الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةإصدارات وكتب أدبية › ‮ ‬الْحَياةُ‮ ‬السرية للمجنون الأخضر‮:‬ شعرية المحبة‮!‬

صورة الخبر: ‬الْحَياةُ‮ ‬السرية
‬الْحَياةُ‮ ‬السرية


إن الحياة التي نعيشها‮ ‬محشوة بالثنائيات الضدية،‮ ‬والتناقضات اليومية،‮ ‬لأن طبيعة الإنسان المتقلبة ما بين الحب والكراهية،‮ ‬والنصر والهزيمة،‮ ‬والشجاعة والجبن،‮ ‬القوة والضعف،‮ ... ‬إلخ،‮ ‬جلها ثنائيات ضدية‮ ‬يتشكل‮/ ‬ينتج‮ ‬عنها الجمالي والمعرفي لدي الإنسانية بعامة،‮ ‬تجلي ذلك كله في ديوان الحياة السرية للمجنون الأخضر،‮ ( ‬روافد ـ القاهرة‮ ‬2015‮ ) ‬وهو‮ ‬الديوان الشعري الخامس للشاعر المصري عصام أبو زيد‮ . ‬
‮ ‬يحاول الشاعر في هذا الديوان أن‮ ‬يكسر كل الحواجز الثابتة والمستقرة‮ ‬في قصيدة النثر،‮ ‬محاولا الإسهام في تحويل جل هذه الحواجز إلي جماليات جديدة في القصيدة التي‮ ‬يكتبها‮ ‬،‮ ‬منها علي سبيل المثال الزهد اللغوي،‮ ‬ونزيف الصورة الشعرية،‮ ‬وهمس الإيقاع الاستعاري‮ ‬والتخفيف من مجانية النص،‮ ‬وقتل المجازات المنمقة،‮ ‬يتضح ذلك من خلال اسقاطاته‮ ‬الواضحة‮ ‬المتعمدة لكل الزخارف اللفظية،‮ ‬والمجازات المستهلكة،‮ ‬والتقليدية من قبل،‮ ‬منتجا مجازاته الخاصة،‮ ‬ومفرداته التي تمس الآخر المشغول بالذات الشاعرة داخل النص،‮ ‬فانشعل الشاعر بعملية فنية،‮ ‬وهي قلب تراسل الحواس ما بين الذات والآخر،‮ ‬لأن الذات هي التي تكون مشغولة بذلك الآخر الذي‮ ‬يكمل النصف الثاني من الحياة‮ . ‬
‮ ‬تبدي‮ ‬ذلك من خلال‮ ‬العنوان‮ ( ‬الحياة السرية للمجنون الأخضر‮ ) ‬وهو عنوان‮ ‬يغري بالتأويل محتويا تفاصيل كثيرة تدل علي سردية الحياة‮ ‬التي‮ ‬يعيش داخلها الإنسان‮ / ‬المجنون،‮ ‬وكأن الشاعرّ‮ ‬نفسه هو صاحب هذه الحياة التي‮ ‬يعيش فيها‮ . ‬كما أن العنوان‮ ‬يطرح الكثير من الأسئلة الملغزة منها علي سبيل المثال ماذا تعني الحياة السرية ؟ ومن هو المجنون الأخضر ؟ وهل هناك حياة خاصة للمجانين ؟‮ ‬
‮ ‬في ظني‮ ‬أن الشاعر عصام أبو زيد‮ ‬اتكأ علي بنية عنوانية طويلة ارتكزت علي مشهد سريالي واسع،‮ ‬اكتنز فيه الشاعر صورة الحياة السرية التي‮ ‬يعيشها المجنون الأخضر المتوهم،‮ ‬كما أن مفردة الأخضر جاءت صفة للمجنون،‮ ‬وهي تشير مباشرة إلي العقيد معمر القذافي‮ ‬صاحب الكتاب الأخضر‮ . ‬ومن ثم نجد الحس السياسي المشبع بالرومانسية في طريقة الكتابة الشعرية‮ ‬لدي عصام أبوزيد التي تتأرجح ما بين الهامش والمتن الشعري نفسه‮ .‬
‮ ‬ويبدو أن الشاعر اعتمد علي تقنية المفارقة المشهدية التي تتواتر كثيرا داخل الديوان،‮ ‬وكأنه هو البطل السري الذي‮ ‬يمتلك مفاتيح عديدة للدخول في عوالم الحياة السرية للذات نفسها التي توهمنا أن المجنون الأخضر،‮ ‬هو هذا الصوفي الذي‮ ‬يلف عمامته كل مساء ملتحما بعشقه الأبدي،‮ ‬محاولا الذوبان في ملكوت الحبيب الأكبر‮ . ‬فيقول في نص قصير بعنوان‮ ( ‬امرأة‮) : ‬
‮ " ‬كلما رأيتُ‮ ‬امرأة قادمة‮ ‬من بعيد قلتُ‮ ‬إنها أنتِ‮ ‬
نفس الملامح‮ ‬العذبة،‮ ‬ونفس الخطوة‮ ‬التي أثقلها‮ ‬الحنان‮ . "‬
‮ ‬ثمة جدلية ما‮ ‬يقوم عليها هذا النص القصير وهي الصراع ما بين الحنان والقسوة‮ ‬الثقيلة،‮ ‬تلك القسوة التي تعيش داخلها الذات الشاعرة أثناء بحثها عن الحبيب الغائب،‮ ‬فتصبح الحياة نفسها صانعة لها،‮ ‬من خلال الكشف المستمر عن صورة امرأة لا تجيء،‮ ‬امرأة ما لاتشبه سوي نفسها،‮ ‬فتصبح المفارقة واضحة في حضور الأنثي الحبيبة وغيابها في الوقت نفسه‮ . ‬
‮ ‬ونلاحظ أن الشاعر‮ ‬يستمد من المرأة روح الحياة الشعرية فيقول في القصيدة الأولي‮ ‬بعنوان‮ " ‬أجمل القصص لم تكن‮ ‬يوما جميلة‮ " ‬
‮ " ‬متي تفهمين أن لحظة‮ ‬الاعتراف بالحب هي نفسها لحظة الوداع‮ .‬
الحب‮ ‬العظيم‮ ‬يا عزيزتي لا‮ ‬يعيش بالتحقق‮ ‬
أجمل القصص لم تكن‮ ‬يوما جميلة‮ ‬
ضلوعنا‮ ‬التي تحطمت إلي أقواس نصر‮ ‬
عند مداخل المدينة‮ ‬هي التي تصنع الجمال‮ .‬
اكتبي شيئا‮ ‬عن قصة‮ ‬الصورتين‮ ‬اللتين كانتا مفتاح لعنة‮ ‬
‮ ‬ونحن‮ ‬نتقدم إلي بوابة السعادة‮ ‬
اكتبي عن لحظة البوح‮ ‬ولحظة‮ ‬الارتباك‮ ‬والغموض‮ ‬
‮ ‬والحياة‮ ‬التي تضغط باستمرار‮ " ‬
‮ ‬يرسم الشاعر عصام أبوزيد صورا متعددة للحب في ديوانه،‮ ‬موجها خطابه الشعري إلي الأنثي الحبيبة التي لا تدرك ما في صدر الذات الشاعرة‮ ‬من توهج،‮ ‬كما نلاحظ اتكاء الشاعر علي الصورة الممتدة داخل قصيدته تلك الصورة التي تصنع عالما من الحيوات متضمنة الحديث عن الحب والقصص التي صنعها أصحابها‮ . ‬فاستمرار الكتابة عن الحب هو استمرار لمراحل الحب نفسه،‮ ‬وأعني أبدية الحب علي الرغم من كراهية البعض الحديث عن الحب في عالم تطغي فيه المادية علي كل شيء،‮ ‬فيتجه ناحية البراءة الكونية في بنية القصيدة‮ .‬ففيها قدر كبير من المحبة،‮ ‬وأن الشعر لا طريق له سوي الحب‮ . ‬
‮ ‬علي الرغم من ضغوط الحياة وحزنها،‮ ‬فإننا نجد أنفسنا نشتاق إلي لحظات الحب كي نشعر بمن نحب ومن‮ ‬يحبنا‮ . ‬ويقول أيضا‮ : ‬
‮" ‬لا أحمل لكِ‮ ‬أية مشاعر حلوة‮ ‬
لكنني‮ ‬أحبُ‮ ‬أن أتناول الإفطار معك‮ ‬
وأن أضع‮ ‬يدي علي جبينك‮ ‬وأسمع‮ ‬أفكاري التي‮ ‬
هربت إلي رأسك‮ ‬
أخبريني‮ ‬،‮ ‬كيف أنا الآن ؟‮ ‬
هل ما تزال ذكرياتي‮ ‬توجعني،‮ ‬كلما نظرت إلي‮ ‬يديكِ‮ ‬؟
وكلما‮ ‬ذهبت‮ ‬بالخيال بعيدا‮ ‬إلي ما وراء‮ ‬يديك،
‮ ‬تعبتُ‮ ‬وانكسرتُ‮ ‬؟
‮ ‬الحب‮ ‬لايموت،‮ ‬صدقيني‮ ‬
لكنه‮ ‬يتغير‮ ."‬
‮ ‬يستخدم الشاعر عصام أبوزيد لغة شعرية بسيطة،‮ ‬تبتعد عن المفردات المعقدة التي تسكن القواميس القديمة،‮ ‬هي لغة معتدلة في ظني تسهم في معمارية القصيدة النثرية،‮ ‬تتجلي من خلالها موضوعات أكثر إنسانية‮ . ‬تدرك هذه اللغة عملها جيدا،‮ ‬وهو أن الشعر الآن لم‮ ‬يعد‮ ‬يطنطن بمشروعات كبري،‮ ‬أو حناجر عنقودية،‮ ‬بل هو‮ ‬يحلم،‮ ‬ويحب،‮ ‬ويمشي في طرقات الفقراء وعلي شفاه العشق‮ . ‬
‮ ‬هذه اللغة الحالمة تمنح النص الشعري أملا جديدا في الحياة والتواصل اليومي مع العقل الجمعي الذي ابتعد عن الشعر‮ ‬, ومن ثم فنلاحظ الجملة الأولي‮ " ‬لا أحمل لكِ‮ ‬أية مشاعر حلوة‮ / ‬لكنني‮ ‬أحبُ‮ ‬أن أتناول الإفطار معك‮ " ‬تطفو علي فضاء النص الشعري‮ ‬جملة بسيطة،‮ ‬خالية من المجازات،‮ ‬لكنها تشي بالكثير من المعاني الإنسانية،‮ ‬حيث‮ ‬يبدو الحب في أبلغ‮ ‬صورة عرفتها البشرية،‮ ‬هي الحقيقة الطيبة،‮ ‬التي تجمع صفتين في وقت واحد،‮ ‬لا أحمل مشاعر حلوة،‮ ‬لكن أحب الأفطار معك‮ .! ‬فيعتمد الشاعر علي المفارقة المعنوية ما بين الحب والكراهية،‮ ‬الرغبة في القرب والبعد في وقت واحد‮ . ‬ويخلص الشاعر في نهاية القصيدة إلي شعرية الحكمة في قوله‮ :" ‬الحب لايموت،‮ ‬صدقيني،‮ ‬لكنه‮ ‬يتغير‮ " ‬هذه من حقائق الحب الإنساني،‮ ‬أنه‮ ‬يعيش علي سلم الحياة‮ ‬،‮ ‬يصعد ويهبط،‮ ‬ما بين الشغف بالحبيب،‮ ‬وكراهيته المحبة،‮ ‬فمرة‮ ‬يخفق قلبه ومرات كثيرة نجده في لحظات حزينه،‮ ‬متغيرا ومتقلبا‮ . ‬لأن الحب ضد الجمود والتحجر،‮ ‬فمن طبيعته التحول والتعدد وعدم الاستقرار علي صورة أحادية،‮ ‬حتي لايموت‮ . ‬فالحب‮ ‬يحيا بالتغير،‮ ‬لكنه لا‮ ‬يموت‮ .. ‬

المصدر: اخبار الادب

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على ‮ ‬الْحَياةُ‮ ‬السرية للمجنون الأخضر‮:‬ شعرية المحبة‮!‬

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
38206

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة