الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةأدب وثقافة › عبدالوهاب المسيري .. رحلة مفكر ثائر حول العالم

صورة الخبر: عبدالوهاب المسيري
عبدالوهاب المسيري

ماذا لو عرض عليك الدكتور عبدالوهاب المسيري صاحب الموسوعة الأشهر عن الصهيونية، أن ترافقه برحلة .. لكن التحرك فيها ليس عبر المكان وحده وإنما عبر الزمان أيضا؛ فالكاتب عبر كتابه الشيق "رحلتي الفكرية .. البذور والجذور والثمر" يروي أهم المفارقات التي تعرض لها منذ مولده في مدينة دمنهور واحتكاكه بالسياسة والأدب وشكوكه التي انتهت بإيمان أعمق. ارتحل مبكرا للولايات المتحدة الأمريكية بصحبة زوجته الدكتورة هدى .. هناك حيث أنجبا طفليهما وانغمسا في أكثر بلاد العالم تقدماً وشاهدا مع ذلك مظاهر سقوط الإنسان ..

يصف المسيري صداماته مع إسرائيل والحركة الصهيونية التي يصفها دوما بأنها استعمارية لا تؤمن بيهودية ولا تعرف توراة، ويؤكد سعادته بالإنتصار على ذئاب الشهرة وجمع المال والمعلومات، وتحديه للمرض ونشاطه البارز بجماعات المعارضة للفساد في مصر .. وأخيرا ينتهي القاريء في الرحلة إلى منزل بديع أقامه المسيري وجمع فيه روائع الفنون والعمارة، وجلس يكتب مذكراته من شرفته !

بدايات .. عبدالوهاب المسيري ( أكتوبر 1938- يوليو 2008) نشأ في بيت لعائلة عريقة بمدينة دمنهور ، كان يرى شباب القرية الثائر الذي لا يكف عن التعبير عن غضبه من الإحتلال الإنجليزي عبر مجلات الحائط أو رشق العساكر بالحجارة وصولا لتنظيم المظاهرات وحملات مقاطعة البضائع الأجنبية .

وجد المسيري في نفسه عشقا للقراءة منذ الصغر، كان يقرأ كثيرا وخاصة في الفلسفة والتاريخ والأدب، وكان بشهادة معلميه مبدعا ولكنه مع ذلك كان يحصل على أقل الدرجات، إذ كان لا يحب الحفظ ولكنه يحاول الفهم وعرض وجهة نظره.

و كم كان المعلمون حينها يعشقون المواد التي يدرسونها للطلبة ويتقنون مناقشتهم فيها بل ويطلبون من المتميزين منهم إعداد أبحاث خارج المنهج للمناقشة في الفصل، بعكس ما يحدث حاليا من إجبار الطلبة على حفظ كتب صماء بدون روح يعودون لنسيان محتواها بعد شهور، ولذا عرف المسيري مبكرا أنك قد تكون ناجحا ليس بالمعايير العامة ولكن بمعايير أكثر أصالة وإبداعا.

يتذكر المسيري حينما ترك دمنهور وارتحل ليبدأ حياته الجامعية طالبا بقسم اللغة الإنجليزية بآداب جامعة الإسكندرية، التي كانت مليئة باليونان والفرنسيين وغيرهم، كيف أنه ظل في حجرته عاكفا شهور لا يسمع إلا الإذاعات الأجنبية ولا يقرأ إلا جرائدهم حتى أتقن اللغة بشكل أذهل أساتذته، كما أحضر أطنانا من الكتب التي تدور في الفكر والتاريخ والفن الغربي ليتملك ناصية الخطاب الحضاري لهم، ثم يذكر كم كان التعليم جادا في جامعته ويعتمد على إعمال العقل لا الحشو، حتى أنه حينما التحق بجامعة كولومبيا كان مستواه يفوق مستوى الباحثين هناك.

خطوات أولى
عرف المسيري في الأربعينات جماعة الإخوان المسلمين ولكنه تركها بعد الثورة وانضم لهيئة التحرير وفي فترة الدراسة الجامعية التي يسميها فترة الشك رادوته الأسئلة العنيفة عن الدين والكون وكان يعلم أنها ستنتهي بإيمان بالله أعمق ، وقرر حينها أيضا أن يلتحق بالحزب الماركسي في الإسكندرية، وتركه بعد سنوات حينما راقب تصرفات "الرفاق" فمعظمهم كان متحررا من أية قيم أخلاقية، ثورتهم منطلقة من حقد طبقي أكثر منها إيمان بأهمية إقامة العدل في الأرض، والدليل أن أحدهم حينما تتاح له فرص الثراء لا يختلف عن أي مستغل طبقي للكادحين!

وتأثرت بسبب هذه الفترة صورة القضايا الكبرى لديه، فمثلا كان الحديث عن تحرير فلسطين من الصهاينة، بينما كان الماركسيون يؤكدون ان الحل في اتحاد طبقة العمال من اليهود والفلسطينيين ضد الرأسماليين والإقطاعيين من اليهود والعرب!!، ولكنه لا ينكر أنه استفاد من هذه التجربة في إدراك قيمة اللحظة التاريخية في حياة الأفراد والأمم، كما أنها دعمت اتجاهه لرفض الظلم والاستغلال، وأهمية ألا يذعن الإنسان لما هو قائم، والأهم أنها خلصته من الإنبهار بأمريكا والشره للإستهلاك السائد هناك.

مجتمع دمنهور

كانت دمنهور كما يصفها المسيري بمذكراته من أكثر المدن تصنيعا حول العالم مقارنة بعدد السكان، واشتهرت بقدرتها على عدم تبديد الموارد فكل شيء يصلح للتدوير؛ والمسيري نفسه ورث هذه العادة فكان مثلا يرتدي الملابس حتى تبلى فيعطيها لفقير أو يكتب على ظهر الورق الدشت .

وفي مقارنة يعقدها بين المجتمعين التقليدي والمتقدم يرى أن الأول درجة التراحم والتسامح بين فئاته عالية؛ فتجد مثلا العامل الذي ينظف لك المكان إذا أردت أن تعطيه أجره يقول لك "خلي" ليؤكد أن علاقتكما ليست نفعية وأنه أيضا ند لك ، في حين أن كل شيء عند الشعوب المتقدمة تعاقدي ومادي بين الأفراد فالشاب غالبا يستقل بمسكن مستقل عن الأسرة بمجرد وصوله لسن 16 عاما وكثير من الناس يذهبون لدور رعاية المسنين لأن لا أحد يزورهم.

لكن المسيري يعيب على المجتمع التقليدي أنه يربي في الأبناء مبدأ حماية الأسرة والعائلة ولا يربي فيهم احترام حياة الآخرين العامة، ولذلك نجد في معظم عماراتنا السكنية وشوارعنا قاذورات ملقاة هنا وهناك في حين أن الشقق من الداخل نظيفة مرتبة.

في الولايات المتحدة

سافر المسيري لدراسة الأدب بأمريكا في فترة الستينات ، وفي جامعة كولومبيا أحرز تقدما كبيرا وكان العربي الوحيد الذي يدرس بالجامعة، وبرغم الميزانية المحدودة ورفقة زوجته الدكتورة هدى حجازي له في الخارج والتي كانت تكمل دراساتها العليا أيضا، كانا يزوران المسارح والمؤسسات الثقافية العريقة ويكتفيان بالسكن في غرفة ضيقة صغيرة، وبمجيء ابنتهما نور للحياة، قرر المسيري أن ينتقل لجامعة أخرى حيث أصبحت تكلفة البقاء في نيويورك باهظة، وبالفعل قرر الدراسة بجامعة رتجرز بولاية نيوجيرسي، وأصبح لهما بيتا أوسع وتحسنت أوضاعهما نسبيا.

كان المسيري يتحدى أساتذته كثيرا، ولكنه لم يتعرض للإضطهاد إلا نادرا، ولكنه مع ذلك يؤكد أن حرية التعبير في أمريكا ليست مطلقة، فقد صادف أساتذة اضطروا للإستقالة بسبب آرائهم المناهضة لسياسة أمريكا الخارجية.

ويؤكد أنه يوما لم يتقلد منصبا لحرصه على ألا يضيع وقته إلا بمشروعه الفكري وخاصة مع بدءه في إعداد الموسوعة الصهيونية 1975، ومن هنا كان يرفض كل عروض رئاسة اللجان والأقسام وما شابهها إلا ما كان يخدم أهدافه مثل ترؤسه لوحدة الفكر الصهيوني بمركز الأهرام، واكتفى فقط بأنه مستشار ثقافي لوفد الجامعة العربية لدى الأمم المتحدة، وكانت زوجته خير معين وهي التي دام نقاشه معها خمس دقائق فقط حينما قرر ترك الجامعة للتفرغ للموسوعة، ما يعني فقدان مصدر دخل الأسرة الثابت!

قرر المسيري أن يهزم ثلاثة ذئاب متخيلة يشعر بهم؛ الأول الرغبة في الثروة، وقد عاش قانعا بما يكسبه من الجامعة والتأليف، والثاني رغبته في الشهرة، وهي رغبة لم تكن تظهر حتى توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، والسبب أنه كان بالفعل محط أنظار وسائل الإعلام والمنتديات الثقافية وغيرها، ولكن بعد المعاهدة بدأ الجميع بما فيهم مركز الأهرام يعرضون عن خدماته لأنه من أشد المناهضين لهذا التوجه!.

ولكنه أقنع نفسه أن الشهرة هدفها هو تأمين حياته ككاتب وهذا حصل بالفعل وبالتالي فلا داعي للمزيد، وعاش سنوات طويلة في شبه عزلة لإعداد الموسوعة، أما الذئب الثالث والأخطر برأيه فهو النهم لجمع المعلومات، وهو قد التهم العديد من الباحثين والمثقفين الذين ظنوا أن تقصيرا منهم عدم الإلمام بكل شيء، بينما لم يكن لديهم الوقت بالطبع لإدراك العلاقات بين الأشياء والتحليل والخروج بتفسيرات جديدة !! .

حقيقة الصهيونية

واجه كاتب المذكرات مشاقا جمة لإعداد موسوعته عن الصهيونية منذ منتصف السبعينات وحتى نهاية التسعينات؛ حيث اضطر للإستعانة بحشد ضخم من المتطوعين والباحثين لمساعدته في جمع المواد اللازمة وترجمتها، ولم تساعده أشهر مراكز الأبحاث ومنها الأهرام لسيادة أجواء التطبيع وقتها .

يكشف الكتاب أن توفيق الحكيم ، الأديب الكبير، كان معجباً بالنموذج الحضاري الغربي، وينصح دائما باعتماده في بيئتنا العربية من أجل النهضة، ولكن المسيري كان دائما يعيد عليه الأسئلة من عينة : أي غرب سنقلده؛ غرب العصور الوسطى أم القرن العشرين؟ ولماذا نقلده ؛ فإذا قلت أنه رفع شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان والإستنارة، فهل صدر للعالم العربي غير الإستعمار والقتل ونهب الخيرات؟ ، ولماذا لا نأخذ ما ينفعنا فحسب؟ ثم .. أين الإستنارة من آخر نماذج الإستعمار الغربي " إسرائيل" ؟ ، ويؤكد المسيري على ماهو أغرب؛ إذ يقول بأن توفيق الحكيم كان مبهوراً بالنموذج الصهيوني وزار الجامعة العبرية بفلسطين، ثم زار – ومعه آخرون بالطبع – إسرائيل أو فلسطين المحتلة !!

وقد ضحى المسيري بحياته الخاصة من أجل الموسوعة فمثلا حينما كان يقرر الذهاب مع الأسرة للمصيف كان عليه أن يملأ حقيبتين بالمراجع عن اليهود ! وحين غزت العراق الكويت صعق د. المسيري لأن كافة أوراق وكتب الموسوعة كانت بالكويت حيث كان يعمل هناك، وقرر السفر من القاهرة فورا لإعادتها وهو ما كبده معاناة خوض الصحراء من الكويت للعراق لمصر بتريلا كبيرة تحمل 30 صندوقا من الأوراق! وقد أنجز موسوعته بتمويل فردي وبحرية بالغة باستثناء منح قليلة منها ما قدمتها جامعة الملك سعود .

بالطبع ذاق من نشطاء الحركة الصهيونية مراراً كثيرا، ومن ذلك سرقة محتويات منزله بما فيها رسالة الدكتوراة لزوجته بولاية نيوجيرسي بينما كانا في زيارة لمدن أوروبية، هذا بخلاف عشرات التهديدات بالقتل إن لم يتوقف عن مهاجمة إسرائيل وأشهر المنظمات التي قامت بذلك جماعة "كاخ" الإرهابية الصهيونية، حتى عينت الشرطة المصرية جنديين لحمايته .

ويؤكد المسيري أن إسرائيل استطاعت تغيير طريقة إدراك شعبها؛ فهي دولة أقامها ملاحدة وليسوا متدينين، وهدفها الحقيقي هو أن تكون جيبا استعماريا غربيا في المنطقة وأن تتخلص أوروبا من اليهود وترسلهم لفلسطين وبذلك تتخلص من العرب هناك أيضا، ونجد حتى اليوم أن الولايات المتحدة تعطي إسرائيل سنوياً عشرة بلايين دولار مقابل أن تصبح الأخيرة قاعدة لها منخفضة التكاليف في حوض الأبيض المتوسط .

ولكن لا يمكن أن تقوم دولة بإقناع شعبها بأنهم غاصبون محتلون، فتم الإستعانة بالتوراة كثيرا وتصوير أن فلسطين إنما هي "أرض المعاد" التي وعد بها الرب، وليس "بلفور" ، وأنهم حينما يقتلون ويقلعون الشجر ويهدمون البيوت إنما هم في حالة دفاع شرعي عن حقهم التاريخي، وبناء عليه ينظر للمقاومة الفلسطينية باعتبارها إرهاباً ومحاولة لسرقة أرض الأجداد!

ويؤكد أيضا في هذا الفصل أن معظم اليهود المعاصرين لا يعرفون شيئا عن التلمود وعلاقتهم بالتوراة لا تختلف عن أي كتاب فلكلور شعبي وليس مقدسا، وأن كثير من اليهود الأمريكيين تحديدا لا تربطهم بالديانة صلة حقيقية ومن هنا يمارسون شعائر مسيحية منها الإحتفال بعيد الميلاد ويتزوجون من مسيحيين أمريكيين أيضا لأن نمط حياتهم المشتركة متشابه .

ومؤسسو الحركة الصهيونية كانوا ملاحدة، وهرتزل مؤسس إسرائيل تركه الحاخام الذي جاء لعقد زواجه دون أن يكمل مهمته لأنه وجد أن الشخص الذي أمامه يجهل تماما الشعائر اليهودية.

أخيرا يرفض المسيري محاولات تهويل نظرية المؤامرة الأمريكية والصهيونية مع اعترافه بوجودها، لأن هذا الأمر سيدفع العرب للإستسلام، بينما لو نظرنا للمقاومين على أرض الواقع في فلسطين سنجدهم يتعاملون مع الإسرائيليين كبشر جبناء يمكن هزيمتهم .

المصدر: عرب نت 5

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على عبدالوهاب المسيري .. رحلة مفكر ثائر حول العالم

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
19128

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة