الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةأدب وثقافة › كارلوس فوينتس.. روائي المكسيك وأمريكا اللاتينية

صورة الخبر: كارلوس فوينتس
كارلوس فوينتس

في النصف الثاني من القرن العشرين حدثت طفرة كبيرة في مجال الأدب في أمريكا اللاتينية، ظهر خلالها عدد كبير من الكتّاب والشعراء، جسّدوا في ساحتهم الإبداعية أدبا إنسانيا، وفكريا حقق على المستوى الخاص والعام نقلة كبيرة في آداب هذه القارة شكلا ومضمونا، بحيث انعكست آثاره بقوة على الأدب العالمي.

وتحققت من خلال ذلك العديد من الرؤى والتجارب الفنية الحديثة غزت وطالت بأشكالها ومضامينها ساحات الأدب في كل مكان شرقا وغربا، نذكر أبدا، كل من هؤلاء الأدباء "بابلو نيرودا، شاعر شيلي العظيم، صاحب التجليات الثورية في الشعر العالمي المعاصر، والروائية التشيلية إيزابيل الليندي، صاحبة روايات "بولا" و "حب في الظلال"، وغيرها من الروايات المتميزة الناطقة بتجليات المرأة وحدسها وهواجسها الخاصة، والكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز، صاحب الرواية الشهيرة "مائة عام من العزلة".

وواقعيته السحرية التي أصبحت نموذجا سرديا كان له تأثير عميق علي سرديات الرواية المعاصرة، والأرجنتيني جورج لويس بورخيس، الشاعر والقاص الذي لا يباري في فنه والذي استمد من ألف ليلة وليلة كثيرا من أعماله القصصية، وأرنستو ساباتو صاحب روايتي "النفق" و"أليخاندرا" أو الهاوية، وخوليو كورتاثار الذي حققت روايتيه "الأسلحة السرية" و"ماريل" شهرة كبيرة، وإليجو كاربنتييه الدبلوماسي الكوبي صاحب الرواية الشهيرة "مملكة هذا العام" التي صدرت عام 1949 والتي يستحضر فيها تاهيتي وأساطيرها.

ورائعته الأخرى "الخطوات الضائعة" التي يجسد فيها أعماق غابات الأمازون في جنوب أمريكا، باعتبارها الرحم الأخضر الحي لأمريكا، ورينالدو أريناس الذي تمتاز قصصه بغلبة الرمز إلى جانب الحس الأخلاقي الفياض والغوص العنيف داخل الشخصيات، وفي بيرو، نجد ماريو فارجاس يوسا صاحب روايات "المدينة والكلاب" التي يجسد فيها حياة المراهقين في كلية "ليما" وروايته الممتعة "المنزل الأخضر".

وقد سبق أن رشح هذا الكاتب نفسه لرئاسة الجمهورية في بيرو منذ أكثر من عامين، كما نجد في البرازيل كل من باولو كويللهو صاحب رواية "الخيميائي" أو ساحر الصحراء التي ترجمها إلى العربية الروائي بهاء طاهر، وجورج آمادو صاحب روايات "أرض ثمارها من ذهب"، و"دروب الجوع"، و"باهيا"، وفي المكسيك كل من أكتافيو باث شاعر المكسيك العظيم، وخوان رولفو صاحب رواية "بيدرو بارامو" التي صدرت عام 1955 التي كان لها تأثير كبير على أعمال كثيرة في أدب أمريكا اللاتينية، والتي أوحت لجارسيا ماركيز بكتابة رائعته "مائة عام من العزلة"، وأيضا الكاتب ب. ترافن الروائي المكسيكي الغامض، وكارلوس فوينتس روائي المكسيك ومفكرها الكبير، وأحد الكتاب الذين حققوا على المستوى المحلي والعالمي حضورا روائيا وفكريا متميزا للغاية.

وعلى الرغم من هذه الشهرة الكبيرة التي حققها هؤلاء الكتاب جميعا على الصعيد المحلي والعالمي، إلا أن الاهتمام العالمي بهم كان قد تأخر كثيرا، فقد كان عليهم أن ينتظروا سنوات طويلة قبل أن يتمكنوا من حصد جوائز الإبداع العالمي شأنهم في ذلك شأن كل أدباء دول العالم الثالث. وقد تمكن خمسة من هؤلاء الكتّاب من الحصول على جائزة نوبل في الأدب. فقد فازت الشاعرة التشيلية جابرييلا ميسترال بجائزة نوبل عام 1945، وهي أول من فاز بها في أمريكا اللاتينية من الرجال والنساء.

كما فاز بالجائزة أيضا الروائي الأرجنتيني "ميجيل إنجيل أستورياس" عام 1967، وهو صاحب رواية "السيد الرئيس" التي ترجمها ماهر البطوطي، ولحق به جابرييل جارسيا ماركيز عام 1982 حينما لفت الأنظار بروايته الرائعة "مائة عام من العزلة"، وفاز بها أيضا شاعر المكسيك الكبير أكتافيو باث عام 1990، عن مجمل أعماله، كما حصد العديد منهم على جائزة سرفانتس التي تعتبر أكبر جائزة للإبداع الأسباني.
فقد فاز بها الكوبي "إليجو كاربنتييه" عام 1977، وفاز بها الأرجنتيني "جورج لويس بورخيس" عام 1979، وفاز بها من أوراجواي "خوان كارلوس أونيتي" عام 1980، كما فاز بها الروائي والمفكر المكسيكي الكبير "كارلوس فوينتس" عام 1987.

* كارلوس فوينتس
وسط هذه الكوكبة الكبيرة من أدباء أمريكا اللاتينية يقف كارلوس فوينتس كواحد من أكبر روائيها، وألمع مفكريها، وأحد الكتاب القلائل الذين أرسوا دعائم كتابة سردية جديدة في مجال الرواية في أمريكا اللاتينية، وحققوا باقتدار ثراء فنيا وفكريا لفن الرواية في آلية متناغمة مع معاصريه من الكتاب في هذا المجال، وهو أحد الرموز الرئيسية في الأدب المعاصر في قارة أمريكا اللاتينية.

بقي كارلوس فوينتس مجهولا لدى القارئ العربي مثل معظم كتّاب أمريكا اللاتينية، إلى أن صدرت في بيروت ترجمة لروايته المهمة "موت ارتيمو كروز" التي أكسبته بعد صدورها شهرة وسمعة عالميتين، وقد ترجمها للعربية محمد عيتاني وصدرت عن مؤسسة الأبحاث العربية عام 1984. وهو منذ أكثر من خمسين عاما لم يتوقف عن الكتابة وتقديم أعمال روائية مدهشة لقرائه المغرمين بنتاجه السردي في كل أنحاء العالم، فقد استطاع أن يعبر بصدق عن الواقع المعاصر المعيش في أمريكا اللاتينية، خاصة في بلده المكسيك، والتي تنتمي إلى بلدان العالم الثالث، وتمثل أعماله الأدبية في الأوساط النقدية الغربية بما يسمى بسرد اللاتينو- أمريكي.

وقد تأثر كارلوس فوينتس بمواطنه الشاعر والناقد أكتافيو باث، كذلك بالشاعر خوزيه غوروستيزا، ولقد تبدى هذا التأثير في الإشكالية المصاحبة لمبادئ ومثل الثورة المكسيكية التي احتفى بها فوينتس في معظم أعماله الروائية، حيث تتميز أعماله بوجه عام باستخدامه لمرحلة ما بعد الثورة المكسيكية كخلفية تتحرك عليها شخوصه، وتتجسد من خلالها أحداث ومواقف إبداعه.

ومن ثم فقد عبر كارلوس فوينتس في أدبه الروائي والقصصي عن بلده المكسيك خير تعبير حتى قيل أن من كان يريد أن يعرف النواحي الإجتماعية والسياسية والإقتصادية عن المكسيك يقرأ روايات كارلوس فوينتس. والمكسيك كما يصفها أحد الكتّاب بأنها "بلاد عجيبة، لها طابعها الخاص، فهي بلاد أسبانية إسلامية مخططة بألوان الهنود الأزتيك" وتربطها بالولايات المتحدة الأمريكية حدود طويلة كانت مثار نزاعات وحروب مستمرة. حتى أن كارلوس فوينتس في روايته "الكرينكو العجوز" يطرح إشكالية التدخل الأمريكي في شؤون بلاده من خلال الرجوع إلى التاريخ المكسيكي الحديث.

لذا كانت شخصية فوينتس ترتبط إرتباطا كبيرا بانتمائه العجيب منذ نعومة أظفاره إلى بلده المكسيك حتى وهو يعيش في الولايات المتحدة كان ارتباطه بتراب المكسيك هو كل ما يشغل باله أثناء دراسته، حتى وأثناء إقامته داخل أمريكا نفسها.. حتى أن فوينتس يتخذ موقفا من قول معروف للكاتب الأمريكي فيليب روث يفيد بأنه بالنسبة إلى مجتمع أوروبا الغربية يكون كل شيء مهما، لكن لا شيء مسموح به، في حين أن لا شيء يهم في المجتمع الأمريكي لكن كل شيء مسموح به، لذا كانت سياسة أمريكا تجاه دول الجوار تنبع من هذا المنطلق، ولذا ايضا كان رد فعل فوينتس تجاهها قويا وبارزا في كل إبداعاته الروائية والفكرية.

* حياته
ولد كارلوس فوينتس في 11 نوفمبر عام 1928 في بلدة "باناما" حيث كان والده يباشر عمله الدبلوماسي كمستشار ثقافي للمكسيك في الولايات المتحدة الأمريكية، ويقول فوينتس عن ولادته "ولدت تحت الشارة التي كنت سأختارها، برج العقرب، وبتاريخ شاركت فيه ديستويفسكي في روسيا وفوجيت في أمريكا"، وكما يقول أيضا "كانت أمي عند ولادتي قد هرعت خارجة من دار للسينما، وكانت تشاهد فيلما صامتا عن أوبرا بوتشيني ربما يكون هذا الفيلم هو الذي استفز ولادتي في ذلك الحين"، قضى فوينتس طفولته وصباه في أماكن كثيرة من القارة الأمريكية: واشنطن، مكسيكو سيتي، مونتفيديو، بيونس أيرس، سانتياجو، وريديوجانيرو.

بعد حصوله على الإجازة في الحقوق انتقل إلى جنيف لمتابعة دراساته في الدكتوراه، بعدها شغل مناصب إدارية في بلده المكسيك، ثم عين سفيرا لبلاده في فرنسا من 1975 إلى 1977 ثم استقال من منصبه إحتجاجا على تعيين الرئيس المكسيكي السابق دايات أوردات سفيرا للمكسيك في إسبانيا لمواقفه الفاشية ومجازره التي طالت أبناء المكسيك. استقر في باريس فترة من الزمن ثم شغل منصب أستاذ في جامعتي برنستون وهارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية.

تعلم كارلوس فوينتس منذ طفولته تداول الثقافات، وكيفية هضمها ومن ثم كيفية التعامل معها، فهو ابن دبلوماسي ثم أصبح هو نفسه دبلوماسي "سفيرا للمكسيك لدى فرنسا". فقد ولد في المكسيك، وشب في واشنطن حيث كان والده يعمل. وبعد أزمة الثلاثينات الاقتصادية الطاحنة، وعى على هدهدة صور هنري فوندا في فيلم "عناقيد الغضب"، وصوت طقطقة قدمي الراقص الشهير في هذا الوقت فريد أستير. وفي الصيف كان أهله يرسلونه إلى جدتيه المكسيكتين، في مدينة مكسيكو وفيراكروز، : كي لا ينسى لغة البلد ويتعلم تاريخها".

تابع دراسته في شيلي وفيها اكتشف اللغة الاسبانية للمرة الثانية، يقول فوينتس عنها: "كانت تشيلي بلد كبار الشعراء: غابرييل ميسترال، وفسانت هويدوبرو، وبابلو نيرودا، في هذه البلد كانت الكلمات حاملة للحرية وفيه فهمت التحالف بين الأدب والسياسة. في سن الخامسة عشر انتقل إلى بيونس أيريس، ورفض الذهاب لمتابعة دراسته "بسبب وجود الفاشية العسكرية في السلطة". في ذلك الوقت اكتشف الجنس والتانجو، كما اكتشف الكاتب الأرجنتيني جورج لويس بورخيس الذي كان تأثيره عليه كبيرا.

وقرأ له "تخيلات" و"قصة العار" وفي ذلك يقول: "أعطاني بورخيس درسا كبيرا، ومباشرا، وهو حداثة الماضي وهو أمر جوهري بالنسبة إلى أدبي". ويقول أيضا: "وعيت هويتي المكسيكية عام 1938، حين أمم الرئيس المكسيكي كاردوناس البترول، وكان تحد صريح للولايات المتحدة الأمريكية التي تعتمد علي بترول المكسيك اعتمادا كبيرا، كنت في المدرسة الإبتدائية في الولايات المتحدة وكنت محبوبا جدا، فقد كان عمري وقتها تسع سنوات، كنت أصمم الرسومات، وأقيم الحفلات المسرحية، وأحرر الصحف.

وأصبحت بعد هذه الواقعة أعامل كالمريض بالجذام، أو الخارج عن القانون، أصبح الجميع يكرهونني، يديرون لي الظهر، بسبب ما كانت تنشره الصحف من عناوين: " الشيوعيون المكسيكيون يصادرون أملاكنا، آبارنا النفطية، وفهمت منذ ذلك اليوم أنني أنتمي إلى هذا البلد، إلى أحلامه، وكوابيسه وهواجسه، وإلى مستقبله بطريقة ما" .
وفي فرنسا، شعر انه في بلده لأن "المرء يكون من كل الأماكن حتى يكون له أصدقاء"، "فرنسا كانت دائما بالنسبة لنا نحن الأمريكيين – اللاتينيين، نقطة التوازن بين الجنوب الاسباني الرجعي صاحب "محكمة التفتيش" و"الشمال البارد المادي".

* كتاباته
تتميز كتابات كارلوس فوينتس بتأثرها بأجواء الجدال حول هوية المكسيك وسكانه، ولعل هواجسه كلها كانت تذهب في هذا الاتجاه، تجاه انتمائه إلى بلده، وتتميز أعماله في مجموعها بكثافة وتعقيد يجعلان بعضها في كثير من الأحيان عسير الفهم، إضافة إلى تضمنها لنزعة ثقافية مع استثناءات قليلة عن القوالب الكلاسيكية للواقعية التقليدية حيث كانت الواقعية السحرية التي مثلت تيارا وإتجاها عاما في أمريكا اللاتينية احتكره الجيل القديم من كتاب الشعر والرواية قد بدأت تتسلل إلى الإبداع السردي للجيل الجديد من الكتاب.

إضافة إلى هذا الحضور المكثف لواقع المكسيك ذاتها في أعماله الروائية نجد أن الحضور الإسباني له سطوة كبيرة على ثقافتها ولغتها، كما أن الحضور الأمريكي له أيضا جانب لا يخفي استجابة لموضع الجوار مما انعكست محاولات الهيمنة والقمع التي كانت الولايات المتحدة تحاول أن تفرضها علي الدول المجاورة لها في أدب مبدعيها وكتاباتهم .

فقد كتب كارلوس فوينتس أعماله الروائية متأثرا بالأنثربولوجي المكسيكي مستخدما في نتاجه الروائي اللغة الأسبانية مع تضمين أعماله بهذا الواقع المأزوم التي تستخدم فيه الدول الاستعمارية سطوتها علي دول العالم الثالث في محاولات الهيمنة والتسلط والاستغلال. لذا جاءت أعماله كلها من خلال تيمة مشتركة مع العديد من الكتّاب أمثال خوان رولفو وغيرهم .

ويقول فوينتس في شهادة له عن كتاباته: "بدأت في تشيلي بخربشة قصصي الأولى، تعلمّت بأن عليّ الكتابة باللغة الأسبانية، وعرفت إمكانات هذه اللغة لقد أوصلتني وللأبد إلى تلك الأرض الحزينة والرائعة، إنها تحيا في داخلي، وحولتني إلى رجل يعرف كيف يحلم، ويحب، ويحتقر، ويكتب باللغة المولع بها، بالإسبانية فقط، كما أنها تركتني منفتحا على علاقة متبادلة ومتواصلة مع الواقع".

وقد صدر لكارلوس فوينتس في بداياته وبواكيره الأولى مجموعة "الأيام المقنعّة" وهي عبارة عن مجموعة قصص سوريالية صدرت عام 1954، أتبعها برواية "المنطقة الأكثر شفافية" عام 1958، وقد صور فيها نموذجا حيا من سكان العاصمة مكسيكو سيتي وشخصياتها التي عاشوا فيها منذ ثورة عام 1910، كما صدر له بعد ذلك رواية "الضمير الحي" عام 1959، وفيها يغوص فوينتس في واقع خلفية لشخصية قروية من شخصيات روايته السابقة بأسلوب قصصي أكثر مباشرة وتوازنا مع الواقع.

وتعتبر روايته "موت أرتيميو كروز" الصادرة عام 1962، هي أهم إنجازاته الروائية، بعدها جاءت مجموعة "نشيد العميان" 1964، ثم رواية "منطقة مقدسة" 1967، و"عيد ميلاد" 1969، ثم "منزل ببابين" 1970، و"أرضنا" 1975، و"عائلة نائية" 1980، ثم تأتي رواية "كرينكو العجوز" 1985، لتحقق لفوينتس مجدا آخر في هذا المجال، أتبعها برواية قصيرة من نوع النوفيل هي رواية "أورا" ، ترجمة صالح علماني، وقد نشرت بمجلة الكرمل، ع 21|22، 1986، ورواية "كريستبال نوناطو" 1987، و"كل القطط خلاسية"1990.

كما صدرت له رواية باللغة الأنجليزية هي رواية "المرأة المدفونة" عام 1994، وكتاب "الحملة على أمريكا" 1994، ورواية "الزمن المكسيكي" 1995، ثم مجموعة قصصية تحت عنوان "شجرة البرتقال"، ودراسة في "القصة المعاصرة في أمريكا اللاتينية"، 1970، ثم كتاب "سيرفانتيس" وهو عبارة عن كتب في نقد قراءة سرفانتس ورائعته "دون كيشوت" وضع فيها فوينتس كل آرائه نحو الرواية، وتجربته مع كاتبه المفضل.

وحول سؤال وجه إلى كارلوس فوينتس حول مركز الغليان الروائي، والبؤرة السردية الأكثر تميزا، وهل هي موجودة اليوم في أمريكا الجنوبية؟. يرى فوينتس في إجابته أن المسألة أبعد من ذلك وأوسع. إن مفهوم "المركز" برأيه أصبح باليا، يقول: "كان الناقد الفرنسي روجيه كايوا يقول إن رواية النصف الأول من القرن 19 كانت ملكا لأوروبا، ورواية النصف الثاني لروسيا، ورواية النصف الأول من القرن العشرين كانت للولايات المتحدة الأمريكية أما رواية النصف الثاني فهي لأمريكا اللاتينية. لقد كان محقا أكثر مما كان يعتقد.

واستطرد فوينتس في إجابته حول هذا السؤال بأن الجدير بالملاحظة اليوم، ليس حيوية الرواية الجنوب – أمريكية فقط، إنما حيوية "الرواية العالمية" مع ما تجلبه من أفريقيا السوداء، والمغرب العربي والمستعمرات الفرنسية والأنجليزية القديمة، إنها ولادة ما يسميه جوته "أدب العالم"، ونجد في هذا الأدب للمرة الأولى، جانبية ما قد يكونه القرن الحادي والعشرين. واعتقد أن هذا القرن سوف يرتكز على علاقات إجمالية دون التضحية بالاسهامات الخاصة بكل ثقافة.

ولكن دعني أقول عن السؤال الذي يجب أن يسأل هنا، هو لماذا لم تكن الرواية موجودة هنا في هذه الأرض؟ إن عدم وجود حد روائي مذهل في أمريكا اللاتينية هو الغريب، فالرواية هي الوحيدة القادرة على كسر حاجز الصوت، وعملقة التأوهات التي تضج بها أمريكا اللاتينية.

ودعني هنا استعير بعض الكلمات التي تحدث بها الروائي الأرجنتيني "أرنستو ساباتو، يقول ساباتو: أيامنا طويلة هنا، في بيونس أيرس، وفي بوجوتا، وفي سانتياجو، وفي سان سلفادور، بل في أمريكا اللاتينية كلها، ففي هذه القارة، ملايين من البيوت بلا جدران ولا سقوف، وفي ظل هذه البيوت يعيش الملايين من البشر، ينصتون باهتمام إلى الاذاعات التي لا تنطق سوى هذه العبارة "ممنوع التجول"، والتجول ليس ممنوعا في الشوارع فقط، وإنما داخل نفوسنا نحن. إنه الخوف والقهر والتسلط الذي يمنعنا إلا أن نسرد الحكايا معبرّين عن هويتنا ولكن من وراء قناع يحمينا من سطوة الجنرالات السوداء.

وأنا في شبابي، كان لدي الكثير مما أريد قوله، لكنني لم أكن قد امتلكت وسائل التعبير بعد، وأنا أعتقد أن على الأديب أن يكون قابلا لدفع الثمن غاليا، لاختياره مهنة الكتابة، فأغلب الكتّاب يمارسون الكتابة في البداية من أجل الوقت، حتى لا يموتوا، إننا نكتب من أجل ألا نموت، مثل شهرزاد تماما، نبتدع كل يوم حكاية جديدة، حتى نتخلص من الموت لليلة أخرى.

حصل كارلوس فوينتس على العديد من الجوائز أهمها الجائزة الدولية للرواية "رومولو كاجيكوس" من فنزويلا عام 1977، والجائزة الوطنية للأدب بالمكسيك عام 1984، وجائزة سرفانتيس الأسبانية عام 1987، وقد تردد اسمه مرارا كمرشح جدير بجائزة نوبل للآداب.

* سرفانتس وكارلوس وفوينتس
يعتبر كارلوس فوينتس أن سرفانتس أهم كاتب لديه، ويقول حول ذلك: "هذا النبع المتدفق الذي لا ينضب أبدا هو صاحب المسيرة الحقيقية للرواية، وهو الجذر الأصلي لهذه الشجرة السردية الوارفة بشكلها التي هي عليه ومضمونها الموجود تقريبا في جميع النصوص التي نقرأها في هذا المجال، إنني أقرأ "الدون كيشوت" كل سنة باستمرار، وفي كل مرة هي قراءة مختلفة بالنسبة لي، وجدت في هذا الكتاب الحرية لتعددية الأجناس السردية ففيه: رواية الفروسية، رواية الحب، الرواية البيزنطية، الرواية داخل الرواية.

في أحد مشاهد الرواية، يدخل "الدون كيشوت" إلى مطبعة – إنها المرة الأولى التي تظهر فيها مطبعة في رواية – أين كانوا يطبعون كتابا مثلا مثل "الدون كيشوت" هذا هو التراث الأدبي حين يتحول الأدب إلى خيال دون أن يزعم أنه الواقع، بين سرفانتس وستيرن وديدرو، هناك استمرارية، نجدها فيما بعد في أدب أمريكا اللاتينية كلها بدءا من أعمال الروائي الكبير الوحيد اللاتينو أمريكي في القرن التاسع عشرن: ماتشادو دي آسيس، وقد تعلق بهذا التراث بعد ذلك جورج لويس بورخيس وكتاب آخرون من قارتنا.

لا شك أنني واحد منهم. وترتحل الرواية للأبد على طريق دون كيخوتة، من أمان المتشابه إلى مغامرة المختلف، هذا هو الطريق الذي سلكه دون كيخوته والذي أردت الرحيل إليه. لقد قرأت روسّو، أو مغامرات الأنا، وقرأت جويس وفوكنر، أو مغامرات النحن، وقرأت سرفانتس أو مغامرات الهو الذي سماه الكسول، القارئ الودود، كما قرأت رامبو في رذاذ من النار، وفي نور من الحماسة، سألته أمه عمّا تقول قصيدة معينة من قصائده وأجاب: "أردت أن أقول ما تقوله هنا، بمعناها الحرفي، وبكافة المعاني الأخرى".

أصبحت مقولة رامبو هذه قاعدة غير منحازة لي ولما نكتبه جميعا اليوم، كما أن القوة الحالية لأدب العالم الأسباني، الذي أنتمي إليه، ليست مغايرة لطريقة الفهم الذي يعنيها رامبو بقوله: قل ما تعنيه، حرفيا وبكل المعاني الأخرى. وقد قال كل كتّاب أمريكا اللاتينية ما يريدونه وأعتقد أنه قد وصل إلى الدنيا كلها وفهمته ووعته جيدا، بل وبدأت في تقليده.

وقد سمعت أن أدباء كثيرين من الولايات المتحدة غارقون الآن في قراءة ماريو فارغاس يوسا وخوليو كورتازار، وجابرييل جارسيا ماركيز وأعمالي أنا أيضا. إن هذا شيء لا يثير دهشتي بمقدار ما يثير سعادتي، لأنني كنت أدرك منذ البداية أن تقدم الفن وتطوره، لا يمكن أن يتم دون حدوث تفاعل متبادل بين الثقافات.

وقد حصل فوينتس على جائزة سرفانتيس للآداب وجري تسليمه الجائزة في حفل مهيب جرى في جامعة "الكلادي هيناري" حضرها عدد كبير من رجال الأدب والسياسة في أمريكا اللاتينية وقد ألقى فوينتس كلمة عبر فيها عن هويته الأدبية والإنسانية والقومية قال فيها": إذا كانت هذه الجائزة التي تشرفني وأقدر قيمتها تعتبر خير جائزة تمنح إلى كاتب بلغتنا، فإن هذا يرجع إلى هذه الجائزة المشتركة.

أنا أشارك في جائزة "ثيربانتيس". أول ما أشارك، وطني المكسيك، وطن دمي وكذلك وطن خيالي المتصارع دوما، المتناقض أبدا لكنه متعلق بأرض آبائي. المكسيك هي تراثي، بيد أنها ليست موضع عدم إكتراثي، إذ أن الثقافة التي تمنحنا معنى واستمرارا لهي شيء أكيد أناله كل يوم في حدة وليس في راحة . إن أول جواز سفر حصلت عليه كوني مواطنا مكسيكيا، لم أنله بتشاؤم السكون بل بتفاؤل النقد. لم تكن لدي أسلحة للقيام بذلك غير أسلحة الكاتب: "الخيال واللغة" .

لقد كانت سرديات كارلوس فوينتس هي الفيصل والفارق في حياته الإبداعية، وهي التي شكلت من شخصيته الإبداعية حياة خاصة أوصلته إلى جائزة ثيربانتيس وجائزة الرواية السردية التي استطاع أن يحقق من خلالها هويته المكسيكية الحقيقية التي قال عنها وزير الثقافة الأسباني "خافيير سولانا" Javier Solana : "إن كارلوس فوينتس يعتبر أحد المجددين في الرواية الأمريكية الأيبرية الحالية. إذ أن النجاح الباهر الذي أحرزته روايته الأولى "أكثر المناطق شفافية" التي ظهرت قبل ثلاثين عاما هي إحدى الصواعق التي تفجرت فبعثت هذه الحركة التي بهرت العالم الأدبي.

* سردياته
وفي سرديات فوينتس تتبدى مواطن الولع بالحرية في كل نسيج هذه السرديات، كما تكمن في توجهاتها وأحلامها وطبيعتها رغبة فوينتس في أن تتحرر أمريكا اللاتينية كلها، وترفد من داخلها مدينة فاضلة ينعم تحتها الجميع بالخير والحرية والطمأنينة والحياة الرغدة السعيدة.

في رواية "عرش النسر" يتنبأ كارلوس فوينتس بالعودة إلى الوراء حيث يجسد واقعة تحدي رئيس المكسيك لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه دول أمريكا اللاتينية، فيطالبها بالإنسحاب من كولومبيا، ويمنع تصدير النفط إليها إلا إذا دفعت سعر أكبر من هذا الذي تدفعه. وترد أمريكا بقطع نظام الإتصالات مع الأقمار الصناعية في مكسيكو سيتي فتتعطل وسائل الإتصالات في المدينة فيتوقف كل من الهاتف والفاكس والبريد الألكتروني، وتعود الرسائل مرة أخرى كوسيلة وحيدة للإتصالات. وتبدأ سلسلة من المؤامرات على رئيس المكسيك كرد فعل لمغامراته وعناده وتحديه.

يكتب فوينتس روايته على شكل رسائل تبدو السياسة هي محورها الرئيسي، الطمع في السلطة، المتأمرون ينجحون في الوصول الى "عرش النسر" حيث الرئيس المتعب من صراعه مع ايديولوجيته من ناحية ومع مرض السرطان من ناحية أخرى.

وكما شكلت شخصية الدكتاتور، الجنرال غالبا، محور العديد من الشخصيات الروائية في أدب أمريكا اللاتينية "كما لدى استورياس وماركيز وفارجاس يوسا" لعبت شخصية الصحافي الإنتهازي دورا في العديد من الروايات خاصة عند فوينتس الذي استخدمها استخداما خاصا كشف من خلاله طبيعة الدور الذي تلعبه هذه الشخصية في الحياة السياسية والإجتماعية.

وفي روايته المهمة "موت أرتيميو كروز" يجسد فوينتس حياة شخصية "أرتيميو كروز" الصحافي الذي شارك في الثورات المكسيكية قبل أن يتحول إلى الصحافة، ويتمحور الشكل السردي لهذا النص وأرتيميو على فراش الموت محاطا بأفراد أسرته وبعض الأطباء، إلا أن هناك شخصا آخر غير مرئي لا يراه سوى "أرتيميو كروز" نفسه، يراه ويتحدث إليه، ويدلي أمامه بكل أنواع الإعترافات، وما الرواية كلها سوى هذه الإعترافات، تبدو في البداية وكأنها مناجاة طويلة يحدث بها أرتيميو نفسه مستعرضا ماضيه بكل ما يحمل، لكن سرعان ما يخوض المحتضر في حوار مع "آناه الآخر" ذلك الشخص الخفي الذي هو "توأمه اللدود" أو قرينه، أو ضميره الذي استيقظ فجأة، والذي لا يتوقف عن توجيه اللوم والتقريع إليه، مستعرضا معه ذلك الماضي.

والحقيقة أن كل التهم وضروب اللوم الصادرة عن هذا "الأنا الآخر" إنما هي محاولة من أرتيميو لسكب مزيد من الإعترافات حول ماضيه، وتوجيه اللوم إلى ذاته، ومحاولة تبرير ممارساته بكل وسائل التبرير، ومحاولة رسم صورة ترضية ذاتية لذلك الماضي. فقد مر أرتيميو في حياته بالعديد من المواقف الصادمة كان أولها فقده حبيبته الحسناء "رجيينا" بعدها تحول للوصول إلى مراكز السلطة بشراهة غير عادية، وبدأت مسيرته تجاه النجاح. وصار هذا النجاح والاستيلاء على السلطة هي قضيته الفردية التي كان يصارع من أجلها في مكيافيلية مفرطة.

من خلال تجسيد هذه الشخصية الصحافية الانتهازية التي كثر وجودها في الرواية العالمية والعربية – "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ، "الرجل الذي فقد ظله" و"زينب والعرش" لفتحي غانم – أصبحت شخصية أرتيميو كروز واحدة من أغنى الشخصيات وأكثرها جدلية في أدب أمريكا اللاتينية بل في خارطة الأدب العالمي.

كما يبدو كارلوس فوينتس في روايته "الغرينغو العجوز" وكأنه يستشعر معنى الثورة، ويعيد صياغة واقعها المتخيل من أكثر من زاوية، وفيها تتجلى حنكته الإبداعية في كتابة نص يستقي من التاريخ تفصيلا صغيرا وهو "إختفاء الكاتب الأمريكي أمبروس بيرس في المكسيك إبان الثورة" ليشيد من هذه التيمة عالما يكشف من خلاله الواقع وتجلياته الآخذة في التنامي والتصاعد على نحو ينذر بالإنفجار.

كما يكشف عن حيوات ذات طابع خاص يتسم مناخه بالتحدي وينزع إلي الثورة على مظاهر الظلم والقهر والتعنت التي تمارسه الدول الإستعمارية على بلدان أمريكا اللاتينية، وهذا ما اشار إليه خوليو كورتاثار في معرض حديثه عن الرواية الثورية: "ليست الرواية الثورية هي فقط تلك التي يكون لها مضمون ثوري، بل هي تلك التي تحاول تثوير الرواية ذاتها شكلا ومضمونا". وهو ما فعله فوينتس في العديد من نصوصه الروائية، إذ اتسمت أعماله السردية بنوعية خاصة من الرؤية التجريبية، وجنوحها نحو الواقعية النقدية.

كما أن أهم ما يميزه عن كتابات معاصريه هو شدة تحمسه للقوى الخفية التي تكمن تحت سطح الكبت الذي يستشعره المجتمع في أمريكا اللاتينية. وتدفعه في النهاية نحو كارثة الطوفان، وبهذا المعنى فإن إنتاجه ليس عميق المغزى فقط ، لكنه نموذجي في حد ذاته أيضا.

المصدر: عرب نت 5

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على كارلوس فوينتس.. روائي المكسيك وأمريكا اللاتينية

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
68031

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة