الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةإصدارات وكتب أدبية › الساخر الكبير محمود السعدني يودع الطواجن المصرية !

صورة الخبر: وداعا للطواجن - محمود السعدني
وداعا للطواجن - محمود السعدني

يعتبر محمود السعدني رائد الكتابة الساخرة في الصحافة العربية، وهو يمثل ظاهرة فريدة في الأدب العربي المعاصر، حيث اجتمعت فيه خصائص الأديب العربي كما عرفته مجالس البصرة والكوفة، بخصائص الشخصية المصرية المسماه بابن البلد، الذي يتردد على المقاهي في المدينة، والمصاطب في القرى وشطآن المصارف والقنوات، كما يصفه الأديب خيري شلبي.

تعرض السعدني للسجن في عهد عبد الناصر، وتمت إدانته بتهمة الإشتراك في محاولة إنقلابية على الرئيس أنور السادات وسجن على إثرها.. عاش في منفى إختياري بلندن، ثم عاد سنة 1982 م بعد اغتيال السادات.

والكاتب الذي أعتزل العمل الصحفي والحياة العامة سنة 2006 م بسبب المرض، أثرى المكتبة العربية بالعديد من مؤلفاته منها: "تمام يا أفندم، الظرفاء، مذكرات الولد الشقي، الحان السماء، الولد الشقي في المنفى، الموكوس في بلاد الفلوس، الولد الشقي، عودة الحمار، الولد الشقي في السجن، مسافر بلا متاع، أحلام العبد لله، خوخة السعدان، الطريق إلى زمش، مصر من تاني، السعلوكي في بلاد الأفريكي، بلاد تشيل وبلاد تحط، وداعا للطواجن، حمار من الشرق، أمريكا يا ويكا، المضحكون، رحلة ابن بطوطة، حكايات قهوة كتكوت".

في كتابه الذي بين أيدينا "وداعا للطواجن" يتعرض السعدنى لتجربته مع الأكلات الدسمة التى اعتاد عليها أيام شبابه وكيف وصل به الأمر إلى الأكل المسلوق حسب وصفة الأطباء، فيقول:

" لم يعد أمام العبد لله خيار.. الاعتزال أو الموت الزؤام! حكم من محكمة القضاء والقدر المشمول بالنفاذ. وأنا متهم بالخيانة، وتهمتي أنني تعاونت على مدى ستين عاما مع هيئات ضد البشرية اسمها المطاعم، ومع مجرمي حرب اسمهم "الطباخين"، وأنني حشرت في أمعائي قطيعا من الحيوانات خلال المدة التي عشتها على الأرض تكفي غابة من غابات أفريقيا. وأنني شربت مية طرشي تكفي لقتل عدة أجيال. وقد حانت اللحظة لألقي مصيري كمجرم حياة".

ينقسم الكتاب إلى عدة فصول جاءت بعناوين "وداعا للطواجن- المعدة بيت الانشكاح- مرحبا عصر المسلوق- أقبض.. وابدأ الحياة!- ويوم ننام على الفراش- على مذهب الأصفهاني- اعرف ربك وكن ما تشاء - شهداء التركي - النار.. النار- دوسرة الحاج أبو حسن – الصيت ولا الغنى – حساء شبل الأسد – غاندي ومعزته – عن الكوارع والقواقع – الضيوف والضيافة – الجاح بندق الكنتكاوي – من طأطأ لسلامو عليكم".

الأدب للطعام!
يؤكد لنا الكاتب بسخريته المعهودة أن كل الناس تعيش لتأكل، وليس كما يقول بعض الفلاسفة إن بعض الناس تأكل لتعيش وبعضها يعيش ليأكل، فحتى الرزق اسمه أكل عيش! وأبرز فرق بين الفقراء والأغنياء هو الأكل.

ويروي أنه في الخمسينيات من هذا القرن وعندما نشبت المعركة بين الأدباء والنقاد حول الأدب وهل الأدب للأدب؛ أم الأدب للحياة؟ أجاب أمين مجاهد على السؤال بأن الأدب للطعام!

وهو قول صحيح للغاية لأن أدب الطعام له وجود في بلدنا وفي تاريخنا وذاع امره واشتهر في العصر الفاطمي، ثم أصبح هو الأدب الوحيد في العصر المملوكي حيث كان الحاكم أعجميا لا يفهم لغة العرب، وأغلب المسئولين من أعاجم خارج الحدود.

في ذلك الوقت كان الطعام هو الشغل الشاغل للأدباء والشعراء وحتى الشعراء أنفسهم كانت أسماؤهم تنسب إلى الطعام، الشاعر الزيات والشاعر الجزار والشاعر السمان –نسبة للسمنة- وكان أشهرهم هو الشاعر الجزار وله مقولة عندما سأله أحدهم عن الفرق بين الشعر والجزارة فقال: عندما كنت جزارا كانت تتبعني الكلاب وعندما تحولت إلى شاعر أصبحت أتبع الكلاب!

وهي إجابة ذكية وتكشف عن واقع الأحوال في مصر في تلك الأيام. لأن الأديب والشاعر في تلك الأيام لم يكن أكثر من متسول يعيش على موائد الأثرياء ومعونتهم. صحيح أن الواقع لم يختلف كثيرا الآن، ولكن الشكل هو الذي اختلف ولم يعد الثري تاجرا في السوق ولكن حل محله تجار من نوع آخر، رؤساء أحزاب ورؤساء حكومات ورؤساء أجهزة.

ويدخلنا المؤلف إلى السياسة من باب الطعام فيقول: "حظ العبد لله المهبب أنني قضيت أربعين سنة من حياتي الزوجية ألتهم المحمر والمشمر، ثم فجأة صدرت الأوامر بأكل المسلوق. أصبح حالي مثل حال زعماء إسرائيل، قضوا العمر كله في العدوان وفي التقتيل وفي سفك الدماء. ثم صدرت الأوامر فجأة برفع شعارات السلام! أصبحت مثل الروس الذين عاشوا العمر كله في الحنجوري المتشنكح في المنجوري، ثم فجأة بين عشية وضحاها أصبحوا دعاة حرية وديمقراطية ومن عملاء الشواشي العليا للبرجوازية.

قاطرة التاريخ

الأكل هو مسير التاريخ كما يراه السعدني الذي يقول: بعض السادة يتصورون أن الطعام مسألة هايفة وأنه مجرد وسيلة للعيش وواسطة لمواصلة الحياة. وهذا الكلام فارغ لأن الأكل هو مسمار البطن وهو أيضا قاطرة التاريخ، ولم تقع ثورة في التاريخ القديم والحديث إلا بسبب انقطاع رواتب الجند او بسبب غلاء المعيشة وندرة الموارد الغذائية وتفشي المجاعة بين الناس، ولا يمكن أن يسود الرخاء إلا بحاكم عادل يسوس الرعية على أسس بينهم مرعية ليحول بين أطماع البعض لأكل حقوق البعض الآخر.

ولذلك في أيام عز مصر كان من المتعذر أن ترى في شوارع القاهرة "شحاتا" يسحب هرابيده وينادي في الأسواق.. عشانا عليك يا رب!

ولكي نعرف أهمية ومقام الأكل في التاريخ نجد أن ديوان العرب يرتكز في مديحه على نقطة واحدة هي إطعام الطعام، فصاحب الجود والمكارم هو الذي يوقد النار أمام مضاربه لكي يدل الضيوف على مكانه. وكان الشاعر العربي إذا أفحش في هجوه اتهم خصومه بأنهم لا يستقبلون ضيفانا ولا يطهون طعاما يقدمونه لعابر سبيل.

وفي الثلاثينات من هذا القرن فضح الشاعر عبد الحميد الديب مجتمع مصر بأشعاره عن محنته في الصياعة والتشرد والجوع في إحدى قصائده فقال:

وهام بي الأسى حتى *** كأني عبلة والبؤس عنتر

وبعد موته كتب كامل الشناوي في رثائه: اليوم مات شاعر تعرى واكتست الأضرحة، وجاع وشبعت الكلاب.

وعندما يختل نظام المجتمع يجوع شاعر عظيم مثل الديب بينما تشبع الكلاب في الشوارع. وحياة الديب هي أفضل وسيلة لمعرفة حقيقة ما كان يجري على أرض مصر في العشرينات والثلاثينات، حين انقسم المجتمع المصري إلى قسمين وبينهما خندق عميق، جوع هنا وشبع هناك، وفرة هنا وندرة هناك،



ولذلك عندما ضربت الأزمة الاقتصادية العالم كله سنة 1930 اختبأ الأثرياء في قصورهم يأكلون المحمر والمشمر، بينما كان الفقراء يطوفون في الشوارع يبحثون في أكوام الزبالة عن شيء يسدون به رمقهم ويبعدون عن أنفسهم شبح الموت.

اعرف ربك

في أحد الفصول يوضح المؤلف أن بعض الجهلاء من وعاظ السلاطين يدعون الناس إلى شظف العيش كدليل على صدق الإيمان، وهي مسألة سياسية وليست دينية، "لأن عمنا القطب الصوفي الكبير سيدي الحسن الشاذلي كان لا يأكل إلا أطايب الطعام، ولا يرتدي اللين من الملابس.

وقد سأله أبو العباس المرسي: هل يأكل الخشن من الطعام ويلبس الخشن من الملابس. وكان جواب الحسن الشاذلي لتلميذه المرسي أبي العباس: يا أبا العباس اعرف الله وكن كيف تشاء".

وفي فصل أخر يؤكد السعدني أن الرجل الشرقي عصبي وعديم الصبر لأن مصرانه الغليظ ملتهب، وهو كسول وبطيء الحركة وتتلون حياته بلون الزفت إذا لم يتمدد ساعتين في الظهيرة.

والسبب أن معظم هذه المواد المتفجرة التي يأكلها تحتاج غلى دم كثير، فتسحب المعدة الكمية اللازمة لها وتترك باقي الجسم يعاني من نقص السيولة، ولذلك فهو ينام في المكتب وفي الأتوبيس وينام على القهوة، وأحيانا ينام البعض وهم سائرون في الطريق العام. والرجل الإنجليزي مثلا يأكل ما يفيده ونحن نأكل ما يلذ لنا ويفسد حياتنا.

ولذلك لا نجد إنجليزيا أو فنلنديا نائما بالنهار. إنهم ينفذون تعاليم القرآن ونحن نصنع عكسها. قال تعالى "وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا" ولكن أغلب العرب حتى الموجودين في لندن ينامون فترة الظهيرة، مع أن الجو هناك لا يشجع على النوم بالنهار، وهي مسألة تثبت أن الطقس بريء من جريمة نومنا في النهار.



هزيمة المستورد

يحكي السعدني عن جده الذي عاش مائة وعشرين عاما إلا قليلا، ولم ير الطبيب إلا في العام الأخير من حياته، ولم يكن محتاجا إلا لجرعة فيتامينات، ولم يمرض في حياته إلا بالبرد والزكام ووجع الأسنان. لم يعرف السكر أو الضغط الطريق إليه، ولم يتسلل الفشل إلى كلاويه أو الفيروس إلى كبده، لأنه كان يأكل طعاما بلا كيماويات، ويشرب مياها غير مختلطة بمياه المجاري، ويتنفس هواء لم يفسده عوادم السيارات، لأن قريته لم يكن يمر بها أي نوع من الموتورات، وأرضه لم تعرف أي نوع من الأسمدة إلا الأسمدة العضوية

وكان رغيفه من القمح ويتم نضجه في فرنه داخل الدار، وكانت دجاجته من عشته وكان أكلها من نبش التراب، وكان حليبه من الجاموسة وسمنته صنع يد جدته عزيزة وهي زوجته الرابعة التي عاشت معه حتى النهاية.

لم يهزمنا الاستعمار الإنجليزي ولم يهزمنا العدوان الإسرائيلي ولكن هزمتنا أغذية السيد المستورد عديم الذمة قليل الأصل وطاردونا بسلعهم المغشوشة على شاشة التلفزيون وربحوا الملايين وقتلوا الألوف من شعبنا الله يخرب بيوتهم ويكب زيتهم.

وأخطر من فساد الصنف، فساد الضمير، وأسوأ من فساد الضمير فساد الذمم! بتوع الجمرك لهم جعل، ومفتش الصحة له نصيب، ومفتش التموين له معلوم، ووزير الصحة طبيب وعلى نياته، ولذلك نسب في بيانه (التاريخي) فساد اللحمة إلى بخل البقالين وأصحاب السوبر ماركت، ليه؟ لأنهم يقطعون النور عن الثلاجات في فترة الليل، فتصاب اللحمة بالعفن وتصبح غير صالحة للاستهلاك الآدمي، مع أنها كانت صالحة في فترة النهار!!

سلوكيات الطعام

يذكر لنا المؤلف في فصل جديد آداب الطعام، ففي كتاب "آداب السلوك في معاملة الملوك" أن الأكل مع الملوك شرف، ولكنه يحذر الآكلين من التصرف بحرية على مائدة الملك لأن الشرف في المؤاكلة وليس الأكل.

وللإسلام آداب وتقاليد في الأكل. فإذا دعيت إلى وليمة لا تصطحب معك أحدا، فقد يكون صاحب الدار غير مستعد لاستقبال هذا الضيف. ومن الآداب أيضا أن ينصرف الضيف بعد الانتهاء من الطعام بفترة وجيزة، لأن المكوث طويلا قد يؤذي صاحب الدار.

والشكر لصاحب الدعوة واجب والدعاء له باستمرار النعمة ومواصلة العيش الرغد سنة، وعن أنس بن مالك أن الرسول ذهب إلى سعد بن عبادة فجاءه بخبز وزيت فأكل الرسول (ص) ثم قال: "أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة".كذلك هناك مبدأ ثابت ولا يتغير، إذا خيرك صاحب الدار بين نوعين من الطعام، فاختر الأسهل والأبسط.

اختفاء المعلم!

يرصد السعدني ظاهرة اختفاء المطاعم المتخصصة في القاهرة، ويتساءل عن السبب في هذا الإفلاس، ويلخصه في عدم وجود "المعلم"، وإن أغلب أصحاب المطاعم الجديدة يملكون الفلوس ولا يملكون سر الصنعة. وغالبا علاقة هؤلاء بالصنعة مفقودة ومقطوعة.

ويرى أنه على وزير السياحة الاهتمام بهذه الناحية على أساس أن هذه المطاعم جزء هام في تشجيع السياحة العربية، لأن بعض المدن تعرف بمطاعمها. ففي المدن الشهيرة بأوروبا مطاعم كثيرة تقدم مختلف ألوان الطعام، وفي باريس مثلا يوجد أطلس للمطاعم.

ويقول: ولا شك أن أبو شقرة الكبابجي، أو العجاتي الحاتي بدأ المهنة قبل كنتاكي فرايد تشكن، ولاشك أيضا أن صنعة العجاتي وأبو شقرة أو أبو لاشين أفضل ألف مرة من صنعة العم كنتاكي. ولكن المعلمين المصريين توقفوا عند أول خطوة على طريق النجاح، وقبل كل منهم يده ظهرا وبطنا، ولكن العم كنتاكي طور وغير وفرض خلطته على العالم كله، وهذا هو الفرق بين الأسطى الأمريكي والأسطى المصري، الأسطى المصري بالتأكيد أفضل وأحسن، ولكنه يخشى العين الشريرة إذا اتسعت أعماله أو امتدت تجارته. وبينما شعار الصانع الأمريكي: اسع تسعى معك الحياة، تجد شعار المصري: القناعة كنز لا يفنى.

المصدر: محيط

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على الساخر الكبير محمود السعدني يودع الطواجن المصرية ! (2)

العباس السكرى | 12/5/2010

مات مثل الاشجار واقفا شامخا . مات وهو يعشق الضحك والحياة . وهو يصنع البسمة ويرسمها على شفاه العالمين . اليوم بعد وفاته اكتب عنه ولم يتسنى لى من قبل ان اراه سوى مرة واحدة . كتبت عنها صفحة كاملة بجريدة الخبر تحت عنوان " العباس السكرى فى حضرة محمود السعدنى شيخ الساخرين " رحمه الله

العباس السكرى | 4/1/2010

ملف رائع يتناول احد شخصيات العظيمة بشكل جميل وسهل وفى تقييمى انه من اشيك الملفات

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
88113

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة