الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

الاخباراخبار مصر - اهم الاخبار المصرية › الطريق إلى ٢٥ يناير: د. عمار على حسن يكتب شهادته (٢-٢): الطريق إلى الخلاص

صورة الخبر: الطريق إلى ٢٥ يناير: د. عمار على حسن يكتب شهادته (٢-٢): الطريق إلى الخلاص
الطريق إلى ٢٥ يناير: د. عمار على حسن يكتب شهادته (٢-٢): الطريق إلى الخلاص

جاءت هذه الشبكة الإلكترونية لتمكن مئات الآلاف من أن يراكموا المعلومة على مثيلتها، والفكرة على نظيرتها.

فها هو أحدهم يقترح أن يتم الاعتراض على أسلوب وزارة الداخلية بعد مقتل خالد سعيد وسيد بلال، علاوة على حالات التعذيب والقسر والقهر والإذلال التى تطول المصريين من سوء معاملة أغلب ضباط الشرطة، فيحدد الثانى يوم عيد الشرطة موعدا للاحتجاج. ثم حدث تداول حول المكان والأسلوب والشعارات والهتافات وطريقة التعامل مع أجهزة الأمن.. كان كل واحد يكتب رأيه، فيأتى الآخر ويضيف إليه أو ينقحه أو يدحضه ويضع أفضل منه، كل هذا يتم من خلف أجهزة الحاسوب التى يعرف بعضها بعضا جيدا، بينما يجهل مستخدموها مع من يتناقشون ويتداولون ويتبادلون الرأى والمشورة أو المكيدة.

وهكذا الحرف على الحرف حتى ارتفع الأمر من مجرد «مظاهرة» إلى «ثورة» لاسيما بعد هروب «بن على»، وجاءت الضربة للنظام من حيث لا يحتسب. أبناء الطبقة الوسطى بشرائحها الثلاث مسلحين بوسائط الاتصال الحديثة التى تخترق كل الحدود والسدود والقيود، تمكنوا بأسرع مما يتصور أحد أن يجمعوا الناس من الشوارع الخلفية المنسية، ويدفعوهم إلى مركز الحدث، قلب العاصمة مترامية الأطراف والتاريخ والمعانى «ميدان التحرير».

لكننى وأنا أنتقل من غرب النيل إلى شرقه كنت ذاهبا للمشاركة فى مظاهرة أكثر اتساعا، تأكدت من أنها صارت كذلك حين جاءنى هاتف من أحد الصحفيين يسألنى عن رأيى فيما يقع، وسرد على سمعى أخبار ما يجرى الآن فى أحياء متفرقة من القاهرة والسويس والإسكندرية والمنصورة، فكان أول تعليق لى: حقا إنه يوم مختلف. ووصلت إلى بيتى وسط القاهرة من طريق التفافى، لأخلع بذلتى وأرتدى لبسا كنت أعددته أمس خصوصا للمظاهرة، فلما دخلت كانت زوجتى تجلس مندهشة أمام «قناة الجزيرة»، فلمحت عينى حروف شريط الأخبار، بينما كانت الصور منصرفة إلى حدث كبير وقع فى لبنان. وقلت فى نفسى: لا وقت لتبديل الملابس، وهرعت إلى الخارج، ودخلت شارع قصر العينى من ناحية مؤسسة روز اليوسف، وما إن تقدمت نحو الجموع حتى انهمرت على رأسى زخات قوية من الماء مصحوبة بسحب داكنة من الدخان الخانق، ردتنا إلى الوراء، وراحت مصفحة قاسية تكسح الطريق أمامها فيتساقط المتظاهرون على الجانبين، هاربين من موت محقق.

تفرق بعضنا فى الشوارع الجانبية نحو المنيرة وضريح سعد، وكنت أنا من بين الذين دلفوا إلى حى جاردن سيتى ونحن نهتف «يسقط مبارك» و«عيش.. حرية.. كرامة إنسانية»، وراح السكان ينظرون إلينا من النوافذ وفى عيونهم شفقة واستغراب وتساؤل.

انعطفنا يمينا على الكورنيش قاصدين التحرير، حيث المكان الذى اتفق الجميع على الالتقاء فيه، زاحفين من كل المسارب الموزعة على الجهات الأربع. على باب الميدان كان ضباط الشرطة ينظرون إلينا مبتسمين، وخلفهم يصطف الجنود صامتين، عندها قلت للشباب: «إنهم ينصبون لنا فخا» وكان فخا لهم، إذ انقلب السحر على الساحر.. كانت خطتهم أن يجمعوا أشلاءنا الغاضبة الموزعة والمشتتة فى قارعات الطرق والشوارع البعيدة، حتى لا ينضم الناس إلينا ويضعونا تحت أعينهم فى مكان واحد يسهل حصاره وضربه أو مساومته. لكن حين تجاورت الأجساد والتحمت الأرواح فى ميدان التحرير اكتشفنا أننا أكثر من أى يوم مضى، واكتسبنا بمرور الوقت ثقة متناهية واستدفأنا بحناجرنا التى ألهبها الصراخ: «الشعب يريد إسقاط النظام».

وحين رمى الليل ستائره على الميدان، غامت الرؤية لكن انجلت النفوس بالغاية النبيلة. وقطعت السلطة الاتصالات الهاتفية عن المكان لتعزله، لكنها لم تقطع الرجاء، ولم تمنع التواصل الإنسانى بين المحاصرين والمحيط الأوسع، لأنهم كانوا يحملون أشواق الناس إلى العدل والكفاية والحرية. ولما أوغل الليل فى الرحيل قررنا أن نعتصم، وبدأت فتيات يجمعن تبرعات لتغطية المعيشة المؤقتة، فى حين أخذ الشباب يدورون فى جماعات هاتفة فى جنبات الميدان.
كنت أدور بين المعتصمين وحنجرتى تتساقط تدريجيا من كثرة الإجابة عن تساؤلاتهم التى لا تنتهى. وكنت أبذل جهدا مضنيا لإيصال أى حديث إلى مسامعهم ونحن بلا مكبرات صوت، إلا من واحد يتيم جىء به عند منتصف الليل وتم وضعه على أحد أعمدة الإنارة بالميدان، وأطلق عليه «إذاعة التغيير». ولما وجدت من بينهم شبابا جاءوا من الحارات البعيدة، وبعضهم لا يعرف القراءة والكتابة، قلت لكل المحطات الفضائية التى اتصلت بى فى اليوم التالى: «انتقلت الثورة فى الساعات الأولى من الفيس بوك إلى الناس بوك»، وتحدثت عن «التحول الاستراتيجى» الذى سيحدث إن تمكنا من المكوث والصمود فى الميدان، مستعيدا ما قرأته عن تجارب جيل السبعينيات الذى كان بعض رموزه حاضرين بين المتظاهرين، يبثون فيهم ما خبروه وألفوه فى زمان شبابهم، وانتظروا طويلا حتى يجدوا شبابا يريد أن يفعل ما فعلوا أو يتجاوزهم إلى ما هو أبعد.

كثير من المعتصمين لم يكن لهم من شاغل فى هذه اللحظة إلا أن يجبروا مبارك على أن يقول «فهمتكم»، على غرار زميله التونسى بن على الذى وازاه وساواه فى الطغيان والفساد، وضاقت عليه أرض بلاده بما رحبت، ففر هاربا قبل أحد عشر يوما من ميلاد المشهد المهيب الذى احتضنه ميدان التحرير وعانقته شوارع مدن مصرية، انتفضت من نومها الطويل. وسألنى كثيرون: متى يقول مبارك «فهمتكم»؟ كان الجميع يشعر بالإهانة الشديدة لأن مصر تأخرت فى تحصيل هذا السبق التاريخى، مع أنها كانت ترى وتسمع وتفهم بعض أبنائها الذين خرجوا قبل سبع سنين يقولون لمبارك «ارحل» بعبارات مختلفة.

لكن كل شىء انهار مؤقتا بعد منتصف الليل بأربعين دقيقة فقط، حيث هجم جنود الأمن المركزى بهراوات ودروع بعد تمهيد نيرانى كثيف برصاص الصوت وقنابل الدخان التى حولت الميدان إلى قطعة مظلمة، وتقدمت المدرعات فاحتلت كل شبر فيه. لكن المتظاهرين لم يعودوا جميعا إلى منازلهم، فبعضهم استجمع أنفاسها اللاهثة وكرامته الذبيحة وسار يهتف ضد النظام فى الشوارع المحيطة بالميدان لاسيما أمام مبنى التليفزيون.

ولم يكن هذا فى كل الأحوال بعيدا عن طريقة الاحتجاج المتفق عليها.. المكوث فى الشوارع حتى مطلع الفجر ثم الذوبان فجأة، والعودة مع عصر اليوم التالى، وبذا لن يتمكن الجنود من النوم، فيحل بهم التعب ويتساقطون تباعا. وهذا ما جرى بالفعل يوم ٢٨ يناير، المعروف باسم «جمعة الغضب»، حيث انهارت عزائم الجنود وتراخت وخروا راكعين أمام الجماهير الزاحفة والجموع الهاتفة.

قضيت ثلاثة أيام لم أنم فيها إلا ساعات قلائل، أجىء إلى البيت متأخرا، وألقى جسدى على «كنبة» فى الصالة مرتديا كامل ملابسى، واضعا فى جيبى أوراقى الثبوتية ونقودا وأدوية، فقد كنت أتوقع أن يتم اعتقالى فى أى لحظة. وأردت ألا يزعج زوار الفجر أسرتى. قلت إن جاءوا سأقول لهم: أهلا أنا جاهز، هيا بنا فى سكون وصمت، لا تقلقوا أولادى.

يوم جمعة الغضب فتحت جفنين مرهقين لأصطدم بشاشة هاتف خرساء، لا إشارة أبدا، وكذلك «الإنترنت» غائبة. أى قبح هذا وأى غباء؟ أهناك من يعيش بيننا وهو يظن الآن أن بوسعه أن يحجب شيئا؟ وسخرت من هذه السلطة التى تعيش خارج التاريخ، وها هى تقدم للناس سببا آخر للنزول إلى الشوارع إما للاحتجاج على هذه المهزلة أو لاستطلاع ما يجرى على أرض الواقع بعد أن تعذرت متابعته عبر وسائط الاتصال الجديدة.

نزلت من بيتى، ومررت على مسجد بشارع الشيخ على يوسف فى حى المنيرة، كان بعض الشباب جالسين، وقد أسندوا ظهورهم إلى الجدار، فأشاروا إلى وابتسموا فرددت لهم التحية، ثم مضيت فى طريقى قاصداً مسجد «صلاح الدين» فى أول حى المنيل، وأنا أقول فى نفسى: ستخرج المظاهرة من هنا. أليس هذا هو المسجد الذى رأينا لجماعة الإخوان فيه نفوذاً تاريخياً؟ هكذا ألفناه منذ أن كان يصلى فيه الدكتور عبدالرشيد، ونحن طلبة بجامعة القاهرة، بين عامى ١٩٨٥ و١٩٨٩، وكنا نجىء إليه قاطعين الكوبرى النائم على النيل، ونعود بزاد من المعرفة التى يعانق فيها الدين السياسة، أو تجور فيها السياسة على الدين، فتختلط فى أذهاننا أمور، وتمور أنفسنا بمشاعر متضاربة.

ورغم أن الإخوان أعلنوا عدم مشاركتهم فى مظاهرات ٢٥ يناير، فإننى قلت لنفسى: ربما غيروا موقفهم بعد أن توعدهم النظام، وشاهدوا ميدان التحرير ممتلئاً، وكنت قد رأيت بعض شبابهم الذى لم يمتثل لأمر مكتب الإرشاد بين المتظاهرين.

جلست للصلاة إلى جانب أحد الأعمدة، وكان الخطيب يسهب فى شرح الآية القرآنية «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم»، ولوى عنق الآية الكريمة التى تقول «أولى الأمر منكم» أى من بينكم ومن اختياركم، وليس «أولى الأمر عليكم» ومن يحكموننا هم علينا وليسوا منا، ولا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، ولا معصية أفدح من قتل المصريين المنظم وتعذيبهم وقهرهم وإذلالهم وكبتهم وتدميرهم بشكل بشع، ولما تطاول ووصف المظاهرات بأنها «فتنة» صرخت فيه: «حرام عليك».

وانقضت الصلاة وخرجنا من الباب الذى يواجه النيل فرأينا ثلاث عربات أمن مركزى وعشرات الجنود واقفين متحفزين للهجوم، فتلاقت الأعين وانصرف الناس متسربين ناحية شارع عبدالعزيز آل سعود، وشعرت بخيبة أمل شديدة، لكننى سرت نحو شارع المنيل، وتوقفت أمام مقهى «ليالى المنيل»، ونظرت فوجدت أن كل شىء يجرى كالعادة، بعض الحضور يلعب النرد أو الدومينو وهناك من يحتسى الشاى أو القهوة، وهناك من ينفخ فى النرجيلة بصمت مطبق، وهنا طفرت عيناى بالدموع، وتساءلت: هل خذلنا الناس؟ وتنامى إلى سمعى حوار يدور بين زمرة تحلقت حول طاولة وفى أيديهم عصى غليظة، وفهمت من كلامهم أنهم مجموعة من البلطجية جاءوا لضرب المتظاهرين.

تقدمت بخطى سريعة حتى ابتعدت عن المكان، وأخذت أهتف بحنجرتى المبحوحة: «يسقط مبارك»، ولاح لعينىَّ هناك حشد يتقدم من ميدان «الباشا» فجريت نحوه دون أن أقطع الهتاف، فلما اقتربت وجدت سيلا من البشر قادما بخطى واثقة فانسكبت على وجهى دموع، وانطلق فى قلبى أمل وفى نفسى شعور طاغٍ بالفخر، وقلت: لم يخذلونا، وأشار إلى رجل طاعن فى السن كان يتوسط المتظاهرين، وقال: جئت يا دكتور عمار. كانت حنجرتى قد خرست بعد أن كادت حبالى الصوتية تتمزق، فوقفت على الرصيف الذى يتوسط نهر الشارع أشير بكلتا يدىَّ للمتظاهرين أن يرفعوا أصواتهم بالهتاف، وقتها سمعت شابا يقول لى والابتسامة على وجهه: «أيوه يا مايسترو».

وارتفع الهتاف: «يا أهالينا انضموا لينا.. قبل بلدنا ما تغرق بينا» «يا أهالينا لموا علينا إحنا إخواتكو وإحنا ولادكو.. وإحنا بنعمل كده عشانكو» «واحد اتنين.. الشعب المصرى فين»، فجاء الناس من الشوارع الجانبية وأياديهم تدق الريح، وحناجرهم تصرخ: «مش هنخاف من أبوك يا جمال.. صوتنا العالى يهد جبال».

وتحرك الطوفان، وكان كل شارع فى مصر يحتضن طوفانه ويحتفى به.

عند أول الشارع تحرك الجنود من أمام مسجد «صلاح الدين» وسدوا الطريق، بينما وقف «البلطجية» يرمقون الحشد الهائل ويشعرون بخيبة أمل وضعف واستكانة، فبدأ بعض المتظاهرين يقفزون على سور كلية «طب الأسنان» ليدخلوا إلى التحرير من طريق آخر. عندها تقدمت إلى ضابط، وكان برتبة نقيب، واقتربت من أذنه وقلت له بصوتى المبحوح الخفيض: «عددنا كبير كما ترى، ولن تجدى محاولة صد كل هؤلاء وقد يحدث عنف، ولا مصلحة لك فيما يجرى. نحن نحتج ضد السلطة الفاسدة المستبدة، وأنت دورك الحقيقى حماية الشعب». فلم يرد على، وتناول «اللاسلكى» وتحدث مع رتبة أكبر منه، وفهمت من حوارهما أنه يشرح له أن عدد المتظاهرين ضخم، ولا يستطيع صده بما معه من جنود قليلين، فأمره بأن يفتح لنا الطريق إلى «فخ جديد». عندها شكرته، وفى غمرة الانتشاء بفتح الطريق حاولت أن أحييه على طريقتى، لكنه كان يهرب منى خوفا من يلتقط أحدنا صورة له وهو فى هذا الوضع فيلقى عقابا من رؤسائه، الذين أسلموا كل طاقاتهم للنظام الحاكم.

فى هذه اللحظة استدعيت مقدم الأمن المركزى الذى نادانى ليلة «جمعة الغضب» وأنا أعبر ميدان «عبدالمنعم رياض» متقدماً نحو شارع محمود بسيونى. كان يجلس مع زميل له برتبة رائد إلى جوار الكشك الذى يقف متواضعا على أول الشارع فلما رآنى وجدته ينادينى: «دكتور عمار». توقفت ونظرت إليه ثم خطوت نحوه فقام وسار تجاهى، والتقينا فى نهر الشارع فابتسم ومد يده وصافحنى وهو يدوس على أصابعى ويقول: «شدوا حيلكم»، فضغطت على يده وقلت له: «موعدنا غدا».

فى شارع قصر العينى كانت المعركة الرهيبة.. زحفنا صوب الشمال، وأهالى المنيرة وجاردن سيتى ينضمون إلى جمعنا الهادر، وحين وصلنا على أبواب مؤسسة روز اليوسف توقف شاب فى طليعة الحشد، ونظر إلى أعلى المبنى وصرخ: «هنا جورنال لجنة السياسات.. هنا المنافقون وأعداء الشعب»، وهمَّ ليدخل وتتبعه مجموعة من الغاضبين، فجريت حتى سبقتهم وقلت لهم بصوت واهن: «هذه المؤسسة كانت معقل المناضلين ضد المفسدين والظلمة، وكانت قبلة للوعى والتنوير، ولا يضرها أن أحداً اختطفها سنوات قليلة، وهى لنا، لأن المؤسسات الصحفية القومية ملك الشعب، وحين نسقط سيدهم سيتساقطون جميعاً كالذباب». عندها عادوا إلى الخلف واستكملنا المسير، حتى وصلنا إلى النقطة الحصينة على أبواب مجالس الوزراء والشعب والشورى.

وكان لا يمكن السماح لنا بالتقدم إلا بدم. صفوف من المدججين بالهراوات والقنابل والدروع، عربات ضخمة لقذفنا بالماء الدافق، ومصفحات تتقدم لكسحنا من جديد. بنادق وحديد وغضب عارم يكسو وجوه الضباط الواقفين وعيونهم مصوبة إلينا بشرر وشر. دقائق وبدأت المذبحة. دخان وماء وضرب مبرح، فتقهقرنا إلى الخلف، وكدت أموت خنقا، وكانت المرة الثانية التى أقترب فيها من الاحتضار بعد واقعة تفريغ ميدان التحرير من أجسادنا يوم الانطلاق الكبير.

جريت إلى منزلى القريب، وعدت بعد دقائق ومعى كل البصل والخل الذى وجدته فى المطبخ. وقفت فى منتصف الحشد أقطع بأسنانى وأوزع على الشباب، وأصب على أيديهم بقايا الخل، بينما راحت نسوة من النوافذ المرشوقة فى البنايات التى تطل على الشارع يلقين زجاجات المياه المعدنية للشرب، والكوكاكولا لمواجهة الغاز، وفى نهاية اليوم اكتشفت أن أسنانى الأمامية قد انكسرت دون أن أدرى.

عاد الضرب والدخان وتقدمت كاسحة بسرعة جنونية لتدهسنا فجرى الشباب الواقفون فى المقدمة، وأدار الجميع ظهورهم وفروا، وكان يسبقنى شاب نحيف تعثر فى حجر كبير ملقى فى منتصف الشارع، وضعناه قبل قليل ظنا منا أن بوسعه أن يعرقل الكاسحة، لكن خفته وليقاته البدنية أهلته لينهض بسرعة خاطفة، أما أنا فوقعت على وجهى واستوى جسدى على الأرض تماما، ولأول مرة فى حياتى أعرف معنى «الفيمتو ثانية» التى تفصل بين الحياة والموت. لحظة لا يمكن القبض عليها إلا فى معامل الدكتور أحمد زويل.

ففى يوم ٢٥ رأيت شابا يندهس تحت الأقدام الفارة من الجحيم، داسوه بأحذية باردة وقلوب مشدودة إلى النجاة بأى طريقة، وكان موتا مروعا. فى أقل جزء يمكن أن يتصوره العقل البشرى من الزمن قررت ألا أموت هكذا، وبالأحرى أراد الله لى أن أعيش، عبأت كل ما أستطيع من طاقة جسدية وروحية ونهضت عدوا، ثم انزلقت مع المنزلقين إلى شارع «صفية زغلول» وأنا أسعل بشدة، وأروض موتا آخر من أثر قنابل الغاز الخانق.

عدت إلى البيت بحثا عن خل أو بصل فلم أجد شيئا. التقطت أنفاسى المبهورة، متغلبا على مرض حساسية الصدر المزمن، ونزلت من جديد. كانت مجموعات من الشباب تواجه صفين من جنود الأمن المركزى فى «شارع المبتديان» تحديدا أمام البناية التى أقطنها. يلقون القنابل علينا، فيجرى شاب ويخطف أحدها ويقذفها على بساط النجيل فى حديقة دار العلوم. آخر يهرول نحو أخرى ويسكب عليها الماء. ثالث يمسك ثالثة بخرقة جافة، ثم يعيدها قذفا إلى وجوه الجنود الواقفين بلا أقنعة فى معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

فى هذه اللحظة سمعت صراخا قادما من العمارة فرفعت هامتى فإذا بزوجتى تهتف بكل ما أوتيت من قوة: «يسقط مبارك» وابنتى الكبرى تقف إلى جانبها تلوح بعلم مصر.

ساعتان كاملتان من الصد والرد، والكر والفر، والإقدام والإحجام، حتى انجلى كل شىء.

وتقدمنا نحو ميدان التحرير، وقصده الزاحفون من كل مكان حتى امتلأ، وراحت الحناجر تصرخ بكل ما أوتيت من قوة: «الشعب يريد إسقاط النظام».

فى هذا اليوم كان تقديرى أن مبارك قد سقط، وكل ما سيأتى بعده هو مجرد «تحصيل حاصل». فببساطة شديدة كان النظام فاقدا للشرعية، لا سند له من رضا أو إيمان بفكرة أو طاعة لزعيم، ولم يكن له شىء يقيم عليه عرشه، ويضع فوقه كرسيه، سوى الطاقة الأمنية المفرطة الباطشة. وحين تسربت هذه الطاقة من بين أصابعه لم يعد له ما يعصمه من الناس. لكن الأمر كان يحتاج أيضا إلى بعض الصمود. هكذا فهم الجميع حين تشابكت أيديهم وأحبالهم الصوتية وقبل ذلك أرواحهم وإراداتهم، وفتحوا طريقا وسيعا أمام العقل الجمعى المصرى ليبدع أجمل ما فيه. وقلت وأنا أطالع اللافتات الساخرة والشعارات المنضبطة والهتافات الموزونة الدالة والأغانى وطقوس الاحتجاج وأساليبه المبتكرة: «هذه أمة لا تموت أبدا».

فى الميدان كانت أمور كثيرة، لكن اكتمال الأشياء والمعانى جاء مع خروج مصر عن بكرة أبيها تدافع عن الصرخة التى أطلقها بعض الحالمين والمغامرين والمخلصين والشمس ترمى دفئها الوئيد على أسطح البنايات استعدادا لسطوع يغمر كل الرؤوس بنور الحرية.

كان الفعل يسبق القول، والواقع يسبق الخيال. هكذا أدركت ذات يوم حين كنت أقول فى إحدى وسائل الإعلام: «الثورة ستتطور أفقيا ورأسيا. حيث ستصل إلى أماكن جديدة لم تشهد احتجاجات طيلة الأيام الفائتة، وتصعد من الشارع إلى المؤسسات النقابية والهيئات البيروقراطية»، فلم أكد أنتهى مما أقول حتى أسقط المصريون حرف «السين» الدال على ما سيأتى، وجعل الواقع المستقبل مضارعا تاما.

فى الحقيقة لم يكن بعض ما قدمته فى هذه الأيام تحليلا، بل كان فى جوهره تحفيزا وتعبئة مضادة فى مواجهة ما كان يفعله النظام بقسوة عبر آلته الإعلامية الجبارة من تشويه الثورة ومحاولة إجهاض طاقتها بمحاولة تصوير من قاموا بها باعتبارهم «عملاء للخارج» و«خونة» و«شباب طائش أحمق يعرض سلامة البلاد للفوضى، ويعبد الطريق أمام التدخل الأجنبى المرير».

أعرف أن الإعلامى قد لا يهتم بالحقيقة، والسياسى تكفيه نصفها، والباحث يريدها كاملة. لكن فى هذه الأيام لم يكن من الممكن بالنسبة لى، مع انغماسى التام فى حركة النضال ضد نظام مبارك، أن أتعامل بأعصاب باردة حيال ما يجرى، بعد أن حلمت سنين بأن أجده ماثلا أمامي، وسعيت مع أخوة وأصدقاء وزملاء ورفاق، إلى تحقيقه، تارة بأقلام مسنونة سطرت على الورق كلمات حق، أو هكذا نحسبها، ضد سلطان جائر، وطورا بالتحام مع الناس فى جولات ميدانية، جُبنا فيها مدناً وقرى نستحث الهمم، بقدر استطاعتنا، على اليقظة.

كان الناس حين يجدوننى أدور بينهم فى ميدان التحرير منزلقا بجسدى بين المسارب الضيقة المتشابكة التى تصنعها تحركاتهم العشوائية، يصرخون فى وجهى: مكانك ليس هنا، فى هذا الميدان ستظهرك الكاميرات مجرد رأس بين الرؤوس، نحتاجك أن تكون هناك وراء الأثير والضوء لتصد وترد عنا بعض هذا التشويه المنظم الذى يطال شرفنا ومسلكنا. بعضهم كان يقول: كن بيننا لأن وجود الكتاب والمثقفين مع الناس يعطيهم قوة.

وحافظت على الاثنين، فقضيت أيام الموجة الأولى للثورة متنقلا بين الميدان والأستديو. فى الأول أجيب على أسئلة لا محدودة يسمعها عدد محدود. أما فى الثانى فأجيب على أسئلة محدودة يسمعها عدد لا محدود. إنه الإعلام، القوة الناعمة الجبارة، التى لم تعد ناقلة لما يجرى بل صارت تساهم فى صنعه إن لم تصنعه من الصفر.

لكن الميدان أيضا كان مغريا بشكل منقطع النظير، ليس لناشط سياسى فقط، بل لروائى وباحث فى علم الاجتماع، السياسى يتأمل ما يجرى فى دنيا الناس ليصل إلى مؤشرات واقترابات وتصورات وربما نظريات علمية، أو يرسم لوحات إنسانية عامرة بالجمال والمعانى.

هكذا صارت هذه العلاقة التبادلية بين رجل يتحلق حوله كثيرون ليعلمهم فإذا هو أيضا يتعلم منهم دون أن يدروا.

رفضت كثيرا الصعود إلى المنصات لإلقاء كلمة أو خطبة على مسامع المحتشدين، وفضلت دوما أن أكون بينهم على قدم المساواة، لاسيما أيام الموجة الأولى للثورة. مرة وحيدة كنت أنبه إلى بعض الأمور، وقال لى أحد الشباب يجب أن يسمع الجميع ما تقول، وجذبونى إلى المنصة فقاومت، لكنهم حملونى ووضعونى عليها فكان أول ما قلت: «لم آت إلى هنا لأعلمكم شيئا، فقد قلنا وكتبنا الكثير حتى تولد هذه اللحظة، وآن الأوان أن ننصت لنتعلم من الشعب. عندها صفقوا بقوة، وأنصتوا فقلت: سندافع عن هذا الميدان باستماتة، فإن أخذوه عنوة، لن ننصرف إلى مخادعنا لننام، بل إلى أسطح منازلنا، ونهتف من على هاماتها: الشعب يريد إسقاط النظام. لا سبيل أمامهم إلا أن يرضخوا، فالشعب إن أراد كان له ما يريد. نحن لن نستسلم وليس أمامنا من خيار سوى النصر، النصر فقط».

فى الجمع التالية كان بعض الشباب يضعون أسماء بعض الناشطين والمفكرين والساسة البارزين ليلقوا كلمات فى الجماهير الغفيرة، ورتبوا لى خمس مرات، صعدت فى اثنتين وفى الثلاثة بقيت بين الناس، أنصت وأتكلم، وتنهمر الأسئلة ولا تسعفنى رأسى بكل الإجابات فى ظل غموض السلطة وعنادها، لكن الشىء الثابت الذى كنت أفعله دون توقف هو منح الأمل، وحين كان يسألنى كثيرون حتى عقب تعثر المد الثورى، هل أنت متشائم؟ كنت أبتسم وأجيب: لا أملك أصلا مزية التشاؤم. فمن يفقد الأمل يمكنه أن يترجل ويعطى ظهره لكل شىء ويستريح، وأنا ليس بوسعى أن أفعل هذا أبدا.

لقد أحيا ميدان التحرير السياسة التى أماتها نظام الرئيس المخلوع، وعوض تخاذل أحزاب المعارضة عن أداء دورها فى تعليم الناس فن ممارسة السياسة، وتعبئتهم حول القضايا العامة، وجذبهم نحو المشاركة السياسية الفعالة والإيجابية.

هذا الميدان هو مركز المعرفة والتنوير السياسى الآن، وهذا ما آمنت به من لحظة امتلائه يوم الانطلاق الكبير. ولذا رفضت الانضمام أو الانجذاب أو حتى التقارب من الكيانات والتكوينات التى أنشأها البعض لتتحدث باسم الثورة أو تمثلها، فجميعها لم يكن يمتلك هذا الحق، لأنه ولد ولادة قيسرية أو أطل علينا فى عجلة، ولذا لم يقتنع الناس بها، لتبقى الثورة المصرية شعبية بامتياز، ولها وحدها أو لمن صنعوها وحدهم حق اختيار من يتحدث باسمها واسمهم، وهذا هو المنتظر والمرتجى.

المصدر: المصرى اليوم

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على الطريق إلى ٢٥ يناير: د. عمار على حسن يكتب شهادته (٢-٢): الطريق إلى الخلاص

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
34521

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
استطلاع رأي طريق الأخبار
أرشيف استطلاعات الرأي

استطلاع رأي طريق الاخبار

أهم توقعاتك لمستقبل مصر بعد تنصيب السيسي؟

إظهار النتائج

نتائج استطلاع رأي طريق الاخبار لا تعبر عن رأي الموقع انما تعبر عن رأي المشاركين في الاستطلاع

إرسل إلى صديق
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث الاخبار العربية والعالمية