الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

الاخباراخبار مصر - اهم الاخبار المصرية › حلمى النمنم يكتب: حسن البنا الذى لا يعرفـه أحد

صورة الخبر: حلمى النمنم يكتب: حسن البنا الذى لا يعرفـه أحد
حلمى النمنم يكتب: حسن البنا الذى لا يعرفـه أحد

من بين رموز الحركة الإسلامية المعاصرة بقيت مشاعرى محايدة تجاه الشيخ حسن البنا مؤسِّس جماعة الإخوان المسلمين، فلا أنا تعاطفت معه وأحببته مثل الإمام محمد عبده وغيره، ولا أنا انتقدته أو هاجمته كما فعلت مع بعضهم، وفى نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، حين كنت فى مرحلة الطلب بالجامعة، كانت رسائل حسن البنا متوفرة، فقد كانت الجماعة الإسلامية منذ أن أُتيح لأعضائها السيطرة على الاتحادات الطلابية، تنشر بميزانية الاتحاد أعمال البنا وسيد قطب وغيرهما بدلا من أن توظِّف هذه الميزانية فى الأنشطة والخدمات الطلابية، وحاولتُ أن أقرأ رسائل البنا، لكنها لم تستهونى، فلم أجد فيها حرارة أسلوب سيد قطب وصوته، ولا لمحت فيها جهد الباحث والعالم كما هى الحال فى بعض أعمال الشيخ محمد الغزالى التى أُتيح لى قراءتها فى ذلك الوقت، كنت أشعر أنه متعجل فى الكتابة، وتفتقر كلماته إلى الضبط المنهجى والعلمى، واستشهاداته فى غير مواقعها؛ لذا تركته وتركت أعماله، ولم أنشغل به.. ثم فرضت علىَّ الظروف أن أقرأ أعماله كلها، منتصف التسعينيات، حين كنت أعد كتابى عن سيد قطب وثورة يوليو.. ولم يكن هو الهدف، كنت أحاول التعرف على العالم الذى ألقى سيد قطب نفسه فيه (نهاية الأربعينيات) خصوصا أن سيد قطب له مقال مطوَّل عن حسن البنا، حمل عنوان «حسن البنا وعبقرية البناء».

وكنت ألاحظ حب الإخوان الذى يصل حد التقديس لمرشدهم حسن البنا. ومَن يراجع سجل الإنتاج العلمى وأعمال الإخوان لن يجد أنهم أصدروا كتابا يمكن الوقوف أمامه عن حياة وسيرة النبى محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولا كتابا ذا قيمة عن أبى بكر الصديق، أول الراشدين والذى لولاه لتبدد الإسلام بعد وفاة النبى (صلى الله عليه وسلم)، وهكذا الحال بالنسبة إلى شخصيات عظيمة ومؤثرة فى تاريخ الإسلام كله، بينما أصدروا العديد من الكتب والدراسات عن حياة البنا وسيرته، ومنحوه صفات مذهلة يصعب أن تجتمع فى إنسان، وكان بعض الآراء فيه والتصورات عنه تحمل قدرا من الشطط، فهناك كتاب صدر للأطفال الصغار عنوانه «حسن البنا.. منشئ الدعوة الإسلامية» ولو صحَّ هذا، وهو غير صحيح، فماذا عن النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) وماذا عن صحابته رضوان الله عليهم؟! ومع هذا كنت أفهم ذلك على أنه جزء من ظاهرة عامة لدى الكثيرين فى مختلف التيارات الفكرية والسياسية، حيث يركز كل منها على شخص أو رمز جعلوه قبلتهم، وعادة ما ينتمى ذلك الشخص الرمز إلى مرحلة مضت، الوفديون تسمَّر وعيهم عند سعد زغلول وسنوات العشرينيات من القرن العشرين.. الناصريون أو بعضهم فعلوا الشىء نفسه مع جمال عبد الناصر، وهكذا..

وفى كل مؤتمرات جماعة الإخوان المسلمين وندواتهم ومطبوعاتهم تجد صوت حسن البنا وبعض كلمات له ولن تجد شيئا من ذلك بالنسبة إلى من تلاه من مرشدى الجماعة، وللوهلة الأولى يبدو ذلك مستفزا للمراقب من بعيد، لكن فى أدبيات الجماعة، فإن شخصية حسن البنا أو الإمام الشهيد تكاد تكون مقدسة، والغريب فى الأمر أنه لم يكن كذلك فى حياته، فقد اختلف معه بعض الإخوان وانشق عنه بعضهم، وهاجمه عدد منهم، ووصل الأمر أنّ أحمد السكرى، الذى كان الرجل الثانى فى الجماعة وشريك حسن البنا فى تأسيسها ورفيق عمر البنا اتهمه بالكذب وبأشياء أخرى، وطعن بعضهم فى ذمته المالية، واتهمه كل من انشقّ عن الجماعة بالتسلط والديكتاتورية، وأنه يتحدث عن الشورى لكنه لا يعلمها بالمرّة، أما بعد عودة الإخوان إلى النشاط فى السبعينيات فقد اجتهدوا فى تقديم مرشدهم الأول فى صورة الإنسان المثالى، لن تسمع منهم أنه وقع فى هفوة أو ارتكب خطأ ولو صغيرا.. وهو أمر يصعب أن نجده فى تناول سيرة أى إنسان مهما كان، فلا يوجد إنسان مضت حياته بلا خطأ ارتكبه، حتى لو كان خطأ صغيرا.. والحديث النبوى يقول «كل ابن آدم خَطّاء»، حتى فى تناولنا لسير الأنبياء يصعب أن نجرِّدهم مما هو إنسانىّ، ففى القرآن الكريم تجد عتابًا من الله سبحانه وتعالى للنبى محمد (صلى الله عليه وسلم)، خاتم الأنبياء والمرسلين، مثل قوله تعالى عن النبى «عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكَّى» (عبس:1-3) وهناك تحذير فى القرآن الكريم لسيدنا موسى من أن يصبح جبارا... وهكذا، لكن حسن البنا عند تابعيه غير ذلك. إنه الإنسان الكامل وأكاد أقول الأكمل. ومع ذلك لم يشغلنى هذا كثيرا، هم وشأنهم.. ذلك لمرشدهم وهم أتباعه.

لكن فى نهاية عام 2008م كان لا بد من التركيز على حياة وشخصية حسن البنا، ففى ديسمبر من نفس العام مرّ ستون عاما على اغتيال رئىس الوزراء محمود فهمى النقراشى، وكان النقراشى فى جيله واحدا من رموز الوطنية المصرية، شارك فى ثورة 1919م وأصدر الإنجليز فى حقه حكما بالإعدام، ثم انشقّ عن «الوفد» مؤسِّسا الحزب السعدى، بعد أن رأى هو وصديقه د.أحمد ماهر أن «وفد» النحاس باشا يبتعد عن مبادئ «الوفد» الأولى، خصوصا فى القضية الوطنية، وقد قام الإخوان باغتياله فى ديسمبر 1948م إثر إصداره قرارا بحل الجماعة، وكان مرور ستين عاما على اغتياله مدعاة إلى الحديث عنه، وإذا بعدد من كتاب جماعة الإخوان يكتبون أن النقراشى كان ذا ميول صهيونية، وهذا يعنى أنه ليس هناك من جانبهم أسف حقيقى على اغتياله، بل إنه طبقا لذلك التوصيف يستحق الاغتيال، وكان ذلك مستفزا بالفعل، كنت أتصور أن تكون المناسبة فرصة لنقد ذاتى تقوم به الجماعة لنفسها ولمسلكها فى مرحلة معينة، لكن إذا بهم يصرون على موقفهم، فلا قاموا بمراجعة ولا نقد ذاتى، بل تكريم -ضمنى- لمبدأ العنف وتصفية الخصوم جسديا، ثم تصفيتهم معنويا، فالنقراشى كان وطنيا، وتخوينه أو تجريده من وطنيته وتكفيره أو تجريده من عقيدته، أخطر كثيرا من اغتياله بالرصاص، وهكذا وجدتنى أخوض فى شؤون الجماعة وتاريخها، خصوصا تاريخ التنظيم الخاص الذى قام بعملية التصفية، وما ترتب عليها من تصفية حسن البنا نفسه، باختصار دمٌ بدم.. ورأسٌ برأس أو رجلٌ أمام رجل، كما هى قاعدة الثأر فى الصعيد والريف المصرى، حتى يومنا هذا.

وجاءت العاصفة فى صيف 2010م حين أعلن السيناريست المتميز والكاتب النابه وحيد حامد أنه يُعِدّ مسلسلا تليفزيونيا يعرض خلال شهر رمضان المبارك عن «الجماعة» يتناول فيه نشأة الجماعة والتركيز على دور شخصية حسن البنا، ولم يكن تسرَّب شىء عن مضمون العمل وتفصيلاته، لكن هبَّت عاصفة جماعة الإخوان المسلمين على وحيد تُفتِّش فى ضميره وفى نيّاته، وهاج وماج عدد من قيادات الجماعة يعترضون على تناول سيرة البنا فى مسلسل.

نعرف أن الأزهر الشريف يَحُول دون ظهور النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) أو أىٍّ من الأنبياء على الشاشة، فضلا عن كبار الصحابة، تُرى هل صار حسن البنا فى مقام الأنبياء والرسل والشخصيات التى لا يجوز ظهورها على الشاشة؟! وبينما الأمر ليس كذلك، فهم يريدون كاتبا مواليا تاما وتابعا لهم، يصنع أسطورة على الشاشة ولا يقدم إنسانا عاديا.

كان بداخلى قلق من نوع آخر، ذلك أن معظم كتاب الدراما عندنا حين يقدمون سيرة ذاتية لأى من الشخصيات المؤثرة على الشاشة يقعون فى نمطية غريبة، يحاولون تحسين القبيح، وإخفاء كثير من العيوب وإظهار الشخصية فى أكمل صورة، وبذلك تخرج الشخصيات مصمتة غالبا، بلا نقاط ضعف وبلا أى خطأ، ونموذج ذلك مسلسل «أم كلثوم» ومسلسل عبد الحليم حافظ وغيرهما، وينتهى العمل إلى تكريس الصورة النمطية السائدة دون محاولة الوقوف على تفاصيلها. المهم انتظرت حتى بدأ عرض حلقات مسلسل «الجماعة»، ومن البداية كان أتباع الشيخ غاضبين، رغم أن وحيد فى الحلقات الأولى خلق أسطورة اسمها الطفل حسن البنا، كان غضبهم فى ما يبدو من أن البنا بالنسبة إليهم ملكية تامة لا يجوز لغيرهم الاقتراب منها، وكنت أنا غاضبا، فقد جامل وحيد، حسن البنا كثيرا، وأخذ برؤية البنا -نفسه- عن طفولته، وهى رؤية مليئة إعجابا بالذات، وتواصلت الحلقات، وفى ما بعد قال وحيد فى لقاء تليفزيونى مع عمرو الليثى إنه أغمض عينيه عن أشياء كثيرة، وأنا أصدقه تماما، لكن لماذا فعل ذلك؟ هل الحملة التى شُنَّت عليه فى البداية جعلته يتّهم نفسه بعدم الإنصاف فآثر أن يغمض عينيه عن كثير من الوقائع السلبية فى حياة حسن البنا؟ هل تخوَّف لو ذَكَر تلك الوقائع وخاض فى تفاصيلها أن يُتَّهم منهم؟ وهل وهل؟
وبينما كانت حلقات المسلسل تُعرض كنت أنا أحاول بحث كتابات حسن البنا وأحداث حياته وحياة الناس الذين احتكّوا به وتعاملوا معه، وتواصَل البحث شهورا بعد انتهاء المسلسل، وكانت فصول هذا الكتاب.

هى إذن قراءة جديدة لحسن البنا ومحاولة للبحث عن الوجه الآخر له، ليس وجه الأسطورة التى صاغها الأتباع والدارسون من جانب، أو الخصوم والكارهين من جانب آخر، فكل منهم لديه أسطورة خاصة بحياة ومسيرة حسن البنا. هو إنسان بقدرات خاصة ومكونات ثقافية محددة فى لحظة زمانية من تاريخ مصر.. مجتمعا ودولة وتاريخا.. لحظة متأزمة بالاستعمار الأوروبى والفقر والتأخر.

الغريب فى الأمر أن حسن البنا فى أيامه الأخيرة وحين ضاقت به السبل واكتشف خطأ الطريق الذى سار بالجماعة فيه وتمنى أن تعود به الأيام، يُعِدّ مئة أو مئتين من الشباب فى الدين يفقّهون الناس ويتجنب طريق السياسة و...، بينما أتباعه يصرون على الطريق الذى اعترف البنا بخطأ السير فيه.

الفصل الأول: صعوبة الكتابة عن حسن البنا

روايتان متناقضتان لواقعة واحدة فى حياة المرشد المؤسِّس.. هو مَن رَوَى، فبأيهما تأخذ؟!

يعانى كثيرا من يحاول دراسة حياة وتطور مرشد جماعة الإخوان المسلمين (المؤسِّس) حسن البنا، ذلك لأن المصدر الوحيد أمام الباحث، هو ما كتبه البنا نفسه عن نفسه، خصوصا فى المراحل الأولى من حياته، فبعد أن أسس جماعته واشتبك فى العمل العام باتت هناك أطراف أخرى يمكن الاستعانة بها ومراجعتها للمعرفة، لكن قبل ذلك، حين كان حسن البنا طفلا وشابا مغمورا يظل هو المصدر الأول، وأكاد أقول الأوحد عن نفسه، وقد دَوَّن هو ما أراد فى كتابه الذى يحمل عنوان «مذكرات الدعوة والداعية».

والمعروف علميا أن الكتابة من الذاكرة تجعل المرء ينسى وربما يتناسى أشياء، وتلعب حالته النفسية والعقلية دورا فى عملية الكتابة، وحين أخذ حسن البنا يكتب مذكرات الدعوة والداعية، كان هو المرشد العام للجماعة وكان يخاطب بها جمهور الجماعة، وكذلك الجمهور الذى يود استقطابه نحو الجماعة؛ لذا نراه يكتبها وكأنه وُلد ليكون مرشدا عاما للجميع! وربما كانت ملاحظة شقيقه الأصغر جمال البنا مهمة هنا، إذ ذكر أن الدعوة تغلب على المذكرات وتزاحم الداعية، لنتذكر أن طه حسين حين كتب «الأيام» لم يتردد فى أن يقول لنا إنه وهو فى الكُتّاب كان «يرشو» العرّيف ليعفيه من قراءة أجزاء القرآن يوميا، وأنه -هو نفسه- حين عهد إليه العرّيف بالقيام عنه بمهمته تلقى هو الآخر رشاوى من بعض الصبية، ولم يجد غضاضة فى أن يكتب أنه عندما فشل فى قراءة بعض سور القرآن حفظًا أمام والده، ذهب وضرب نفسه بالساطور، ولم يتردد فى القول إنه فى طفولته كان يكره عمه الذى كان يتهكم عليه بسبب فقدان بصره وإنه لم يكن يحب جده، فقد رآه ثقيل الظل. لكن فى مذكرات البنا تشعر بأنه الإنسان الكامل.. لم يكذب مرة واحدة.. لم يخطئ مرة.. لم تصدر عنه هفوة ولو صغيرة فى حياته، لم يمر بلحظة ضعف واحدة، وهذا يلقى بعبء ضخم على الباحث الذى يتناول حياته. وزاد الأمر صعوبة بعد النهاية المؤسفة لحياته، فقد أضفت «هذه النهاية» حالة من القداسة عليه فى نظر الذين عرفوه وتعاملوا معه.. حتى الذين اختلفوا بعد ذلك مع الجماعة وخرجوا عليها، راحوا يؤكدون إيمانهم بموهبة البنا، وأنهم خرجوا على الجماعة لأنها من بعده فى ظل مرشدين آخرين خرجت عن خط المرشد العام المؤسِّس ولم تلتزم بتوجهه وروحه.. لذا كتبوا عنه أنه الإمام الشهيد.. الملهم الموهوب.. الرجل الربانى.. الرجل النورانى.. وغير ذلك من صفات قد لا يُمنح بعضها إلا للأنبياء والمرسلين، لقد وجدنا فى السيرة النبوية أن المحيطين برسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يختلفون معه أحيانا فى ما لم يَرِد فيه وحى.. واعترفوا بأن الرسول لم يكن معصوما فى ما هو خارج الوحى والتكليف الإلهى.. ونموذج ذلك ما جرى فى غزوة أحد.. ونعرف أنه بعد إحدى الغزوات وقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) يوزِّع الغنائم فقال له أحدهم: «اعدل يا محمد فإنك لم تعدل»، ونعرف كذلك من السيرة النبوية أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مَرّ بلحظات يأس شديدة (ربى، إن لم يكن بك غضب علىَّ فلا أبالى) وشعر بالإحباط فى بعض المواقف، لكن شيئا من هذا لن نجده فى سيرة حسن البنا، هو فى نظر نفسه وفى نظر جماعته «الإنسان الكامل» وقد يزيد على ذلك عند بعضهم.

هذا كله يزيد عبء الباحث، خصوصا أن الجماعة لا تتسامح مع أى انتقاد للمرشد المؤسِّس وتمارس ضغطا معنويا رهيبا على من يحاول الاقتراب أو الكتابة عنه بغير انبهار؛ لذا لم نجد تعاملا علميا حقا مع حياة البنا إلى اليوم، إلا فى حالات نادرة، مثلا هو يذكر أنه لم يكن قد أتم حفظ القرآن الكريم وهو فى سن الرابعة عشرة بمدينة المحمودية، وهى سن متأخرة ليُتِمّ الطفل حفظ القرآن الكريم فيها، ففى ذلك الوقت كانت السن النموذجية لحفظ القرآن هى التاسعة من العمر، إن كان الطفل متميزا، وبعد ذلك بعامين للطفل العادى، أما ما دون ذلك فيعنى أن الطفل ليس مهتما بالحفظ أو ليس نابها، وبمعنى آخر قد يكون «لعبيًّا»، أىْ يفضل اللعب على المداومة على الحفظ، وربما كان «بليدا» بالفعل، وهى درجة من درجات الكسل العقلى.. تُرى ماذا كان عليه الطفل حسن، وما الذى أخّره هكذا فى حفظ القرآن الكريم، حتى إنه حفظ ثلاثة أرباع القرآن فقط فى تلك السن؟ ألا ينفى ذلك عنه ما ذكره هو من اهتمامه البالغ بنشر التدين منذ الطفولة وتشكيل جمعية لإجبار الناس على ذلك؟!

نعرف أن حسن البنا الذى وُلد سنة 1906م، كان الابن «البِكْرِى» لوالديه، ومثل هذا الابن يكون -غالبا- مدللا فى طفولته، هو مناط بهجة الوالدين والأهل جميعا، فهل كان حسن مدللا فى طفولته، وهذا ما جعله يتأخر فى حفظ القرآن الكريم، عن مناظريه من أبناء جيله. طه حسين، الذى وُلد فى نوفمبر 1889م، وفى سنة 1900م كان قد أتمّ حفظ القرآن الكريم، رغم أنه كان ضريرا، وكانت ظروفه فى الكُتّاب تَعِسة للغاية.. فما بالنا بمن لم يكن كذلك؟! عموما هو يحدّثنا عن تلك التجربة بأنه كان فى «كُتّاب» الشيخ محمد زهران أو ما يسميه هو «مدرسة الرشاد»، وأنه قضى بها أربع سنوات من الثامنة حتى الثانية عشرة، ثم ترك الشيخ المدرسة وانشغل بأمور أخرى، لكنه عُهد بها إلى غيره من «العرفاء»، فلم ينسجم معهم؛ ولذا قرر أن يترك هذه المدرسة، رغم أنه كان قد وصل فى الحفظ إلى سورة الإسراء فقط، أى نصف القرآن الكريم تقريبا، مما أثار حزن والده، لكنه تعهد له أن يتم الحفظ مع نفسه وفى المنزل!! والواقع أن أربع سنوات كانت كافية جدا للطفل لكى يتعلم حروف الهجاء نطقا وكتابة ثم ينطلق إلى كتاب الله حفظا، وتكون القدرة على الحفظ كبيرة فى السن الصغيرة، نشعر فى رواية حسن البنا بأن هناك شيئا غامضا أو غير واضح، هو يوجز بشدة ولا يقول كل شىء.. فحتى التحاقه بمدرسة المعلمين بدمنهور لم يكن قد أتم حفظ القرآن الكريم، رغم أنه كان قد تجاوز الرابعة عشرة من عمره بنصف عام.

يذكر البنا أنه ترك الكُتّاب والتحق بالمدرسة الإعدادية، كان ذلك وعمره 12عاما، أى نحو سنة 1918م، ونعرف من تاريخ التعليم أن نظام الإعدادية أُدخل فى التعليم بعد ثورة 1952م، على عهد الوزير كمال الدين حسين، أما قبلها فكانت هناك المدارس الإلزامية والابتدائية ثم الثانوية وبعدها التوجيهية، صحيح أنه يستدرك ويقول: «والمدرسة الإعدادية -حينذاك- على غرار المدرسة الابتدائية اليوم بحذف اللغة الأجنبية وإضافة بعض مواد القوانين العقارية والمالية وطرف من فلاحة البساتين، مع التوسع نوعا فى دراسة علوم اللغة الوطنية والدين»، ويكرر بعد ذلك أن «الغلام» كان طالبا بالمدرسة الإعدادية، هو هنا يتحدث عن نفسه، ونلاحظ أن مواصفات المدرسة التى يتحدث عنها تنطبق على المدرسة الإلزامية، فلماذا ذكر الإعدادية، ولم يذكر الإلزامية؟ كان المعروف أن المدارس الإلزامية للتلاميذ الفقراء، وكانت -على الأغلب- بلا مصاريف، أما المدارس الابتدائية التى كان يتعلم بها الطفل اللغة الإنجليزية والحساب فكانت بالمصاريف، وكان معروفا أن المدرسة الإلزامية تقدم تعليما محدودا، يتيح لمن يتخرج فيها أن يعمل موظفا بسيطا أو عاملا، ومن الناحية الاجتماعية كان التعليم بحق فى الأزهر أو فى المدارس الابتدائية، وهو كانت لديه عقبة فى الذهاب إلى الأزهر، وهى أنه لم يُتِمّ حفظ القرآن الكريم، أما الابتدائية فتحتاج إلى مصاريف، ونعرف أن والده كان فقيرا وكان كثير الإنجاب، تُرى هل وجد المرشد العام وهو يكتب سنة 1943م عن نفسه أنه لو ذكر حقيقة المدرسة الإلزامية فإن ذلك يحطّ من قدره ومن قيمته؟ وهل أراد أن يتهرب من تلك الحقيقة، فاخترع مقولة المدرسة الإعدادية؟! الطريف أنه فى ما بعد وهو فى «دار العلوم» يتحدث عن أخيه عبد الرحمن الذى أنهى الدراسة بالمدرسة الابتدائية، وكان عليه أن ينتقل إلى القاهرة ليدرس الثانوية، دون ذكر لحكاية الإعدادية.

ومن الوقائع التى تَرِد فى مذكرات الدعوة والداعية، ما يتعلق بالبعثة إلى الخارج فيقول «وقد وجدت عند بعض الإخوان الكرام فكرة التقدم بطلب الترشيح للبعثة إلى الخارج باعتبار أن ذلك من حق الأول فى الدبلوم دائما». ويذكر أنه كان مترددا، لكن حسم الأمر بطريقة أخرى تتلخص فى أن «دار العلوم لم ترشح لهذا العام أحدا».

لكن نجد رواية مغايرة لدى د.إبراهيم بيومى مدكور فى مذكراته «مع الأيام».. ومنها نستنتج أن حسن البنا لم يكن أول دفعته فى الدبلوم كما يذكر، بل كان د.مدكور مقدَّمًا عليه، يقولها د.مدكور بأسلوب بالغ التهذيب «لقد عرفت فى مدرسة دار العلوم زملاء جددا ممن مَرَّوا بالتجهيزية، واشترك بعضهم معى فى فرقة واحدة. ومنهم حسن البنا الذى كان ينافسنى فى الدرس والتحصيل». أى أنه كان ينافسه، والمعنى أن مدكور كان هو المتفوق، ولا نعرف أن دار العلوم كانت ترسل الأول فى الدبلوم إلى الخارج فى بعثة، وفى العام التالى للتخرج رُشِّح مدكور فى «بعثة أميرية» إلى لندن، وحالت الظروف السياسية دون سفره، فقد كان والده وفديا ولم تكن الحكومة وقتها وفدية، وضُغط على والده كى يترك «الوفد» وإلا أُلغيت بعثة ابنه، وأُلغيت بالفعل.. أى أنه طبقا لما ورد فى مذكرات د.مدكور التى صدرت سنة 1990م لم يكن الشيخ حسن البنا هو الأول فى الدبلوم ولم يكن مطروحا سفره إلى بعثة تعليمية بالخارج.

هذا التباين فى الروايتين، يجعلنا -على الأقل- نتعامل بحذر وتشكك علمى فى ما جاء بمذكرات الدعوة والداعية.

وهناك واقعة أخرى ترد فى مذكرات الدعوة والداعية، تفرض علينا -مجددا- التعامل مع المذكرات بحذر علمى، فهى-كما ذكرت من قبل- مكتوبة لجمهور التابعين والمبهورين ومقصود بها تضخيم الذات. الواقعة تتعلق بزيارة على بك الكيلانى -مراقب التعليم الابتدائى بالإسماعيلية- وتوجهه إلى المدرسة التى كان يعمل بها حسن البنا مدرِّسًا للخط العربى.

المصدر: التحرير

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على حلمى النمنم يكتب: حسن البنا الذى لا يعرفـه أحد

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
80190

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
استطلاع رأي طريق الأخبار
أرشيف استطلاعات الرأي

استطلاع رأي طريق الاخبار

أهم توقعاتك لمستقبل مصر بعد تنصيب السيسي؟

إظهار النتائج

نتائج استطلاع رأي طريق الاخبار لا تعبر عن رأي الموقع انما تعبر عن رأي المشاركين في الاستطلاع

إرسل إلى صديق
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث الاخبار العربية والعالمية
-
-
-