفورا ترك "اللي" على الدكة التي كان يجلس فوقها، وترك الورشة برمتها للوزة، وخرج مع الخرتي الشاب - الذي هاتف أحمد ليقابلهما عند الناصية - ليتفحص الملابس في الوكالة.

ذهبوا إلى التجار الثلاثة، واجتهد حمزة في وصف ما يريد لهم، وساعده الخرتي الشاب غير مرة في الوصف المضني، بينما هو يساعد أحمد ليبتاع قميصًا مقلمًا من ماركة شهيرة وبنطالا من الجينز الأزرق القديم.

وكان كُل من التجار الثلاثة يستمع ويحاول أن يساعده على قدر ما يستطيع، أثناء وقوفهما عند أشرف لمحا سيدتين أجنبيتين، إحداهما متقدمة في السن نوعًا ما والأخرى في منتصف العشرينيات - ولكن الاثنتان تشاطرتا الحذر من الرجال المصريين في الزحام - لينظر الخرتي الشاب للأسطى بانتصار ما: حتى الأجانب ذوي العملة الصعبة يأتون ليرتدوا "البالة".

تأمل أحمد الشابة الأجنبية وثارت في رأسه الأماني عن اليوم المرتقب. لكن الأسطى حمزة لم يجد ما يشتهي، كان يتفحص الجواكت والمعاطف الكثيرة التي عرضها الثلاثة عليه بإحباط مسبق، عاد ذلك الجزء الطفولي في رأسه ليؤكد له أن كل ما يراه لا يرقى لمستوى الرماني المحبوب، وبالفعل: لم يقف حمزة أمام هذه الجواكت وقفة الانبهار التي وقفها أمام تلك الواجهة الزجاجية لمتجر أركيديا، عندما تسمر وبجواره لوزة متفحصًا كل سنتيمتر من الجاكيت المفرود أمامه، وهو يقارنه على جسد الزبون، وهو يتأمل اللمعة التي تنعكس فوق جلده الثمين الطري المطواع، قبل أن يحثه لوزة - المحرج من نظرات الناس إليهما - أن يمضيا في طريقهما، ليفاجأ بالأسطى يدخل بغشامة - تحولت في نظره إلى جرأة محببة - إلى المحل ليسأل البائع عن الجاكيت بالخارج.

وبينما هو غارق في إحباطه، تناهت إلى أسماعه هتافات بعيدة، ترك ما بيده، شأنه شأن من حوله، وتأمل جماعة من الناس أغلبهم من الشباب وهم يأتون في طريقهم بطول الشارع، صارخين بهتافات تلعن الرئيس والنظام.

حول الجماعة تحالق العديد من الرجال - تعرف فيهم على الكثير من مخبري القسم - بهواتفهم المحمولة مشغلين كاميراتها، ليصوروا وجوه الصارخين بهذه الهتافات الشرسة غير المعتادة.

تأمل الكثيرون، وحمزة منهم، هذه الجماعة التي انضم لها بعض من أهل المنطقة باستهانة شديدة، ابتسم عبد الله وهو يتأملهم والتفت لحمزة والخرتي الشاب وأحمد قائلا شيئا يلعن الرئيس والهاتفين معًا: لص أريب ومجموعة من الحمقى.

قال لهم الخرتي الشاب إن مجموعة من أهل وسط المدينة وشباب كثير آخر قد تظاهروا في الميدان الكبير القريب بالأمس، قبل أن تطاردهم الشرطة جريا وصولا إلى حي الوايلي.

حاول حمزة والخرتي وأحمد أن يتجاهلوا ما يحدث، لكن الهتافات تصاعدت، ودارت الجماعة بأنحاء الوكالة صارخة بشعارتها، إلى أن برزت من العدم عربتان من الأمن المركزي بجوار وزارة الخارجية، بينما قابلتها الجماعة بتكسير بلاط رصيف الوزارة وقذفه على الجنود، وبدأت قنابل الغاز - هذا الاختراع العجيب بالنسبة لحمزة والغالبية الساحقة من أهل المنطقة - في الهطول على الشارع.

دخل حمزة والخرتي الشاب وأحمد، شأنهم شأن الكثير من أهل المنطقة، إلى الحواري الجانبية وإن لم يقتل الغاز الحارق فضولهم لمتابعة ما يجري، لكن عندما انقطعت الكهرباء فجأة من الحي، وطارد الجنود أولئك الشباب في الحواري الجانبية المظلمة، كان الوقت قد حان لحمزة ورفاقه أن يصعدوا إلى بيوتهم، متجنبين شر الجنود وحماقة الصائحين.

في الصباح عرف حمزة، بينما هو مشغول بتصليح عربة زبون متعال آخر، أن مظاهرة أخرى قد قامت بجوار الفندق الفاخر غير بعيد عنهم، وبدا الناس حوله وقد انقسموا إلى مجموعات متباينة بإزاء ما قيل عن مظاهرات عارمة بعد صلاة الجمعة التي تحل بالغد: جزء يبدي حماس ما، وجزء يلعن كل شيء، وجزء غير مهتم شأنه شأن حمزة، لكن هذه المجموعات كلها اجتمعت في شك كبير حول جدوى ما سيحدث، وإن كان سيحدث من أصله.

وعندما جلس في القهوة ليلا تناثرت أقاويل عن القبض عن بعض شباب المنطقة في مظاهرات الأمس التي جابت الحواري والأزقة، بينما بعضهم لم يكن له أي دخل بما حدث من الأساس، غير حظهم العثر الذي قادهم للوقوف في مسار المعركة.

البعض معروف مكانه والبعض الآخر بدا وكأنه تبخر بلا رجعة. كان حمزة يستمع إلى كل ما يجري وينفث الدخان من منخريه ويفكر بعمق في الأجر الجديد لتصليح عربة الزبون المتعالي الجديد، ويفكر جديًا في أن يدخره كبداية لثمن الجاكيت الرماني المحبوب.

جاءه الخرتي الشاب في آخر الليل بزجاجة من الخمر الفاخرة التي "سلكها" من زبونة جديدة، بينما تولى حمزة لف سيجارتين من الحشيش الذي عز العثور عليه في هذه الأيام.

كان الخرتي قد اصطحب أحمد إلى أحد الحلاقين معرفته في منطقة قريبة، حيثُ تولى قص شعره بما يروق للأجانب، استعدادا ليوم غد المرتقب.

أخبره الخرتي في تردد أنه يفكر في أن ينزل إلى المظاهرات في الصباح، قبل أن يذهب مع أحمد لحفلة الأجنبية في المساء، فـ"شخر" له حمزة في مزيج عجيب من الحسم والاستهانة، وسأله منذ متى يركعها أصلا، وكيف سيذهب إلى الصلاة وفمه نجس لأربعين يومًا كاملة؟! رد الخرتي الشاب أن هذه بدعة وأنه لم يرد في الدين مسألة الأربعين يومًا هذه فأسكته الأسطى بـ"شخرة" أخرى تعقبها "أحا"، وسأله كيف تسنى له أن ينقلب متظاهرًا ومتفقهًا في الدين في ذات الوقت فجأة.

كان تضافر الصوت الحلقي ولفظ الاعتراض والسؤال معًا في أقل من عشر ثوان كافيًا بإغلاق باب المناقشة تماما.

وعندما تركه حمزة صاعدًا إلى أعلى، حيثُ اعتلى زوجته في وقت خيل إليه أنه امتد لساعات، كان لا يفكر لا في الجاكيت ولا في المظاهرات ولا في حرمانية الصلاة.

كل ما ملك تفكيره هي صورة مذيعة الـ"توك شو" التي تشبه سعاد حسني بينما هو يحاول تركيبها عبثًا على زوجته، بينما كانت الزوجة تفكر بدورها إن كانت هذه المضاجعة المضطربة بتأثير الحشيش والكحول (اشتمت الرائحة جلية خارجة من فم زوجها قبل أن يقبلها) سوف تسفر عن مولود ثالث أم لا، وما إذا كان هذا الحمل مرغوبًا الآن في ظل الوليد الصغير.

وعندما صحى بعد عصر الجمعة بقليل وهو يسعل بفعل الغاز الذي تسلل إلى غرفته، بدا وكأن القيامة قد قامت.

تقول له زوجته إن المظاهرات امتدت من كل جامع كبير في المدينة العجوز تقريبًا، وأن الشباب الهادر قد انطلق في الشوارع العريضة لاعنا "سنسفيل" أبو الرئيس وداعين إلى إسقاط النظام، وأن القسم القريب قد هاجمه الشباب مثله مثل أقسام كثيرة في المدينة، خنقتهم جميعًا الغازات القادمة من هنا ومن هناك، وساد هرج ومرج في الشوارع حيثُ بدأ الشباب في مهاجمة الوزارة بالقرب منهم، اختفى المخبرون وأمناء الشرطة بعنجهيتهم المعتادة، ومعهم البلطجية الذين يستخدمونهم عادة في الانتخابات، وشاهد حمزة شابين من شباب المنطقة يلفون البانجو في الشارع بلا اكتراث حين نزل إلى الشارع مستفهما عما يجري.

شاهد الأستاذ طعمية الذي ما يزال يحاول الحفاظ على هندامه في مثل هذه الأوقات فسأله عن الخرتي الشاب، أجابه بأنه لا يعلم.

لا يعرف أحد أين الخرتي الشاب، الذي يسأل حمزة نفسه إن كان قد خرج إلى المظاهرات فعلا، أو نام مثله بانتظار أن يذهب مع أحمد عبد الرؤوف إلى حفلة النسوة الأجانب. جرب أن يهاتفه ولكنه فوجئ بتوقف شبكات المحمول عن العمل.

يصلهم دوي الرصاص الهادر من الميدان غير البعيد، ممتزجًا بالصوت المكتوم قليلا بقنابل الدخان، بدا كل شيء متفككًا منهارا بغتة، وبغتة أيضًا رأى حمزة صبيه لوزة محمولا فوق أيدي بعض الناس، ميز فيهم عبد الله صاحب المحل في الوكالة، وجسده ينزف الكثير من الدماء.

وعند المستشفى البيطري في المنطقة، الذي تولى بعض الأطباء فيه معالجة العديد من المصابين بطيبة قلب ودون أوراق رسمية، فهم حمزة أن الصبي قد شارك جماعة من الشباب التظاهر عند القسم القريب، فنال ما نال من طلقات البوليس، كانت أمه حميدة - التي ما تزال تحتفظ ببعض من فتنة قديمة يتذكر حمزة أنها شغلت أباه - تنوح بباب المستشفى لاعنة أبو لوزة وأبو المتظاهرين، وكأن ما يجري سيصلح الحال وكأن لوزة له أب يرأس الوزراء حتى يتجنب نيران البوليس، أو حتى أن يهتم بما يجري حوله.

كاد حمزة أن يسب له الملة بدوره حين اقترب منه، ممددًا فوق طاولة المرضى في مدخل المستشفى، لكن مظهر الألم فوق وجهه المصفر والعرق الذي يأكله، والضمادات المليئة بالدماء فوق ذراعه وقدميه جعلته يصمت قليلا ويربت فوق صدره لينظر له لوزة بامتنان، ثم لم يلبث حمزة أن سب له بصوت مكتوم رغم كل شيء.

يسمع الكثير مما يحدث من أهل المنطقة الذي ظهر بعضهم كمصابين أو كأهالي للمصابين، أو كفضوليين في الشارع، ولكن خبرًا واحدًا استرعى انتباهه أكثر من خبر انتشار الجيش بقرب الوزارة ومبني التليفزيون القريبين: هناك من يهاجم أركيديا، وبعض الناس يطلعون من المنطقة بسرعة الصاروخ، سواء فوق ماكيناتهم صينية الصنع أو "الفيسب" الغالية كفيسبته إلى المبنى الفاخر بجوار النيل.

عادت صورة الجاكيت الجميل، الرماني ذو اللون البني المحروق، بجلده اللامع البراق وجيوبه على شكل القلب وحزامه الصغير حول الياقة لتملئ خياله. المحبوب يرقد بالانتظار في المبني غير بعيد.

ولم يكن من الصعب تخيل ما حدث بعد ذلك: جرى حمزة إلى حيثُ ترقد فيسبته في المدخل الطويل لبيته، يستقلها وينضم لجحفل من الدراجات النارية تنطلق في طريقها إلى حيثُ يرقد المول، لا تبالي ولا تلتفت للشباب الثائر الذي تجمع حول مبنى التليفزيون أو في الميدان القريب.

لا تبالي ولا تلتفت لجنود الأمن المركزي الذين تخلوا عن ملابسهم الرسمية وطفقوا يعدون في الشوارع أو يختبئون في مداخل البيوت، لا تبالي الدراجات ولا تلتفت إلى بداية وصول عربات الحرس الجمهوري إلى الكورنيش الطويل.

لا تبالي ولا تلتفت، شأنها شأن الكل، لقرار الرئيس العجوز الفاسد بحظر التجوال، هم في طريقهم إلى الأرض الحرام غير بعيد، حيثُ اللبن والعسل والأدوات الكهربائية وخلافه. يصل حمزة إلى المول، يجد بعضه يحترق، وأدخنة تتصاعد منه، يرى العديد من الناس يخرجون منه حاملين كل ما يستطيعون، ما خف حمله وما ثقل.

يوقف فسبته بجوار المدخل بجوار العديد من الدراجات النارية، ويجري إلى الداخل كالمسحور، يتحسس مطواته القرن غزال في جيب بنطاله الجينز، ولم يخب حدسه: فبين أسراب النمل التي تحمل غنائمها كانت هناك معركة حامية بين الناس حول محل للمجوهرات تحطمت واجهته، شأنه شأن أغلب محلات المول، وجثث الساعين وراء الماس تتكوم فوق بعضها، بينما ظفر بها أكثرهم شراسة وأقواهم ذراعًا.

كان يعدو فوق الدرج هو وبعض الناس الذين ميز وجوههم، بينما يغادرهم آخرون حاملين كل ما استطاعوه حتى الكراسي الجلدية والمكاتب الخشبية، يصل إلى حيثُ المحل الذي تكسرت واجهته هو الآخر، يشهر مطواته في يده بحركة سريعة مدربة من أيام الشقاوة الأولى ويبحث عن المحبوب، تدور عيناه في أرجاء المكان المحطم والناس الذين يحملون الملابس بلهفة، يجد نسخة أخيرة من الجاكيت معلقة فوق العامود بعرض الحائط على يمينه، يهوش بالمطواة شابا حاول مد يده إليه ويهتف به بصوت أجش أن ابتعد.

يجفل الشاب ويبتعد مفسحًا له الطريق. يختطف حمزة الجاكيت من فوق حاملته وينظر إليه: أخيرًا نال محبوبه. أخيرا تحيط يده اليسرى بجلد ناعم وبراق، بينما تدلت يد السّحاب الأنيقة من آخر الجاكيت مصدره رنة معدنية طربت لها قلبه. لم يتمالك نفسه، ورغم كل ما يجري حوله، والعيون التي لا بدَّ تترصده، عدا بالجاكيت حيثُ غرفة تغيير الملابس، أغلق وراءه الباب الخشبي الفاخر، ومد يده اليمنى داخل الجاكيت شاقا طريقه في الكم المبطن بقماش ناعم حاملة المطواة بعناية حتى لا يجرح جسد الجاكيت، لتخرج من الكم بأسرع ما يستطيع، يدخل يده اليسرى في الكم الأيسر، يشد الجاكيت فوق جسده، ويغلق السّحاب ثم يشده لأعلى، ينظر لنفسه في المرآة على يساره، ينتصب أمامها مرتديا الجاكيت. يداخله إحباط قليل أن المقاس أكبر منه برقم واحد، وبذلك لم يكن الجاكيت مشدودا فوق صدره، لكنه لم يترك ذلك ليهزمه: لقد حاز الجاكيت أخيرًا. يخرج من المحل مسرعًا، عدوًا كما جاء، وحوله الناس في حالة من السعار المفاجئ، هكذا هي عدالة السماء من هؤلاء المنتفخين بذواتهم، هؤلاء اللصوص الكبار الذين أنستهم نقودهم وحساباتهم البنكية، والنسوة البيض البضة اللاواتي يضاجعون، وأنديتهم الفاخرة، المدارس الدولية التي يدخلون فيها أطفالهم المرفهين، الباشوات، آلهة الأقسام، حيثُ يعلقون المجرمين الصغار – أو من قادهم الحظ العثر لأيديهم - من عرقوبهم، وينحنون مقبلين مؤخرات المجرمين الكبار. كل هذا أنساهم أنفسهم، ثم أنساهم هؤلاء الذين يرقدون تحت أقدامهم، سواء من معدمين أو من لصوص صغار، أو من حالمين يريدون الحياة كما تظهرها الأفلام التي تأتي من الشمال البعيد. سارت البهجة والوحشية جنبًا إلى جانب في الجموع، نشوة هي أقرب لما كان يحسه وهو يضاجع نعيمة فوق سطوح البيت خائفًا من أي زائر مفاجئ أو جار مرهف السمع. يعدو إلى الخارج والأدرينالين الذي ملأ عروقه يبث في مخه صورة ذئب قوي، ذئب قوي نال ما يريد في غابة الحياة رغم كل الكلاب التي ملأت حياته.

وعندما خرج من باب المول، واتجه عدوًا إلى حيثُ رقدت الدراجات النارية، صدمته الحقيقة العارية فجأة: لم يجد الفيسبا.

المصدر: الوطن

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على "موسم الهجرة إلى أركيديا" (قصة قصيرة)

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
97402

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة