الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

وكر آمن للجماعات الإسلامية.. بلطجية ومسلحون بالشوارع ليلاً.. والأهالى مختبئون فى منازلهم

الاخباراخبار مصر - اهم الاخبار المصرية › 48 ساعة فى مدينة «الخوف».. كرداسة سابقاً

صورة الخبر: 48 ساعة فى مدينة «الخوف».. كرداسة سابقاً
48 ساعة فى مدينة «الخوف».. كرداسة سابقاً

* مع دقات العاشرة والنصف صباحاً من يوم الأربعاء الموافق 14 أغسطس الجارى، حاصر عشرات الملثمين من أعضاء الجماعة الإسلامية وتنظيم الإخوان قسم شرطة كرداسة، محاولين اقتحامه والتنكيل بأفراد الشرطة الذين يذودون عنه، انتقاماً من «الداخلية» لفضها اعتصامى «رابعة العدوية» و«النهضة» بالقوة، بدأت الاشتباكات بين الجانبين واستمرت حوالى ساعة، حتى نفدت ذخيرة قوات الشرطة بالقسم، وأصبحوا فريسة سهلة لجماعات إرهابية مزودة بأسلحة حديثة وذخائر كثيرة، سحلوهم فى البداية ثم قتلوهم بدم بارد ومثلوا بجثثهم، وأضرموا النيران فى سيارات ومصفحات الشرطة خارج القسم. بعد الحادث الإرهابى تحولت مدينة كرداسة إلى كابوس كبير، ووكر آمن لأفراد الجماعات الإسلامية المسلحة، فى ظل غياب الشرطة والقوات المسلحة عنها، وهو ما انعكس بشدة على نشاطها الاقتصادى والتجارى، الذى أصابه الركود والشلل التام بعد إحجام التجار والزبائن عن زيارة شارعها السياحى المعروف بسبب الاضطرابات الأمنية بالمدينة. «الوطن» زارت المدينة وتجولت لمدة 48 ساعة، ورصدت الوضع الأمنى والأحوال المعيشية بها، والتقت العديد من الأهالى والتجار والسائقين الذين حمَّلوا المسئولية لأعضاء تنظيم الإخوان والجهاديين بالقرى المجاورة، التى يغلب عليها الطابع الإسلامى.

* شارع متسع شديد النظافة، تزينه أعمدة إنارة قصيرة على الجانبين، تتوسطه عشرات المحلات التى تبيع ملابس و«عبايات» السيدات، شهرته تخطت حدود مصر إلى معظم الدول العربية من كثرة مبيعاته بها وعروضه المستمرة هناك، يفتخر البائعون وأصحاب المحلات به بإدخال عملة صعبة لمصر، على مدار السنوات الماضية، ويشكون من الحال الذى وصلوا إليه بسبب الأوضاع السياسية الراهنة، مدخل الشارع بالقرب من ترعة المريوطية مغلق ببعض الأحجار وجذوع النخيل مع أحد صناديق الصفيح، أبواب المحلات موصدة باستثناء القليل منها، فى نهاية الشارع السياحى توجد سيارات ومدرعات الشرطة المحترقة وتغلقه أمام حركة السيارات.

محمود بندارى، صاحب محل ملابس بأحد الممرات الجانبية، يقول منفعلا: «من يوم فض الاعتصام وإحنا فى وقف الحال ده، مفيش زباين راضية تنزل الشارع السياحى، وتجار المحافظات بيخافوا ينزلوا كرداسة بسبب حظر التجول من ناحية والإشاعات اللى الإعلام بينقلها عن المدينة من ناحية تانية، إحنا باختصار ضحية ثورة يناير وثورة 30/6». ويضيف «بندارى»: «من 15 يوم ومفيش استفتاح خالص، السوق نايم وأصحاب المحلات قافلين محلاتهم عشان كده». فى الأعوام السابقة كانت الورش والمصانع فى كرداسة تعمل طول العام دون توقف من أجل بيع منتجاتها فى شهور يونيو ويوليو وأغسطس من أجل السياحة الخليجية، وكنا نعول على هذا الموسم لتعويض خسائرنا وسداد ديوننا؛ لأن أقل دين لأصحاب المحلات فى الشارع السياحى 70 ألف جنيه للتاجر الواحد».

ويتابع: «أقل سعر لإيجار المحلات بالممرات الجانبية 800 جنيه، بينما تتراوح أسعار إيجار المحلات بالشارع الرئيسى بين 3 آلاف و4 آلاف جنيه، كما تبلغ أسعار المحلات بالشارع العمومى حوالى 3 ملايين جنيه.. إحنا فى ورطة وكارثة، أنا بقالى 16 سنة فى المهنة دى ولفيت العالم العربى عشان أبيع منتجاتنا فى معارضنا هناك، لحد ما بنينا اسم كرداسة بنفسنا، لكن البلطجية هدت الاسم فى نص ساعة وضيعوه والناس بقت تقول علينا دلوقتى بلد الإرهاب».

تشتهر كرداسة بالصناعات اليدوية وورش صناعة الملابس والتطريز وماكينات الكمبيوتر ومصانع الخيوط، كما أن الشارع السياحى به ما لا يقل عن 500 محل، بالإضافة إلى مول كبير يقع فى بداية الشارع: «كنا شغالين شوية والسوق يادوب ماشى فى رمضان، لكن الأحداث الأخيرة قضت على كل حاجة»، يشير «بندارى» إلى أن بداية شهرة كرداسة فى صناعة الملابس الحريمى تعود إلى منتصف سبعينات القرن الماضى وأن الفضل يعود فيها إلى الحاج عبدالحميد عيسى، أحد أهالى القرية، الذى وافته المنية منذ فترة. ويستطرد: «اسم كرداسة كان موجودا على خريطة السياحة فى مجلة السياحة (حورس) التى كانت توزع بالطائرات والمطارات المصرية والأجنبية، لكن تم رفعه من الخريطة منذ فترة».

عبدالرحمن محمد، صاحب محل ملابس آخر، يقول: «توجد 3 آلاف أسرة تعيش على تجارة الشارع السياحى وحده».

ويختتم بألم: «كرداسة اتخرب بيتها بعد العيد، جيراننا خايفين ينزلوا كرداسة، الإعلام سوّأ سمعتنا واتهمنا بالإرهاب، كرداسة توجد بها 30 عائلة كبيرة موزعة على أنحاء المدينة، وكل الناس عارفة بعضها والإخوانى معروف والجهادى معروف والبلطجى معروف». يبدى الشاب الثلاثينى تخوفه من الأوضاع الحالية، قائلا: «كرداسة بها كمية سلاح كبيرة».
* 10 دقائق فقط، هى المدة التى يقطعها زائر مدينة كرداسة من أمام جامعة القاهرة بالجيزة، حتى يصل إلى قلب المدينة حيث يوجد قسم الشرطة المحترق، الذى تعرض لعملية اقتحام انتهت بمقتل ضباطه والتمثيل بجثثهم.

محلات ومطاعم وقهاوى لا تلتزم بحظر التجول وتعمل حتى منتصف الليل
دخول المدينة نهاراً ليس صعباً، رغم إغلاق نهر الطرق بالتراب وجذوع النخيل وترك مساحة صغيرة لمرور السيارات. لا يوجد أفراد من اللجان الشعبية أو الجماعات الإسلامية فى مداخل كرداسة ناحية محور صفط اللبن، بجوار ترعة المريوطية أو عند مدخلها ناحية شارعى فيصل والمنصورية. سيارات الميكروباص تنقل الركاب من وإلى المدينة بشكل طبيعى من أماكنها المعتادة. أجرة الركوب كما هى لم ترتفع. محلات وسط المدينة تفتح أبوابها، بينما ينادى سائقو سيارات الأجرة على زبائنهم المتوجهين إلى جامعة القاهرة والهرم وناهيا.

يسخر أهالى كرداسة من الأخبار التى تتناقلها وسائل الإعلام عن انفصال المركز عن مصر وتكوين جمهورية مستقلة يسيطر عليها تنظيم الإخوان مع أعضاء الجماعة الإسلامية، رافضين اتهامهم بالإرهاب أو العنف، مطالبين الحكومة وأجهزة الإعلام بتحرى الدقة وعدم توجيه الاتهامات إلى كل السكان، لأن ذلك يعرضهم إلى المهانة والإقصاء خارج حدود مدينتهم، مؤكدين أن كرداسة يوجد بها عدد كبير من الأهالى المناهضين للإخوان، وأنهم ضد قتل مأمور القسم وأفراد القسم، وأنها بلد سياحى لها صيتها فى كل أنحاء الوطن العربى.

فى شارع سعد زغلول، أحد أكبر شوارع القرية، كان يجلس عبدالعزيز محمد عبدالعزيز (موظف) يشكو من وصف كرداسة ببلد الإرهاب ويحلم بتصحيح صورة البلد فى وسائل الإعلام ويلح فى ذلك قائلاً: «انتم شفتوا إرهابيين قدامكم دلوقتى، لفوا فى البلد، مفيش حد هيعترضكم وياريت تنقلوا الحقيقة كاملة مش تعملوا زى باقى وسائل الإعلام اللى خلت الناس تخاف تنزل كرداسة وصوروها على أنها معقل الإرهابيين». ويضيف قائلاً: «كرداسة مدينة عادية يعتمد اقتصادها على الصناعة اليدوية والتجارة وهى فى الأساس منطقة سياحية مشهورة على مستوى العالم العربى، لكنها تأثرت بالأحداث منذ ثورة يناير، حدود كرداسة تمتد لما بين ترعتى المريوطية والمنصورية، والإعلام خلّى الناس تقول على كرداسة إنها بلد الإرهابيين وأى حد من الأهالى بيطلع فى الإعلام بيقول غير كده، بيقطعوا عليه زى قناة الجزيرة لما تلاقى حد بيتكلم ضد الإخوان بتقطع عليه، أنا بنزل من بيتى فى أى وقت ولا أخاف على عيالى لأنهم فى وسط أهاليهم».

ويوضح «عبدالعزيز»: «كرداسة مدينة لا يحكمها أحد من الإرهابيين فكل الخدمات الحكومية بها تعمل بشكل طبيعى ولم يستطِع البلطجية أو الإرهابيون كما يطلق عليهم الإعلام غلق الطرق والشوارع أمام أهالى المركز أو الغرباء، إحنا أصلا أرياف وقرى وعائلات، وكل الناس عارفة بعض رغم تعداد السكان الكبير الذى يزيد على 300 ألف نسمة».

وعن انتماءات معظم أهالى كرداسة، يقول: «المدينة بها كافة الأطياف السياسية ولا توجد أغلبية إسلامية كما يتردد، لكن القرى المجاورة لها والتابعة لمركز كرداسة مثل ناهيا وأبورواش وبنى مجدول وكونبرة والبراجيل والمنصورية بها الكثير من التيارات الإسلامية التى ينظم أعضاؤها مسيراتهم فيها، ولو أى حاجة حصلت فى أى بلد من دول يقول لك كرداسة فيها كذا وكذا، رغم إن البلد ملهاش ذنب».

ويقول حسين الجابرى (مدرس) إن «الأهالى مستاءون من الصورة الذهنية التى خلفتها القنوات الفضائية، وصورت كل سكان كرداسة على أنهم مجموعة من الإرهابيين، ومبقاش فيه حاجة فى الإعلام إلا كرداسة، كل يوم لازم يتكلموا عنها ويحسسونا إننا فى أفغانستان، كرداسة بلد سياحى وعريقة لا تنتمى إلى تيار سياسى بعينه وبها كل الأطياف السياسية».

وأوضح «الجابرى» أن المدينة لا تعانى من مشكلة اقتصادية، فسعر أرض البناء يتراوح ما بين 3 آلاف إلى 4 آلاف جنيه للمتر الواحد، أما اللجان الشعبية فمعظم أعضائها من أهالى كرداسة ومهمتها حماية المدينة من البلطجية والخارجين على القانون. ونفى قيام العناصر المشبوهة بالوجود فى شوارع المدينة ليلاً أو فى أى وقت من النهار كما روجت بعض وسائل الإعلام، وقال: «مش معقول إن الأهالى هيسمحوا لتجار المخدرات والبلطجية يعملوا كده». واتهم «الجابرى» البلطجية والمنتفعين باقتحام قسم شرطة كرداسة وإضرام النار به وقتل ضباط وأفراد الشرطة.

قرب قسم شرطة كرداسة المحترق كان يجلس محمد مرسى، أمام محل ملابس يمتلكه، تحدث بهدوء قائلاً: «لما القسم ولع زعلت أوى وحسيت إن فيه كيان انهار، رغم التجاوزات، لأن القسم كان بيخلى فيه نظام فى البلد، فيه ناس كتير من مصلحتها إن الشرطة تغيب».

يعتدل فى جلسته ويضيف: «لما القسم اتحرق فى ثورة 25 يناير، نادى إمام مسجد عيسى المجاور للقسم فى الميكروفون، وقال: القسم بيتعرض للسلب والنهب عاوزين نحميه، واستجاب الأهالى وقاموا بعمل لجان شعبية حول القسم، ومنعوا البلطجية والسارقين من الاقتراب منه، ونقلوا الأحراز وبعض الأسلحة إلى المسجد قبل تسليمها للشرطة».

وبصوت حزين يتابع محمد مرسى كلامه قائلاً: «ضباط وأفراد الشرطة اللى استشهدوا كانوا أصدقاء وحبايبنا، وفيه مودة بيننا وبينهم، واللى حصل لهم ما يرضيش ربنا، العساكر والمأمور كانوا بيصلوا معانا فى جامع عيسى اللى جنب المركز، فى الأحداث الأخيرة شفنا ناس غريبة عن البلد وشفت كل الاشتباكات اللى حصلت قدام القسم بعد 30 يونيو، وكان ضباط الشرطة بيتعاملوا بضبط النفس واستخدموا فى البداية قنابل الغاز المسيلة للدموع لتفريق أعضاء الإخوان الذين جاءوا من قرى عديدة مجاورة، المحل بتاعى وبتاع جارى واخد أكتر من 5 طلقات رصاص وقت الاشتباكات».

ويستطرد «مرسى»: «العمارة اللى فيها المحل بتاعى واخدة لوحدها 5 رصاصات وقام صاحب محل أحذية مجاور لى بتغيير زجاج المحل بتكلفة 2000 جنيه». خلال جولتنا فى القرية نصحنا أحد شباب القرية بعدم السير بمفردنا أو التحدث لأحد فى منطقة الحصواية والروضة والرشاح والسوق القديم، أو «تحت البلد»، لأنه يوجد بها كثير من المتعصبين والمنتمين إلى تنظيم الإخوان والجماعات الإسلامية والجهاديين.

السير فى المنطقة الشرقية قرب القسم والشارع السياحى أكثر أمناً من أى منطقة أخرى، لأنها منفتحة على التجار والزبائن من كافة محافظات الجمهورية كما أن كرداسة خليط بين الريف والحضر، فعلى الرغم من انتشار المحال التجارية والمطاعم والكافيتريات والسيارات الفارهة بشوارع المدينة المتسعة فإنها تسير جنباً إلى جنب مع عربات الكارو ومواشى الفلاحين الذين يعيدونها إلى منازلهم ليلاً.

* فى أحد مساجد كرداسة، الواقعة غرب محافظة الجيزة، حاول الدكتور أشرف محمد أحمد، أحد مواطنى كرداسة، الوصول إلى رواد المسجد للتخفيف من حدة ما يصفه بالتشدد الدينى المهيمن على ما يقارب الـ90% من مساجد المدينة التى شهدت حادث اقتحام قسم شرطة كرداسة، الذى أسفر عن مقتل 43 من ضباط ومجندى الشرطة والتمثيل بجثث عدد منهم.

الساحة الدعوية فى كرداسة، بحسب ما يوضحه الباحث الإسلامى، متعددة الجوانب؛ ففيها الإخوان والجماعات السلفية على تنوعها، والسلفيون فى كرداسة منهم من انضم للإخوان، بعد الثورة، ومنهم من أراد الدعوة ولم ينضم للإخوان، إلا أن الفئة الكبرى هى التى انضمت للإخوان، أو على الأقل انضمت لهم خلال المسيرات والفعاليات.

المساجد فى كرداسة يسيطر عليها الإسلاميون المتشددون، بحسب قول «أشرف»: «أتباع التيار الدينى المتشدد يسيطرون على نحو 90% من مساجد كرداسة؛ لذا فهم يعارضون أن يظهر صوت أكثر اعتدالاً منهم ويرفضون تماماً عقد أى دروس لتوعية الناس دينيا على أساس عقلى ومنطقى».

قبل الحادث بشهور، حاول الباحث الإسلامى احتواء ما يصفه بالتشدد الدينى فى كرداسة؛ فعقد درساً لتقديم نمط جديد من التفكير الدينى لم يعتَده المصلون فى مساجد كرداسة، ويقول: «عندما حاولت وعندما حاول غيرى الصعود إلى منابر كرداسة قوبلنا بعنف شديد من المتعصبين؛ حيث يلجأ المتشددون دائماً إلى سياسة الصوت المرتفع، ولأننا مجتمع متداخل بشدة فإنهم يسعون لتصوير كل من حاول تصحيح بعض المفاهيم الخاصة بالدين على أنه يخالف المجموع».

تلقى «أشرف» أنباء اقتحام القسم وقتل من بداخله من مجندين وضباط بأسف وحزن، ويقول: «أى مسلم حقيقى معتدل يرفض أى عنف، مش بالضرورة العنف موجه ضد مين، ضابط شرطة أو غيره، ديننا لا يحض على العنف».

وأضاف: «الأوضاع فى كرداسة لا ترضى أحدا؛ لذا حاولت إقناع المتشددين بالعدول عن موقفهم، وأن محاولاتهم فى فرض سطوتهم على البلد لن تجدى نفعاً.

يقيس «محمد» ما حدث فى كرداسة، فى أعقاب حادث قسم الشرطة، على ما حدث إبان فض اعتصام «رابعة العدوية»، ومقتل مئات المعتصمين والقبض على بعضهم، فى حين نجا قياديو الاعتصام، ويقول: «فى كرداسة حدث ما حدث فى اعتصام (رابعة)؛ حيث كانت أصوات القيادات مرتفعة جداً حتى وقعت الحادثة، وقتل ضباط الشرطة ففوجئنا بأن القيادات كلها اختفت ولم يتبقَّ إلا الغلابة فى الواجهة، تماماً كما جاء فى القرآن حيث يقول الله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)».

* مهما كانت الأحداث، لا تتخلى المدينة عن طبيعتها، حتى موعد سريان حظر التجول لم يمنع الحركة داخل مدينة كرداسة، غرب الجيزة. احتفظت مداخلها بالنصيب الأكبر من الهدوء، خصوصاً أن أعمدة الإنارة خارج الخدمة، وأكوام الرمال ومخلفات البناء على جانبى الطريق تعرقل حركة السير، لذلك امتنع كثير من سائقى سيارات الأجرة عن نقل الركاب من وإلى كرداسة «الطريق عموماً مبقاش آمن، لكن لو راكب اتأخر فى شغله هيلاقى عربيات تنقله إلى كرداسة بس أقل من العادى»، حسب قول أحد السائقين.

محلات الشارع السياحى تغلق أبوابها قبيل المغرب ملتزمة بمواعيد الحظر التى تم تأجيلها إلى التاسعة، رغم أن المحلات ذاتها كانت لا تغلق أبوابها إلا بعد العاشرة مساءً، وبعض المقاهى لم تُغلق أبوابها. «زمان كان ممكن نآمن على نفسنا وعلى عيالنا نخرج ونروح هنا وهنا حتى بعد الساعة 10 و11 بالليل.. دلوقتى بعد المغرب محدش يقعد فى الشارع من الكلام اللى بنسمعه.

منذ إعلان فرض حظر التجول ليشمل مدينة كرداسة ضمن محافظة الجيزة، و«الخوف يسيطر على الأهالى» بحسب «ف.م» التى تقول: «بقينا نخاف نخلّى ولادنا يروحوا حتى يصلوا العشا فى الجامع. تسير الأمور على طبيعتها فى ورشة إصلاح الدراجات النارية التى شهدت الاعتداء على مأمور قسم كرداسة والتمثيل بجثته. أحد أصحاب الورشة وقف عند عتبتها بجلباب رمادى ولحية قصيرة وطاقية بيضاء وبجانبه عدد من «الموتوسيكلات»، بينما تضىء الكشافات الورشة والمنطقة المحيطة بها. وامتنع أصحاب التكاتك عن الانتقال بها خارج كرداسة فى ساعات الحظر نظراً لسوء الحالة الأمنية، وخوفاً من مواجهة مضايقات خارج المنطقة.

* «كمية السلاح اللى هنا مهولة تكفى لتحرير فلسطين، وأبلغنا قسم الشرطة قبل 30 يونيو بها»، هكذا تحدث عبدالرحمن محمد، أحد أبناء كرداسة، الذى يمتلك محال بالشارع السياحى، فجاء الرد من أحد ضباط القسم: «لا يوجد ما يدعو للقلق؛ لأن تسليح القسم أقوى وأكبر منهم بمراحل». وهو ما ظهر بالفعل على أرض الواقع صباح اليوم الأخير فى شهر يونيو، الذى خرج فيه المصريون للمطالبة برحيل الرئيس السابق؛ حيث اصطفت 4 مدرعات للجيش والشرطة، مدعومة بـ3 تشكيلات من الأمن المركزى والقوات الخاصة، لتعجز الحشود من داخل المدينة ذات الأغلبية الإخوانية والجهادية عن الاقتراب من قسم الشرطة، لترحل المدرعتان التابعتان للقوات المسلحة بعد 3 أيام من إلقاء الفريق السيسى للبيان الذى عزل فيه «مرسى».

استمر الوضع على هذا الحال حتى يوم فض اعتصامى «رابعة» و«النهضة»، حسب «عبدالرحمن»، ومع إشارة عقارب الساعة إلى الواحدة ظهرا، كان قسم الشرطة تحت سيطرة أنصار الرئيس المعزول، الذين احتشدوا من ناهيا وأبورواش وبنى مجدول وعرب الصليبة، ومعهم المئات من كرداسة.

وعن تفاصيل الحادث، يروى سعد منصور، من أهالى كرداسة: الاشتباكات بدأت 11 صباحا بين إخوان كرداسة الذين هاجموا القسم بالحجارة وزجاجات المولوتوف وردت عليهم قوات الأمن بطلقات الصوت والخرطوش والقنابل المسيلة للدموع، لتزداد سخونة الاشتباكات بوصول عشرات الملثمين من القرى والمناطق المجاورة، الذين هبطوا على مزرعة «الدلح»، كما يروى «سعد»، وخرجوا منها شاهرين أسلحتهم، متجهين إلى قسم الشرطة، ليبدأ إطلاق نار مكثف بين الطرفين، سرعان ما انتهى بنفاد الذخيرة من قوات الشرطة وسقوط 13 فردا منها قتلى وهروب باقى القوى الأمنية بمساعدة الأهالى من الممر السياحى.

بمجرد أن تطأ قدماك أرض كرداسة، خطوات قليلة فى أحد شوارعها كافية لتكشف الحذر والتوجس فى عيون المارة، التى تراقب كل غريب دون التعرض أو الاقتراب، وسط فراغ أمنى كامل؛ حيث لا يوجد أى من أفراد الشرطة أو الجيش. يفسر ذلك سعيد حماد، صاحب أحد المحال بسوق كرداسة، بقوله: «الغالبية من أهالى كرداسة لا يهمهم غير لقمة العيش؛ فكل من له محل يجلس أمامه لتأمينه».

السواد يكسو كل شىء فى محيط قسم الشرطة: 3 عربات لتشكيلات الأمن المركزى، ومدرعتان للشرطة أتت النيران على جميع محتوياتها، لترقد هياكلها متفحمة أمام مبنى الأمن المكون من 4 طوابق لم يتبقَّ منه غير الجدران والحطام ذات اللون الأسود، مبنى أمن الدولة القابع خلف القسم المحترق مغلق منذ ثورة 25 يناير، ورغم ذلك تهشمت أبوابه.

فى ظل الغياب الأمنى شكّل الإخوان والسلفيون لجانا شعبية مسلحة تحاصر مداخل ومخارج المدينة الصغيرة من 8 مساء وحتى 8 صباحا بقيادة أحد شيوخ الجهاديين، يدعى محمد نصر الغزلانى، الذى خرج من السجن فى عهد الرئيس المعزول بعفو رئاسى، وفقا لرواية «س. ق»، مضيفا أن «الغزلانى» كان يمر على هذه اللجان الشعبية بسيارته التى يرافقه فيها 3 أشخاص بينهم ابنه الأكبر، ويمدهم بالسلاح والذخيرة، لكنهم اختفوا تماما يوم الاثنين الماضى بعد تهديد الجيش والشرطة بالنزول إلى كرداسة، لكن الشرطة أو الجيش لم يظهر أى منهما فى المنطقة، ووفقا لـ«س. ق»، فإن الشباب فى كل منطقة شكلوا لجنة شعبية لتأمينها من البلطجية والخارجين على القانون، وليس لمنع الشرطة من الدخول، بل يطالب هؤلاء الشباب قوات الأمن بالقبض على جميع المطلوبين أمنيا وفرض السيطرة الأمنية على المدينة، «حتى لا يتم استهدافنا من قبل كمائن الشرطة بمجرد خروجنا من كرداسة».

مسجد «الشاعر»، أحد أكبر مساجد كرداسة، يقبع على أطراف المدينة فى منطقة تتسم بالهدوء، ويعتبر من الأماكن التى شهدت أحداث المذبحة، كما يروى عبدالرحمن محمد؛ حيث حاول بعض أفراد الأمن الهاربين التحصن به، بعدما تمكنت الجماعات المسلحة من اقتحام القسم، لكن المطاردات لم تتوقف ليتم الاعتداء عليهم فى المسجد.

وأجمع أهالى كرداسة على أن قوات قسم الشرطة كانت أفضل قيادات تولت قسم كرداسة، لكن تهديد أحد ضباط القسم لأهالى البلد بعد مظاهرة اتهموا فيها «الداخلية» بالبلطجة، «يا كرداسة هننيمكم من المغرب ونلبسكم طرح»، كما يردد العديد منهم، لكنهم اختلفوا فى ذكر توقيت هذا التهديد، فريق يقول إن الضباط سبوا أهالى كرداسة يوم 30 يونيو، وهو ما دفعهم لتجاهل الاعتداء على القسم من أشخاص معظمهم من المناطق المجاورة لكرداسة، بينما الفريق الثانى يرى أن هذا التهديد كان بسبب محاولة البعض التعدى على القسم يوم 3 يوليو، بعد إلقاء «السيسى» بيان عزل «مرسى».

المصدر: الوطن

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على 48 ساعة فى مدينة «الخوف».. كرداسة سابقاً

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
74742

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
استطلاع رأي طريق الأخبار
أرشيف استطلاعات الرأي

استطلاع رأي طريق الاخبار

أهم توقعاتك لمستقبل مصر بعد تنصيب السيسي؟

إظهار النتائج

نتائج استطلاع رأي طريق الاخبار لا تعبر عن رأي الموقع انما تعبر عن رأي المشاركين في الاستطلاع

إرسل إلى صديق
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث الاخبار العربية والعالمية