الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

الاخباراخبار مصر - اهم الاخبار المصرية › محسن شعلان يكتب: الثقافة.. الورقة الأخيرة فى لعبة العميان!

صورة الخبر: محسن شعلان
محسن شعلان

هرب فصيل من العميان من بوابات الكهوف الكئيبة المظلمة التى عاشوا فيها دهرا وهم لا يعلمون أنهم عميان! فقد كانوا يظنون أن الظلام الطاغى فى الكهف هو الذى يمنعهم من الرؤية.. وهو الذى كسى على عيونهم بغلالة ظنوا أنها مؤقتة وقد حجبت عنهم الشوف.. وحالت دون التقاطهم أى بصيص من ضوء نقى! ولم يحاولوا مرة واحدة أن يختبروا عيونهم، أو قدراتهم على النظر كما باقى البشر من خلق الله الذين يعيشون حياة طبيعية فى النور.. نور ربنا... أو حتى نور الكهرباء التى هدى الله بها البشر.. فخصّ لهذه المهمة إنسانا بعينه.. لم يخضع فى معايير الاختيار بأن يكون منتميا لأهل أو عشيرة تراه بعيون العمى.. أنه كافر!

هرب العميان فى الهوجة.. هربوا وغادروا الكهوف الكئيبة حين تنامى لهم أن هناك غنائم فى ربوع بلاد النور! فراحوا يركضون على غير هدى.. يهرولون وهم حتى لا يتحسّسون طريقا لهم.. فسكّة أبو زيد كلها مسالك! والجرى بالتلطيش هو صنعتهم التى خبروها دهرهم الكئيب.. الذى قطعوا فيه كل أشواط حياتهم الدامسة بسواد أنصع ما فيه قطران.. غرست فيه أقدامهم مثلما انغرست عيونهم فى ظلمات ملبّجة بكآبة الكهوف.

الناس فى بلاد النور ما هم إلا خيوط من طهر.. لا يعرفون غدرا.. ولا تربّوا على تخوين شعاع النور.. هم دوما رهن لوميض يستبشرون به خيرا ورغدا.. فلم يكتشفوا أن الهاربين إليهم عميان.. أخضعتهم نبرات البؤس فى أصواتهم وهم يقصّون عليهم مآسى الكهوف.. خدعتهم تطلعاتهم إلى سماء لا يرونها.. وإلى رب لا يتقونه.. فولوّهم أمورهم فى غفلة من العقل، بعد أن تناولوا جرعات خادعة من كذب محكم زيّن لهم بكهنوت واسع المدى.. ووعود لا تعرف للخبرة طريقا.. ولا تقدس كتابا ولا عرفا ولا قانونا.

أفاق الناس على كهوف تبنى فى كل أرجاء المعمورة.. صروح عملاقة تهدم ليحل مكانها كهوف مظلمة قحلة مخيفة.. يعتلى كل كهف غراب أسود ينعق بفأل شؤم وخراب مقيم.. وطار الحمام الأبيض مختنقا مهاجرا إلى أقرب وميض ضوء يلوح فى الأفق البعيد.

سكوووووت مخيف.. سكوووون مريب.. تحوّلت المدينة العريقة إلى كهف كبير.. وهبط وخّيم عليها ليل غير ساحر ولا رومانسى.. متجرّد من إبداع الشعراء والفنانين وأصحاب الخيال الشاطح الفسيح.. اغترب فيه شدو أم كلثوم وعبد الوهاب وحليم.. ضاقت فيه الطرقات على الناس فى مماشيها.. وانقبضت صدور الأطفال وطال خوفهم وبكائهم عنان السماء... أهين الشيوخ والقضاة فى زمرة الظلام فلم يعدوا يتلمّسون نصرا لحق يضيع.. ولا يؤمّنون عدلا لميزان يميل.. انكسرت عزّة الشرطى وهو ينجو من بطش اللصوص والمجرمين.. سحقت هامة المعلم وهو يلقن درس الدجالين.. ارتعشت يد الطبيب وهو يداوى مريضا يضع فى ظهره سكينا!

رفض الرسام أن يبدّل خطوط لوحته النبيلة.. أقسم بأهرامات هذا البلد أن لا يرسم كهفا فى موقع قصر... ورفض روائى أن يفتعل فضيلة أملاها عليه أفّاق يمارس عهرا.. وعازف طاف بين الناس ينشد لحنا صاغته رنّة ضحك.. أطلقتها فتاة فى مقتبل العمر.. فكتب نوتة تشبه ضفائر شعر! وسينمائى أدار الكاميرا يترقّب طلوع الفجر..

تبعثرت الأوراق فى أيدى العميان.. وطارت ورقة واحدة.. أخيرة.. حملتها نسمات ناعمة لا أزيز لها ولا صفير.. طارت بها فى اتجاه مجرى النيل، ولامست جذوع النخيل لتستقر فى نهاية المسار على قمة تاج أبى الهول.. وكان ما زال جالسا يترّقب رحيل الغمّة فى حكم العميان.

المصدر: التحرير

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على محسن شعلان يكتب: الثقافة.. الورقة الأخيرة فى لعبة العميان!

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
41253

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
استطلاع رأي طريق الأخبار
أرشيف استطلاعات الرأي

استطلاع رأي طريق الاخبار

أهم توقعاتك لمستقبل مصر بعد تنصيب السيسي؟

إظهار النتائج

نتائج استطلاع رأي طريق الاخبار لا تعبر عن رأي الموقع انما تعبر عن رأي المشاركين في الاستطلاع

إرسل إلى صديق
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث الاخبار العربية والعالمية