الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةإصدارات وكتب أدبية › "ابتسم من فضلك!".. قصص للساخر محمد عفيفي

صورة الخبر: الغلاف
الغلاف

عندما توفى لم يشأ أن يمحو الابتسامة التي رسمها على أفواه الناس فأوصى الأسرة بعدم نشر نعيه في الصحف، قائلا في وصيته أن نشر النعي في الصحف أمر فيه إزعاج للآخرين وتزاحم حول مسجد عمر مكرم حيث تقام عادة ليالي العزاء وهو لا يريد الحزن الطويل لأحبائه! بهذه الفلسفة عاش الساخر المصري الكبير محمد عفيفي وكتب هذه الكلمات قبل رحيله، وفي أيام العيد نقلب صفحات من كتابه الشهير " ابتسم من فضلك " الصادر عن دار أخبار اليوم 1981.

تحت عنوان "رسالة إلى ولدي" يرسل الكاتب محمد عفيفي رسالة ينبه بها ولده الرضيع لبعض المتاعب التي ستعكر صفو حياته بين الحين والآخر وأولها المتاعب الجسمية قائلا: بعد ستة أشهر ستفاجأ بالتسنين ثم الحصبة، وحينما ستكبر يا عزيزي ستجد أنه في الوقت الذي تريد فيه أن تلعب سنريد نحن أن تتعلم وتتثقف وذلك بأن تذهب إلى المدرسة وهناك ستتعلم أشياء قد تبدو لك تافهة ولكنها في الحقيقة هامة وحيوية بالنسبة للرجل العصري، مثل اليوم الذي ولد فيه بطليموس الثاني، والمكان الذي تستمر فيه الأمطار طوال العام، والمبلغ الذي كسبه رجل من بيع فدانين بسعر الفدان 594 جنيها!.

وشئ آخر يا ولدي ربما عكر صفو حياتك السعيدة بعض الشئ وهو ذلك الشعور الغريب الذي سيداهمك في سن الخامسة عشرة بأن بنت الجيران جميلة جدا ، ويغريك بأن تترك دروسك وتقف في الشباك لتعاكسها، فإذا بصفعة تنزل على قفاك من يدي وأنا أقول لك "عيب ياولد".

ثم إنك يا ولدي ستأخذ الشهادة وتتوظف، وبذلك ينتهي دوري في تعكير صفو حياتك وينتقل هذا الدور إلى رئيسك في العمل، تقاسمه فيه زوجتك إذا تزوجت.

ويقول عفيفي في النهاية: شئ واحد ربما ذرفت له الدموع بنسبة أكبر من المعتاد في الأيام العادية وهو حينما تخبرك أمك أن أباك رحل عن الحياة، هذه يا ولدي عينة من المتاعب التي ستصادفك في حياتك وهي كما ترى أهون بكثير من أن تستحق القلق أو التشاؤم، فسوف تنتصر عليها كما انتصرت أنا، جانيا سعادتك من خلالها كما يجني العسل من خلية النحل.

المانجو والحكة

تحت عنوان "المانجة والطبقة الوسطى" يقول المؤلف أن علاقة هذه الثمرة تكاد تكون معدومة بالفقير الذي لا يجد ثمنها، وعلاقتها قوية بالأغنياء الذين يشترون منها ما يريدون، ولكن علاقتها بمحدودي الدخل من الطبقة الوسطى معقدة للغاية، ففي جيب أحدهم من المال ما يمكنه من شراء المنجة حتى الهندي منها، ولكنه في الوقت نفسه يعرف أن هذا المال بالكاد يكفي لشراء اللحم والخضار ، ولذا يشعر بتضارب عواطفه أمام المانجو.


وقد قرر المؤلف أن يترك نفسه لنوبة ثورية داهمته فذهب مرفوع الرأس منفوش الصدر للفكهاني يقول له أريد دستة ولا حضرلي دستين ، وينصرف بعدها شاعرا بخفقان في قلبه مع رعدة خفيفة في الركبتين، وتلفتات إلى الناس حوله لا تخلو من شعور بإثم، كأنه سرق المانجو أو كأن الكيس يحمل طربتين حشيش لا فاكهة .. ناهيك عما جرى له حينما أكلها فبدأت معدته في الكركبة وأمعائه في الزغورة، وهي بغير شك حالة من الاحتجاج النفسي العام على أكلي للمنجة!.

وبعنوان "ممنوع الهرش" يحكي المؤلف كيف أنه شاهد في التليفزيون فيلما قصيرا عما لا يجوز أن تفعله المرأة المهذبة ومن ذلك أنه لا يجوز لها أن تهرش أمام الناس في أذنها، قائلا: لا أدري ما السر في وجوبه، هل نريد مثلا أن نقول أن المرأة بعكس الرجل لا تأكلها أذنها أبدا؟ هذا مستبعد طبعا بسبب علمنا بأن الأكلان شئ مقدر على الجميع فلماذا تمنع المراة دون الرجل من إعلان تعرضها لحالة الأكلان في وقتها، ولماذا نفترض أنها تنقص من شأن نفسها برفعها إلى أذنها أصبعا صغيرة تزيل ما بها من الحكة، ويرد إليها راحتها النفسية المسلوبة!.

ولو كانت الحكاية مقصورة على الأذن لهان الأمر، ولكن المرأة المهذبة ممنوعة من هرش رأسها أيضا تحاشيا لما قد يدور في رؤوس الناس من أن في رأسها حشرة من نوع ما، ثم يقول : أعتقد أن تحريم الهرش على المرأة ما هو إلا نوع من التجميد لشخصيتها والانكار لبشريتها، ومحاولة رجعية لتثبيتها في شكل دمية.

بعد عمر طويل

يرى المؤلف أن الجلوس لتلقي العزاء في فقد عزيز أدهى وأمّر من فقده، لأنك مضطر أن تروي قصة الوفاة أكثر من مرة لكل من يأتيك معزيا، ولهذا يقترح المؤلف اقتراحا عمليا ليريح كل من الحزين والمعزين، وهو أنه بمجرد التأكد من وفاة الفقيد وقبل أن يبدأ توافد المعزين يستحضر الحزين ميكروفونا ورجلا يجيد الكلام فيه، ويبدأ الكلام بمجرد اجتماع ثلاثة معزين في المنزل قائلا: سيداتي سادتي إنا لله وإنا إليه راجعون لعله يهمكم أن تعرفوا بما عهد فيكم من تعلق شديد بالفقيد كيف ومتى ولماذا وقع هذا الحادث الأليم ويبدأ في ذكر القصة!.

ويمدح عفيفي هذا الاقتراح قائلا: إذا كان أصحاب الجنازة ميالين إلى الظهور الكاذب فيكلفوا المذيع بأن يقول: وقد تم البدء منذ ساعات في حصر تركة الفقيد، ووصل الرقم حتى هذه اللحظة إلى مئة وستين ألفا من الجنيهات وما نزال في انتظار آخر المعلومات! ، وإذا كانوا من ذوي الدخل المحدود فلعلهم يستطيعون وفقا لهذه الطريقة أن يغطوا مصاريف المأتم عن طريق الإعلانات التجارية، كأن يكلفوا المذيع بأن يقول بين دقيقة وأخرى: وقد عاش الفقيد تسعين عاما وهو في أتم صحة لأنه كان يعرف كيف ينتقي سيجارته من ماركة كذا ..

سبب التدخين

يقول المؤلف: ناظرا إلى آلاف السجاير المتدلية من أفواه الناس في الطرقات، تخيلت مدى الحيرة التي لابد أن تصيب كائنا من المريخ لو أنه نزل إلى الشارع الأرضي ورأى ذلك المنظر، فليس من شك في أنه سوف يتلفت حوله باحثا عن رجل طيب وحكيم يمكنه أن يفسر له ذلك اللغز ومن يكون ذلك الرجل إلا أنا؟.

فسوف أوضح له أننا البشر لنا طريقة مختلفة في التخلص من العادم، وحين يسألني المريخي عن فائدتها للجسم أشرح له العلاقة بين السجائر وسرطان الرئة وبينها وبين ضغط الدم وتصلب الشرايين، وكيف أن كل سيجارة يدخنها الرجل تختصر من عمره شيئا، وخلال هذا الشرح أكون قد أخرجت من جيبي علبة السجائر وأشعلت واحدة، مما يثير دهشة المريخي الذي يسألني لماذا أفعل ذلك وهي مضرة فأجيبه قائلا: أنني حاولت الامتناع عنها فلم أنجح لأن من يعتادها يصبح عبدا لها .



ووسط دهشة الرجل من كيف يعتمد الكائن العاقل استخدام شئ يعرف أنه يؤذيه أجبته أن العالم النفسي فرويد يقول أن في أعماق النفس البشرية شيئا اسمه غريزة الموت، وأن في كل الكائنات العضوية رغبة كامنة في الارتداد إلى الحالة اللاعضوية التي كانت عليها، ولعل التدخين وما إليه من العادات الضارة ما هو إلا صورة مخففة لتلك الغريزة.

ثم ننظر أنا والكائن المريخي إلى بعضنا نظرة طويلة، لأقول له في ابتسامة بعد ذلك: لا داعي للتشاؤم الآن على أي حال فربما حدثت لسبب او آخر طفرة بيولوجية تنقل السيطرة من الفص الخلفي البدائي للمخ إلى الفص الأمامي المودرن وعندئذ يسد السبيل على غريزة الموت، ويتحول السفاحون والجهلاء إلى طيبين وحكماء.

المصدر: محيط / سميرة سليمان

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على "ابتسم من فضلك!".. قصص للساخر محمد عفيفي

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
86994

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
-
-
-
روابط مميزة