الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةأدب وثقافة › د. عاصم الدسوقي : تخبط العرب في هويتهم أكبر خدمة للإستعمار

صورة الخبر: د. عاصم الدسوقي
د. عاصم الدسوقي

عقد منتدى الجذور الثقافي أمس ندوة استضافتها ورشة الزيتون حول "إشكالية الهوية المصرية" تحدث فيها المؤرخ الكبير د. عاصم الدسوقي ، وأدارها الكاتب الدكتور فخري لبيب .

وقال فخري أن مصر لا يقطنها سكان وادي النيل وحدهم بل يوجد بينهم عنصر الأمازيغ كذلك في مناطق سيوة، والنوبيون في جنوب مصر، والدشارية في جنوب شرق مصر.

وهناك البدو في الشرق والغرب، وكل هؤلاء هم نسيج الشعب المصري المركب الحافل بتباينات عرقية وطائفية ودينية ، وهو ما أعطى ميزة للحضارة المصرية وجعلها ثرية حقا .

وفي كلمته قال د. عاصم أن مصر مجتمع قديم بدأ مع وادي النيل يعرف معنى ثقافته ، ولكن لأن الأراضي مفتوحة على بلاد أخرى من كل الجهات حدثت الهجرات لمصر من الشرق والغرب والجنوب والشمال أي من البحر الأبيض المتوسط، وحدث اختلاط بين كل الثقافات داخل مصر، وهو ما شهدته كذلك منطقة الخليج العربي.

يتابع : عندما تهاجر جماعة من مكان لآخر تحمل معها ثقافتها، فتتاثر بالمجتمع الجديد وتؤثر فيه، ولكن لا تزول عنها ثقافتها الأصلية، واستطاعت مصر للحق أن تمصر الوافدين إليها وتجعلهم يكتسبون عاداتها وفكرها ، وأصبح لدينا عادات وتقاليد تربطنا وهو ما يسمى بالمشترك الثقافي .

وهذه الخلطة الثقافية العامة للمصريين دخل في تكوينها الدين كعنصر رئيسي، فنجد أننا جميعا مؤمنون جدا بالقدر ، نمتاز بالصبر على المكاره والرضا ، وعدم تحدي السلطة بشكل كبير لأنها في العقل الجمعي لها قداستها ؛ فالملك قديما هو نصف إله لا يمكن للشعب أن يعترض إرادته .

حتى عندما نزلت الديانات السماوية كان الملك ينظر له في مصر ليس كإله وإنما كرجل له قداسة واحترام ويجب طاعته، والتدين أيضا خلق عند المصريين صفات التسامح والوسطية التي لا تميل للتطرف.
ومن الدين الإسلامي، اكتسب المصريون اللغة العربية مع الوافدين من الجزيرة العربية ، اللغة العربية صارت لغة الجميع في مصر بصرف النظر عن ديانتهم .

لكن بعدها بدأ يبرز سؤال الهوية : من أنت ؟ هل أنت بحسب دينك أو عرقك أم مكانك الجغرافي بمصر ، وهل الإنسان محلي أم عالمي، أي هل أنا حقا هويتي أنني مصري أم أنني فرد أنتمى للعالم كله وليس إنتمائي داخلي .

مصر الولاية

عانى المصريون منذ إنتهاء عهد الفراعنة من التبعية لجهة أكبر دائما، فدائما كانوا ولاية تابعة لدولة كبرى في المنطقة ، فقد دخلها الفرس محتلين وأقاموا بلدة فارسكور لإقامتهم، وبعدهم الإسكندر المقدوني ، ثم البطالمة الذين حكموا البلاد ثلاثمائة عام، ومن بعدهم الرومان .

ثم تحولت مصر إلى ولاية رومانية وبعدها انتشرت فيها المسيحية مع انتشارها في أوروبا ، وتصادم الرومان مع المسيحيين إلى أن آمن أحد الأباطرة الرومان بالمسيحية فترك روما قاصدا بيزنطة وأسس مدينة القسطنطينية ، وبعدها انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى غربية وشرقية ، كانت مصر تابعة للجزء الشرقي.

حينما جاء الفتح الإسلامي أو الهجرة من الجزيرة العربية ، أصبحت مصر ولاية إسلامية ، ومن بعدها تبعت الدولة العثمانية وبدأت الأسر العربية تستقر في أطرافها.

وتوالت عليها دولة أحمد بن طولون والإخشيدي والفاطميون بعدها من المغرب ، ثم صلاح الدين الأيوبي الذي قضى على الدولة الفاطمية ، فجاء المماليك وظلوا ثلاثمائة عام يحكمون مصر حتى حكمها العثمانيون .

انتصر العثمانيون فدخلوا الشام أولا ووصلوا مصر وانتهت الدولة المملوكية بتعليق رؤوس طومان باي والسلطان الغوري السلطانان المملوكيان على باب زويلة .

استمرت مصر الولاية تابعة للمركز العثماني في اسطنبول ( عاصمة الدولة العثمانية) ، وفي كل هذا التاريخ الذي سردناه لم يكن سؤال الهوية يتردد بين المصريين .

لأن العالم كان يتنقل من سلطة لسلطة ، وجميع الشعوب رعايا للسلطة القوية ، والحدود كانت أيضا مفتوحة بين ولايات الدول الكبرى ، والناس تنتقل من ولاية لأخرى ولا يوجد بينهم أي عوائق تحت مظلة الإمبراطورية العثمانية .

سؤال الهوية

يتابع د. عاصم الدسوقي : سؤال الهوية ارتفع في نهاية القرن التاسع عشر، ومعروف أن مصر في هذا الوقت كانت ولاية ولكن شبه مستقلة، ولكنها ليست دولة بعد، وكان حكم الدولة العثمانية مفروض على الشام كله .

وبدأ يحدث نوع من الإحتكاك بين عرب الشام وخاص المسيحيين وبين الأتراك ، وكانت أوروبا في هذا الوقت تريد إخضاع الدولة العثمانية المسلمة التي تحكم شعوب بعضها يدين بالمسيحية .

وتولدت بفعل عناصر خارجية نوع من الكراهية عن مسيحيي الشام تجاه الأتراك عموما، في الوقت الذي كانت تسعى فيه أوروبا التخلص من الحكم العثماني.

ولذلك عمدت لقيام منافس عربي نقيض للدولة العثمانية ، على أساس أن ما يربط العرب هو لغتهم وليس دينهم وساعدت على هذه الفكرة مدارس الإرساليات الأمريكية والكاثوليكية في بلاد الشام ، كانوا يريدون رابطة عربية علمانية ليست دينية .

هنا بدأ سؤال القومية والهوية يبرز ، وفي نفس الوقت أي بنهاية القرن التاسع عشر كان سؤال القومية مسيطر جدا على أوروبا، وكان التساؤل بين الأوروبيين هل ما يجمع هويتنا هو الدين أم اللغة .

واتجهت المدرسة الفكرية الألمانية للغة ، فأكدوا أن اللغة عصب القومية ، وفرنسا لم توافق على ذلك وتساءلت ماذا لو أن شخصا يتحدث الألمانية ويعيش بفرنسا ماذا سيكون ؟ ، فأصدر الفرنسيون نظرية الإرادة ، أي أنك تكون حسب اختيارك وليس اختيار المجتمع .

وصل هذا الجدل حول القومية إلى منطقتنا العربية، وتأكدت لدينا أن رابطة العروبة قائمة على اللغة ، وتحدث عن ذلك الأفغاني في الجامعة الإسلامية والذي رأى أن العالم الإسلامي واقع تحت سيطرة اوروبا المسيحية ولكي نحرره لابد من وجود رابطة إسلامية.

وهي الفكرة التي تبناها السلطان عبدالحميد العثماني ، ولكن هذه الفكرة تسببت في فتنة لان السلطان عبدالحميد تحدث على أنه خليفة للمسلمين وهو لقب منتحل؛ فالخلافة في قبيلة قريش تاريخيا وليست في هذا العصر ، وشعر المسيحيون في المنطقة الواقعة تحت الحكم العثماني أنهم من الدرجة الثانية ومضطهدون .

رابطة الشرق

تخرج بعد الأحداث السابقة رابطة جديدة اسمها الرابطة الشرقية ، وتقول بأن بلاد الشرق تقف أمام بلاد الغرب، ولأن الشرق أغلبه دول إسلامية يكون ضد الغرب المسيحي.

ولكن بعدها وجدنا أن الزعيم المصري مصطفى كامل طالب باستقلال مصر التي كانت تضم "مصر والسودان" وقتها، طالب باستقلالها عن المحتل الإنجليزي، وتبعه في ذلك أحمد حسين مؤسس جماعة مصر الفتاة، وقالوا أن مصر فوق الجميع.

وهنا برزت مجددا أفكار تنادي بالإنتماء للهوية المصرية الفرعونية بدلا من العروبة ، وتبلور الفكر مع عام 1922 وهو نفس العام الذي اكتشفت فيه مقبرة توت عنخ آمون واكتشف التاريخ القديم للفراعنة .

ولكن جماعة الإخوان المسلمين بقيادة الإمام حسن البنا بدأت منذ عام 1928 تعيد المصريين لفكرة الوحدة الإسلامية بين الدول، وأن مصر جزء من العالم الإسلامي وهو ما يجب ان ننتمى إليه، أي لا العرب ولا الفراعنة.

وبالفعل وضع البنا برنامج الجماعة ونص عام 1946 على إقامة الحكومة الإسلامية واستعادة الوطن السليب يقصد الأندلس والبلقان وأراضي التوسعات الإسلامية التي غزاها الفاتحون قديما، والتوسعات العثمانية أيضا .

وردا على الحركة الإسلامية حاولت حركات أخرى أن تحيي مسألة مصر القبطية التي تعود لجذورها الفرعونية، وتمت محاولات لإحياء اللغة الهيروغليفية .

وفي عام 1938 تحدث طه حسين عميد الأدب العربي عن الرابطة المتوسطية، وقال اننا شعب ينتمي لحضارة البحر المتوسط، ليس لنا علاقة بالبادية والصحراء، وأكد ذلك في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" وكان وقتها عميدا لكلية الآداب وأدخل للكلية قسم الدراسات الكلاسيكية – أي الحضارة اليونانية واللاتينية – ليؤكد هذه الرابطة داخل المجتمع المصري .

أوقات المحن

يواصل المؤرخ الكبير سرده قائلا : والملاحظ في تاريخنا أن سؤال الهوية يطرح باستمرار في الأزمات كالثورات أو الهزيمة أو التحولات الاجتماعية، فالإنسان يثير هذا التساؤل للدفاع عن نفسه .

ولكن أكثر الهويات التي حوربت على مصر العصور هي الهوية العربية وكان ذلك بالضرب في اللغة العربية ذاتها وخاصة الفصحى بالطبع في مقابل تعظيم شأن اللغة العامية واللهجات المختلفة داخل مصر، وهو ما يحقق مصلحة للمستعمر كبيرة .

ظل الهجوم على اللغة الفصحى قويا، وقال المدعون بأنها لغة ليست مرنة ولا تعبر عن مشاعر المصريين، وسنجد أول كتابات مضادة للغة الفصحى مرصودة عام 1881 حينما كتب مدير دار الكتب في مصر أن قواعد اللغة العربية صعبة والأفضل أن نكتب حسبما نكتب بالعامية، وبعدها قال مفتش الري بالأزبكية أن المصريين متخلفين لأنهم يتحدثون بلغة غير التي يكتبونها.

وفي عام 1908 أصدر قاسم أمين – أصله تركي – كتابا أسماه "كلمات" دعا فيه للعامية، وهو ما فعله أحمد لطفي السيد منشيء حزب الأمة والجامعة المصرية، وانضم لهذا الفريق عدد كبير من أشهر الكتاب ومنهم محمد حسين هيكل، عبد القادر حمزة، سلامة موسى، اسماعيل مطر .

بالفعل بعد ثورة 1919 كانت الحركات الوطنية تريد فصل مصر عن العرب، حتى أن العقاد نفسه دعا المصريين لوضع حد للإنشغال بقروننا العربية الماضية .

في هذا الزخم تأسست الجامعة العربية عام 1945 وأصبحت مصر مقرا لها، واتجهت مصر مع العهد الناصري ناحية العروبة، ونص الدستور المصري عام 1956 على أن مصر دولة عربية وكل مصري يعامل على أنه عربي، وفي خطاب حكومة الثورة أعلنت أن هدفها تحقيق الوحدة العربية .

بين العرب وإسرائيل

ظلت معاركنا محصورة في الصراع العربي الإسرائيلي، حتى انتهت حرب أكتوبر وتجدد مرة أخرى سؤال الهوية مع زيارة الرئيس السادات لإسرائيل في نوفمبر 1977

ووجدنا الأديب توفيق الحكيم يكتب عام 1978 داعيا إلى حياد مصر عن محيطها العربي، وهو ما فعله لويس عوض وغيرهم ممن أثاروا الرأي العام الذي كان يشعر بفترة المد الإسلامي ، وجاءت معاهدة السلام بين السادات وإسرائيل في 1979 لتكمل على قطيعة مصر عن العرب .

وبدأنا نسمع عن عبارات "صراع فلسطيني إسرائيلي" بدلا من صراع عربي إسرائيلي، يحدث ذلك بينما كان الإتحاد السوفيتي يسقط وتوشك الحرب الباردة بينه وبين أمريكا على الإنتهاء بانتصار الأخيرة .

ويخرج لنا الخطاب العولمي الجديد على لسان الرئيس بوش الأب حينما أكد أنه يقف مع الكويت ضد العراق دفاعا عن النظام العالمي الجديد ، والجملة مضت ولم نفهمها، ولكنها كانت تعني تفتيت القومية ورجوع الشعوب لأصولهم العرقية والمذهبية والدينية أيا كانت .

بدأنا نسمع عن ملف الأمازيغ في الجنوب، النوبة ، أقباط مصر، أكراد العراق، ثم يظهر مصطلح الشرق الاوسط وليس الوطن العربي.

وأنهى الدسوقي حديثه قائلا : حكومة الأحرار في بريطانيا أنشأت عام 1905 مجموعة دراسية تسأل : من أين يأتي الخطر على المصالح البريطانية؟ وانتهوا إلى أن الخطر يبدأ من المشرق العربي، فهذه منطقة واحدة تمتلك مقومات الأمة لغة وأرض وتاريخ مشترك، لكنهم ليست دولة واحدة بل كيانات سياسية مجزئة ومفككة.

بالإضافة إلى أنهم متأخرين اقتصاديا، وكان السؤال الآخر هو أنه إذا تجاوز العرب هاتين السلبيتين التخلف والتجزئة سيبدأ الخطر على المصالح البريطانية .

وتجد رفض القوى الكبرى لوجود معاني العروبة في برامج التعليم، ومحاولات جادة لإعادة النظر في موقف الإسلام من الجهاد وشرعيته، وأصبحت دراسة التاريخ والدين لدينا من الامور الهامشية في مدارسنا لأن بهما يخرج شخص قوي يعرف جذوره جيدا ويعرف عدوه .

كما أكد الدسوقي على ان من يحار في هوية مصر عليه أن يسأل نفسه أين المصلحة وسيعرف أنها في الرابطة العربية، وبالمناسبة فاللغة العربية لا ترمز لعرق. ولكنها فرع من العائلة السامية مصدر كل لهجات المنطقة .

ومنها خرجت الحبشية والآرامية والعبرية والآشورية وغيرها، وعندنا كلمات عربية من لهجات عدة فمثلا كلمة مصحف أمهرية حبشية، وقلم سريالية، والطور كلمة إيرانية ، وبالتالي فهي لغة تحوي جميع اللهجات لأهل المنطقة ، وتظل اللهجات للحديث وليس الكتابة .

المصدر: محيط / ريهام محمود

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على د. عاصم الدسوقي : تخبط العرب في هويتهم أكبر خدمة للإستعمار

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
57916

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة