الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

الاخباراخبار مصر - اهم الاخبار المصرية › الطريق إلى ٢٥ يناير: د. عمار على حسن يكتب شهادته (١-٢): البداية: ٢٠٠ من رموز الوطن يوقعون عام ٢٠٠٤ بيانا يطالب مبارك بالرحيل بدعوة المناضل الكبير أحمد نبيل الهلالى

صورة الخبر: الطريق إلى ٢٥ يناير: د. عمار على حسن يكتب شهادته (١-٢): البداية: ٢٠٠ من رموز الوطن يوقعون عام ٢٠٠٤ بيانا يطالب مبارك بالرحيل بدعوة المناضل الكبير أحمد نبيل الهلالى
الطريق إلى ٢٥ يناير: د. عمار على حسن يكتب شهادته (١-٢): البداية: ٢٠٠ من رموز الوطن يوقعون عام ٢٠٠٤ بيانا يطالب مبارك بالرحيل بدعوة المناضل الكبير أحمد نبيل الهلالى

عشت ما جرى فى أحلام اليقظة كاملا قبل سنين، ورأيت ما انتظرته يمشى أمام عينى ويملأ نفسى بالدهشة والفرحة. ففى عام ٢٠٠٦ شرعت فى كتابة عمل بحثى موسع عن «المقاومة والاحتجاج فى العالم العربى» ملت فيه إلى الخيار السلمى، الذى يعلو على الصمت والتحايل، ولا ينجرف إلى العنف المسلح الذى قد يضع كل شىء وكل أحد فى مهب الريح. وكان لى حظ أن أشارك الغاضبين هتافهم الهادر فى الشوارع الملتهبة «سلمية.. سلمية».

كثير من الأفكار التى خطتها أناملى على الورق طيلة خمسة أعوام عن الكلمة التى تنتصر على القنبلة، والدم الذى يهزم السيف، والقادمين من الحارات الخلفية حين يرسمون لوحات المجد فى الميادين الفسيحة، رأيتها متجسدة أمامى، بل ما وقع وما جرى تعدى بكثير ما تم خطه وتحديده وتعيينه، لأن ملايين المبدعين هجموا فجأة على غرفة التاريخ التى أوصدها نظام شائخ متداع فغمرها نور ساطع اختزنته الذاكرة المصرية عبر آلاف السنين ودفعته دفقة واحدة فى وجه العمى والظلام والزيف والادعاء.

■ ■ ■

كانت البداية بعيدة بعض الشىء، فالثورة لم تولد خلسة ولا من دون مقدمات، بل هى النتيجة الكبرى لتمهيد طويل، والحصاد الناجز لزرع نبت فى تمهل ونما حتى استوى على سوقه. أول التفكير قديم منذ أن أجهضت حركة يوليو وتفرقت بها السبل وتراخت عزيمتها تماما فى الانتصار لمبادئها، بل تناستها فى مفترق الطرقات التى لا تنتهى. وبداية التدبير هى تلك اللحظة التاريخية التى أقدم فيها مائتان من رموز هذا الوطن بالتوقيع على بيان يطالب حسنى مبارك بالرحيل. كان هذا مطلع عام ٢٠٠٤، وكان الداعى لهذا البيان هو المحامى والمناضل الكبير أحمد نبيل الهلالى- رحمة الله عليه- وكان لى شرف أن أكون من بين هؤلاء. وتم هذا تحت لافتة حركة اجتماعية لمع نجمها ثم انطفأ سريعا اسمها «الجبهة المصرية من أجل التغيير»، التى سلمت الراية فى رضا وامتنان لطلقة كاشفة بددت ظلاما كثيفا اسمها «الحركة المصرية من أجل التغيير»، التى عرفت إعلاميا باسم «كفاية».

مشينا فى المظاهرات التى بدأتها كفاية، ونحن نصرخ « لا للتمديد.. لا للتوريث» مجموعة تتدثر بالأمل، وتؤمن بأن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، وأن جبل الثلج الراكد على صدورنا يحتاج إلى أظافر تخمشه حتى ينزف أحجاره الباردة على أكفنا. وكنا نعرف أن احتقان المصريين بات يشبه كومة قش يابس فى صيف قائظ تحتاج إلى إشعال عود ثقاب واحد حتى تندلع فيها نيران، فخبأنا فى صدورنا وحجورنا هذا العود النحيل لحين ينقدح القش ويشتد القيظ. مرضت كفاية لكنها لم تمت، بل سلمت الراية إلى «الجمعية الوطنية للتغيير» أو تفهمت ظهورها الآسر، وحضورها القوى، وعملت إلى جانبها، لأن الساحة كانت تتسع للجميع، وتحتاج إلى الكل، بلا تمييز ولا إقصاء، ولا تجاهل ولا نكران. وفى الجمعية التى يشرفنى أن أكون عضوا فى أمانتها العامة، أكملنا الطريق، بإمكانات قليلة وجهد وافر وأمل لا حدود له. كنت فى «لجنة المحافظات» التى عُنيت بالتواصل المباشر مع الناس، وجها لوجه، وفى كل مكان، وبقدر المستطاع.

فقد كان أمن الدولة لنا بالمرصاد، مسلحا بقانون الطوارئ على الورق، وقانون الغاب فى الواقع. لم يسمح بعقد لقاءات جماهيرية فى الشوارع والميادين، وضاقت بنا السبل فطرقنا أبواب بعض أحزاب المعارضة، فأوصدت أمامنا إلا «حزب الجبهة الديمقراطية» الذى سمح لنا بأن نلتقى الناس فى مقاره البسيطة. وبذا ظل كل شىء يدور على نطاق ضيق، ويُنتزع انتزاعا.

المرة الوحيدة التى التقينا الناس فى العراء، ونجوم الليل الغارق فى الدفء تحط على رؤوسنا، كانت فى السويس. فأهلها البواسل انتزعوا موافقة أجهزة الأمن على عقد مؤتمر شعبى فى أحد الأندية الرياضية، وكان هذا فى شهر أغسطس ٢٠١٠، وجاءونا بالآلاف، فصرخت فيهم حناجرنا: اقتربت اللحظة التاريخية، أو هكذا نتمنى. ولهذا لم أندهش حين وجدت السويس فى طليعة الثورة، بها سقط أول شهيد وفيها سبقت الخطى كل الأفكار والأحلام، وكانت القاطرة التى تجر بقية عربات القطار. وكنت كلما وجدت الأمل ينحسر فى عيون من حولى بميدان التحرير أو انسدت فى وجوه بعضهم كثير من مسارب الحرية، أو دب اليأس فى نفوسهم المهيضة، ونهش التعب فى أجسادهم الواقفة كالنخل ساعات لحراسة الثورة، أتصل بأصدقائى لأسألهم: كيف حال السويس؟
فى مارس ٢٠١٠ كنا فى المنصورة وأمامنا الدكتور محمد البرادعى. لأول مرة ننظم مظاهرة بهذا الحجم خارج القاهرة، تحت لافتة «الجمعية الوطنية للتغيير» بعد أن نجحت المحلة فى فعل ما هو أهم وأشد وأعتى يوم ٦ أبريل ٢٠٠٨ . آلاف فى الشوارع ولافتة تحمل صورة الطاغية تنزف تحت أقدام الغاضبين، و«ثورة صغيرة» أو «مشروع ثورة» يلوح فى الأفق، ونافذة ضيقة تنفتح بقوة على التاريخ الآتى، وحركة شبابية تولد من بين هالات الدخان ولفحات اللهيب وقبضات الأنياب الراسية على الأنياب. كانت النيران تستعر تحت الرماد، وكان نظام الحكم لا يلتفت إلى الشرر المنبعث هنا وهناك. ألفان وخمسمائة احتجاج اجتماعى بدرجات متفاوتة، وأصوات زاعقة على الشاشات الزرقاء، وحروف غاضبة تمتشق كالشوك على صفحات الورق. لكن السلطة كانت تعتقد أن حذاءها الثقيل قادر على إخماد النار وكسر الشوك وإسكات الأصوات وقصف الأقلام.

وجاءت القشة التى قصمت ظهر البعير، انتخابات مزيفة بشكل ومضمون فاضحين، وكسر القاعدة التى عاش عليها نظام مبارك ثلاثين عاما، بتحطيم «الديكور» وحرمان المنتظرين على الأبواب من الفتات المتاح. وحين كانت السلطة تزهو باحتكار السياسة بعد أن احتكرت الاقتصاد والثقافة والأمن وكادت تستولى على الماء والهواء، كان هناك من يقولون «قضى الأمر الذى فيه تستفتيان». فعقب انتخابات مجلس الشعب ٢٠١٠ مباشرة كنت ضيفا على برنامج «العاشرة مساء» الشهير على قناة «دريم» ويومها قلت: «أشعر بتفاؤل شديد حيال ما سيأتى لأن نظام الحكم بدا أقل ذكاء مما تصورنا»، ثم كتبت مقالا فى صحيفة «المصرى اليوم» بعنوان «الحزب الوطنى خسر أيضا» برهنت فيه على أن هذا الحزب، الذى لم يكن سوى شلة منتفعين تتحلق حول الرئيس ونجله، هو أكبر الخاسرين، إن قَيَّمنا الأمور بعيدا عن ظاهرها وقشورها الخادعة.

وحدا كثيرين الأمل، أو توقعوا على سبيل التمنى، أن يدخل الرئيس التاريخ من باب جديد حقيقى، ولأول مرة فى عهده الذى امتد ثلاثة عقود، ويلغى الانتخابات الغارقة حتى ناصيتها فى التزوير، لكنه لم يخيب الظنون فى بلادته واستبداده وفساده واستخفافه بشعبه، وجاء ليقر التزييف، ويلقى تصفيقا حارا وحادا كالعادة، وكأن شيئا لم يجر.

قبلها بأيام، وردا على محاولة قتل إرادة الأمة، أقيم «البرلمان الشعبى»، الذى ضم مائة شخصية من نواب سابقين، أسقطهم التزوير، وشخصيات عامة ومثقفين، وكان لى شرف أن أكون منهم. وحين طرح هذا الأمر أمام الرئيس المخلوع تهكم بطريقة جارحة قائلا: «خليهم يتسلوا». وفى اليوم الرابع للثورة قلت له على شاشة إحدى الفضائيات: «ها نحن نتسلى أيها الطاغية». فى الحقيقة كان المصريون يتسلون به وعليه.

كل شىء كان يجرى فى الشارع بسرعة الحصان، وتقابله السلطة بزحف السلحفاة، متوهمة أن الشعب قد مات أو دخل فى إغفاءة طويلة تصل إلى حد الغيبوبة، أو أنه صار قطيعا من الأغنام. ولذا لم يتم التعامل بجدية مع هذه الدعوة التى توالدت بغزارة شديدة على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» إلى الخروج على النظام يوم ٢٥ يناير، وقد بلغ التهكم بكتاب السلطة مداه فقالوا: «هل هناك ثورة بميعاد؟». وكتب أحدهم بصفاقة طافحة: «من فضلك قل لى الثورة الساعة كام؟» لكنها كانت هكذا، محددة الزمان والمكان.

■ ■ ■

حين نجحت ثورة تونس شَكَّلنا وفدا من «الجمعية الوطنية للتغيير» ليذهب إلى مبنى السفارة التونسية فى حى الزمالك بالقاهرة لتقديم التهنئة. كان الطريق إليها مفروشا بالهراوات والدروع والمصفحات والغل الدفين، ولا دخول إلى شارع السفارة غير الوسيع إلا بجهد مضن. كنت متأخرا خطوات عن بقية أعضاء الوفد، فمنعونى من الدخول، لكنى أصررت ولم يجدوا بداً من فتح مسرب صغير لمرورى. هناك أمام السفارة وجدت نحو أربعين شابا محاصرين تحت شجرة تتهدل أفرعها فى أسى، وجذعها الخشن لا يسمح لأى منهم أن يسند ظهره إليها، بينما دائرة قوات الأمن المرتدية لزى مدنى تضيق الخناق عليهم لعصرهم ودفعهم إلى الانزلاق نحو الفراغ والهزيمة. لكنها لم تخل من فائدة، فزيهم المدنى عزز عدد المحتجين فى أعين الكاميرات التى كانت رؤوسها تطل على الوجوه، وتفضح كل شىء.

ومع هذا كان عدد قوات الأمن المرتدية الزى الرسمى كثيرا كالعادة، مائة جندى على الأقل لكل متظاهر، ورفعت هامتى فامتلأت عينى بالأجساد النحيلة المغلفة بأردية سوداء وقلت لواحد من لواءات الشرطة الواقفين قبالة السفارة لتحريك كل شىء: «كل هؤلاء الجنود من أجل حفنة من المتظاهرين.. لو أعطيتم كل واحد منهم فى بداية فترة تجنيده نواة بلح غرسها ورواها ورعاها وسلمها لكم بعد ثلاث سنوات، فمنحتموه شهادة أداء الخدمة، لأصبح لدينا الآن مائة مليون نخلة، وهذا أفيد بكثير من الدفع بهؤلاء الفقراء لقمعنا»، فضحك حتى بانت أسنانه الصفراء وقال: «هذا كلام يمكن أن تقوله لوزير الزراعة وليس أنا».

قبل ثلاثة أيام من لحظة الانطلاق استعرض بعض شباب «الجمعية الوطنية للتغيير» أمامنا «خطة العمل» التى يتداولها كل الشباب، لاسيما أولئك المنضوون تحت كيانات سياسية، حركية أو حزبية، حول شكل ومسار المظاهرات التى ستخرج يوم ٢٥ يناير. وكانت فكرتها تقوم أساساً على كسر الدائرة الحديدية التى فُرضت على المتظاهرين على مدار سبع سنوات، وجعلتهم يحفظون وجوههم وكأنهم رواد مقهى يتواعدون كل ليلة على اللقاء.

كنا ننظم مظاهرات على سلم نقابة الصحفيين، الذى تحول إلى «هايد بارك» أو نقابة المحامين أو أمام دار القضاء العالى أو أمام ضريح سعد زغلول، وبات هذا حدثاً مكرورا إلى حد الملل. نتجمع وسط لوحات صغيرة مكتوب عليها شعارات زاعقة ضد السلطة الفاسدة المستبدة، وليس معنا سوى حناجرنا المبحوحة وأكفنا المرفوعة إلى أعلى تدق الهواء بعنف وغيظ، وعيوننا التى تصطاد الأمل الذى يبرق أمامنا مبتسما. وكان كل هذا يتم تحت سمع وبصر أجهزة الأمن، فقد تعودنا على ضباط من أمن الدولة يقفون أمامنا وفى أيديهم أقلام وأوراق يسجلون فيها كل ما نهتف به، وبعضهم يلتقط صوراً لنا، وبعد فترة لم يعودوا فى أى حاجة إلى كاميرات، لأن وجوهنا انحفرت فى رؤوسهم. وعلى بعد خطوات منا كان يجلس ضباط الأمن المركزى برتب متصاعدة يروّضون الدعة والفراغ والراحة والاطمئنان إلى أن كل ما يجرى تحت السيطرة التامة.

كنا نبدو كائنات قادمة من كوكب آخر. يرانا المارة والمحشورون فى الحافلات الصدئة والمتدثرون بأسقف سياراتهم التى تسير ببطء ونحن نصرخ فترتسم على وجوه بعضهم علامات التعجب إن لم تكن علامات الاستنكار، وفى عيون البعض الآخر شفقة علينا وتأثر بحالنا الغريب أو خوف مما سيؤول إليه مصيرنا. فى كثير من الأحيان كان يأتينا هجوم بغتة من أى جهة، فكل الجهات ملك يمين الحاكم الأوحد. بعضنا كان يتمكن من التسلل من بين الأذرع الخشنة بعد أن ينفتح مسرب للخروج. البعض كانوا يخفقون فتتمكن أجهزة الأمن من اعتقالهم وهنا يكون أمامهم مساران إما غياهب الحبس الموحش، أو الإلقاء فى قلب الصحراء، حيث تخطف الأجساد المنهكة من قلب الشوارع التى تغص بالآدميين، ثم تقذف على صفحات الرمل على جانبى أى طريق سريع بين القاهرة ومدينة أخرى من المدن التى تترقب فى صمت وصبر عجيب ومريب.

فى مطلع ٢٠١٠ خرج المصريون عن بكرة أبيهم، قبل الثورة بعام كامل، لا للاحتجاج على الظلم وطلبا للعدل، وليس حتى لضخ دماء جديدة فى أوصال المظاهرات النخبوية التى كانت تتآكل بفعل عوامل تعرية سياسية واجتماعية عديدة، لكن لأن منتخب مصر لكرة القدم هزم نظيره الجزائرى بأربعة أهداف مقابل لا شىء فى بطولة الأمم الأفريقية. فى تلك الليلة أغلقت الشوارع بالأجساد المتمايلة رقصا وطربا وصدحا، فلم أتمكن من القدوم إلى بيتى وسط القاهرة إلا عبر المترو. خرجت فى محطة السادات «التحرير»، وانعطفت يمينا فى شارع قصر العينى وأنا أسير بصعوبة وسط الحشود التى احتلت الشارع وأطلقت الهتافات والألعاب النارية. ليلتها نظرت إلى هؤلاء الشباب فى تعجب وقلت لصديقى: «لو جاء معنا فى مظاهراتنا اليتيمة ربع هؤلاء سنسقط مبارك تحت أقدامنا». وبعد عام، وفى أول يوم للثورة كان ألتراس الأهلى والزمالك فى الصفوف الأمامية، يشبكون أيديهم متلاحمين، ويطلقون حمحمة رهيبة لتخويف جنود الأمن المركزى.

قبل هذا اليوم الموعود بساعات كان التصور الذى تداوله الشباب فى العالمين «الافتراضى» و«الواقعى» مختلفا إلى حد كامل عما سلكته الحركات الاجتماعية من قبل، لأنه بنى من خلال إجابة عن سؤال مهم: كيف نفتح أذرع القلة المحاصرة على كل شوارع الوطن؟ كيف يصل صراخهم إلى كل الآذان؟ وكيف نحول هذا الغضب المكتوم إلى طاقة جبارة للعمل والكفاح؟ وكيف يأتى الناس لإنقاذ أولئك الواقفين على قلوبهم منذ سنين دون مدد؟ وكيف تمد نقطة النور شعاعها الأخاذ إلى كل الشوارع الخلفية والحارات والعطوف التى يعشش فيها الظلام؟ أو كيف تفىء بقعة الظل الوارفة على كل هذا الهجير المقدوح فى نار تلظى؟

وقال من لهم خبرة سابقة فى العمل السياسى والتنظيمى وكذلك المطلعون على تجارب الأمم الأخرى فى الاحتجاج والخروج على الظلم والقهر رأيهم فى هذا التصور، ثم رفعت الألسنة والأقلام وبدأ الشعب المصرى العظيم كلمته، إذ لم تمض ساعات إلا وانفتح القليل على الكثير، والدم على الجراح المتقيحة. وبدأ كل شىء كما رآه العالم على الهواء مباشرة.

■ ■ ■

فى صبيحة يوم ٢٥ يناير كنت أزور شخصية قانونية وفكرية مرموقة فى بيته بالجيزة، وكان الرجل معنا عضواً للأمانة العامة للجمعية الوطنية للتغيير وفى البرلمان الشعبى. قبيل الظهيرة استأذنته فى الانصراف، لكنه استمهلنى لنتناول الغداء سويا، فاعتذرت له وقلت: لابد من أن أنصرف لأشارك فى المظاهرات. فنظر إلىَّ مليَّا وقال: إلى أين ستذهب؟ قلت له: اتفقنا فى البرلمان الشعبى على أن تكون وقفتنا أمام دار القضاء العالى لكننى سأقف مع الناس فى أى مكان؟

فابتسم وقال: لنبق ونتناول غداءنا ولن يضر المتظاهرين أن ينقصوا اثنين. فتفهمت مقتضيات حاله وظروف شيخوخته، ثم قلت له: أشعر بأن المسألة هذه المرة مختلفة إلى حد كبير. فى طريقى إلى قلب القاهرة كانت الشوارع التى تؤدى إلى ميدان التحرير موصدة، كلما قطعنا أحدها متقدمين صوب الشرق، صدتنا الحواجز ورجال الشرطة المرسومة على وجوههم علامات لم نشهدها من قبل، فعرفت وقتها أنه يوم غير عادى. نعم توقعنا أن يكون هناك شىء كبير حين ناقشنا الخطة فى الجمعية الوطنية، كنا نسميه «مظاهرة مؤثرة» تحرج النظام وتثبت له أن الانتخابات المزورة لا يمكن هضمها وتمريرها، لكن أحدا لم يتوقع أن يكون كبيرا إلى هذه الدرجة، رغم أن بعضنا كان حريصا على أن يمنح الناس الأمل حين يلتقيهم فى الندوات والمؤتمرات واللقاءات الجماهيرية بمقار الأحزاب ويقول لهم: «آتية لا ريب فيها، أسرع مما يتوهمون، وأكبر مما يتصورون».

فى يوم ٢٥ يناير أيضا نُشر مقالى الأسبوعى بـ«المصرى اليوم» عنوانه «مصر وثورة تونس» كانت آخر عبارة تتوجه إلى السلطة قائلة: «ويرونه بعيدا ونراه قريبا» وجاء فيه أيضا «الطريق إلى الرئيس يبدأ بالرغيف» وذلك بعد أن كنت قد نشرت مقالا عام ٢٠٠٨ فى ذكرى ثورة يوليو تحت عنوان «ثورة ماتت.. أخرى قد تولد» كانت آخر عبارة فيه تقول: «لكن هؤلاء جميعا، الصامتين منهم والصائتين، فى الريف والحضر، فى الصحراء والوادى، يشنفون آذانهم ويمدون أنوفهم ويضغطون على ضروسهم كلما تناهى إليهم أى صوت، فى الإذاعة أو التليفزيون، أو لمحت عيونهم أى كلمة فى جريدة أو كتاب تتحدث عن الظروف التى سبقت ثورة يوليو، والعوامل التى أدت إليها، فيضعون الحالة أمام الحالة والموقف قبالة الموقف، ويقولون فى ثقة متناهية: إنها المقدمات التى تسبق النتائج».

لكن الجميع كان يتوقع أن تنطلق الثورة من عزب الصفيح التى تهزها الريح وتفوح منها روائح القهر والفقر والمرض، حيث تخرج ملايين الأفواه الجائعة لتبتلع كل شىء وكل أحد، ولا صاد ولا راد لها إلا عفو الله ورحمته بعباده. وكتبت مقالا فى صحيفة الأهرام عام ٢٠٠٨ كان عنوانه «ثورات مصر عبر العصور» ثم مقالا آخر بعنوان «أقدم ثورة فى التاريخ» بدأت فى الأول بالثورة التى وقعت فى مصر أيام الملك بيبى الثانى وكانت «ثورة جياع» وشرحتها فى الثانى بإسهاب، مع إسقاط لا تخطئه عين بصيرة ولا عقل فهيم.

المصدر: المصرى اليوم

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على الطريق إلى ٢٥ يناير: د. عمار على حسن يكتب شهادته (١-٢): البداية: ٢٠٠ من رموز الوطن يوقعون عام ٢٠٠٤ بيانا يطالب مبارك بالرحيل بدعوة المناضل الكبير أحمد نبيل الهلالى

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
33983

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
استطلاع رأي طريق الأخبار
أرشيف استطلاعات الرأي

استطلاع رأي طريق الاخبار

أهم توقعاتك لمستقبل مصر بعد تنصيب السيسي؟

إظهار النتائج

نتائج استطلاع رأي طريق الاخبار لا تعبر عن رأي الموقع انما تعبر عن رأي المشاركين في الاستطلاع

إرسل إلى صديق
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث الاخبار العربية والعالمية