الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةإصدارات وكتب أدبية › «غريتّا» إلياس العطروني قصص بين طرافة الموقف ... والقدر

صورة الخبر: قصص بين طرافة الموقف ... والقدر
قصص بين طرافة الموقف ... والقدر

«غريتّا» هي المجموعة القصصية الخامسة للقاص والروائي اللبناني الياس العطروني (دارغوايات) الذي يمارس نشاطه السردي منذ ربع قرن ونيّف. وهو نشاط تمخّض عن خمس مجموعات قصصية وروايتين اثنتين حتى تاريخه، صدرت في مواعيد غير منتظمة بدءًا من العام 1988 ما يعكس مسيرة سردية تتراوح بين الغزارة بحيث يُصدر ثلاثة كتب في عام واحد (1993) والانقطاع مدّة خمسة عشر عامًا، هي المدّة الفاصلة بين المجموعة الأخيرة وما قبلها.
تحتوي «غريتّا» على تسع قصص تتفاوت في مساحاتها، فتمتدّ أطولها «زمن الغريب» على خمس وعشرين صفحة، وتقتصر أقصرها «حلم» على ثلاث صفحات، وتتموضع القصص السبع الأخرى بين هذين الحدّين. على أن التفاوت لا يقتصر على مساحات القصص، وهي مسألة شكليّة بامتياز، بل يتعدّى ذلك إلى تقنيّات القص، وهي مسألة فنّيّة بامتياز، يُبرز تعدّد أدوات القاص، وتنوّعها، وبراعته في استخدامها.
تختلف تقنيّات القص في «غريتّا» من قصّة إلى أخرى، على أن التقنيّة الواحدة قد تَرِدُ في غير قصّة؛ يستخدم الكاتب تقنيّة المشاهد المتعاقبة نصّيًّا، المنفصلة وقائعيًّا، المستعادة في إطار من التذكّر، أو تقنيّة السيناريو بحيث لا يكتفي بإيراد الحوار بل يورد الحركات والأصوات والفواصل الزمنية والموسيقية في عبارات يضعها بين قوسين، أو تقنيّة اليوميّات التي تنطوي كلٌّ منها على وقائع معيّنة ينتظمها سلك القصّ على اختلافها، ويربط بينها تمحورها حول شخصيّة السارد، أو تقنيّة الحلم في تداخله مع الواقع الفنّي أو الطبيعي، أو تقنيّة التذكّر، أو تقنيّة الغرابة القائمة على التخيّل ومجانبة الواقع في محاولة للتعبير عن هذا الواقع.
ما يجمع بين قصص المجموعة، على تنوّع تقنيّات القص، هو أن أبطالها هم ضحايا ظروف، خارجيّة غالبًا وداخليّة نادرًا، تتمظهر في: القدر، القمع، العمالة الأجنبيّة، السلطة، الحلم، المهنة، والأخلاقيّات... على أن اكتشاف هذا الأمر غالبًا ما يتمّ في نهاية القصّة التي كثيرًا ما تكون مفاجئة لا ترهص بها الأحداث السابقة، وتشكّل تحوّلاً حادًّا يكسر أفق التوقّعات لدى القارىء.
إلياس العطروني البارع في اقتراح النهايات بارع أيضًا في اقتراح البدايات، فتشكّل البداية، عنده، «الطُّعم» الذي يعلق به القارىء على صنّارة القصّ، ليغدو صيدًا سائغًا للقاص. وقد تكون البداية صيغة نداء تليها صيغة تقرير، أو كلامًا مقتبسًا يثير إشكالية ما، أو تعبيرًا عن صوت وحركة يكون لهما ما بعدهما، أو جملة مثيرة للفضول يعقبها استفهام تعجّبي، أو سؤالاً استهلاليًّا... وبين البدايات والنهايات ثمة قصٌّ رشيق على سخرية وطرافة أحيانًا، ولا يخلو بعضه من أحداث غريبة أو اصطناع تنظيمي أو جنوح نحو المبالغة ممّا يدخل في عدّة الشغل عند الكاتب، ويحرّر نصّه من «ثقل الدم» الذي يسقط فيه آخرون، ولعلّ ما يميّزه عن سواه هو قدرته على الجمع بين الحكائي والكتابي.
السارد في «غريتّا»، القصّة الأولى التي تحمل المجموعة اسمها، هو ضحيّة الاصطدام بالآخر الغربي والقدر الساخر في آن، فهو القادم من الشرق المثقل بالمثاليات الأخلاقية يرفض عرض صديقته الإسبانية «غريتّا» التي تقدّم جسدها هديّة له، ويستعيض عن ذلك بما يُسمّى «عهد الدم» بأن يجرح كلّ منهما إصبعه، ويُلصقان الجرحين، فيتّحد الدّمّان. وهنا، يلعب القَدَرُ لعبته الساخرة، فيُصاب السارد، المتمسّك بالأخلاقيات، الحريص على عدم ارتكاب المحرّم، بمرض «السيدا». لعلّ القصّة تقول عدم قدرة الإنسان على الهرب من قَدَرِه، حتّى وإن تحصّن بالأخلاق، وإمكانية أن يكون ضحيّة مثاليّاته أيضًا.
في «نمر وحمل»، القصّة الثانية في المجموعة التي تقوم على المفارقة في سلوك الشخصيّة الواحدة، يُمارس مدير الشركة دكتاتورية واضحة في إدارة شركته، فيقمع موظّفيه، يُصدر الأوامر، ويطلب تنفيذها من دون أي نقاش، حتى إذا ما عاد إلى بيته تنقلب الأدوار، ويكون عليه أن ينفّذ أوامر زوجته من دون أيّ اعتراض، فيجمع في شخصيّته بين القامع والمقموع، ولعلّ ممارسته القمع على موظّفيه في الشركة يأتي تعويضًا عن القمع الذي يُمارَس عليه في البيت.
في «زمن الغريب»، القصّة الرابعة، يرصد العطروني ظاهرةً معيشةً، عندنا، في هذه اللحظة التاريخية، فيتناول موضوع العمالة الأجنبيّة الذي يُرخي بثقله على حياتنا اليومية بمختلف جوانبها، ويُصوّر بأسلوب ساخر طريف لا يخلو من مبالغة وافتعال، وبتقنيّة اليوميّات، سلسلة مصائب تنهال على السارد، يتسبّب بها مجموعة من العمّال الأجانب المتعدّدي الجنسية في أسبوع واحد، بدءًا من عامل الغاز السنغالي، مرورًا بالممرضة الفيليبينية، وناطور البناية التركي، والعامل الهندي، والخادمة السيرلنكية، والراقصة السيبيرية، وصولاً إلى الطبيب النفسي الذي يزوره للعلاج من فوبيا الغريب، فيُفاجَأ بأنّه مجنّس حديثًا. هذه القصّة التي تبدو على شيء من الاصطناع والمبالغة، زمنيًّا من حيث تعاقب المصائب على السارد في أسبوع واحد، ووقائعيًّا من حيث صدورها مجتمعة عن عمّال أجانب، هي على قدر من الطرافة. ولعلّ مجانبة الواقع، واصطناع وقائعه، والمبالغة في بعضها، خير وسيلة لتصوير هذا الواقع.
الضحيّة في «حلم»، القصّة السابعة في المجموعة، التي يتعاقب فيها الحُلُمي والسينمائي والواقعي، هو رجل ضحيّة حلمه، فالسارد الذي يحلم بامتطاء درّاجة، على طريق ترابي مستقيم، بمحاذاة شاطىء البحر، يرى المكان في فيلم «زوربا» الذي يُمثّل فيه أنتوني كوين في جزيرة «كورفو» اليونانية، فيسافر إليها لتحقيق حلمه، حتّى إذا ما شرع في ذلك، يجد نفسه خارجًا من غرفة العناية الفائقة. وهنا، لا يقول العطروني كيف حصل ذلك تاركًا للقارىء حقّ التخيّل وردم الفجوة الصغيرة بما يراه مناسبًا. وهذه ميزة تُحسَب له، فالعمل الأدبي الذي يقول كلّ شيء لا يثق بقارئه، ويصادر حقّه في التخيّل وردم الفجوات والمشاركة في اقتراح السيناريو المناسب لنهاية القصّة.
في «العاصفة والجمر»، القصّة الثامنة، يبدو الصحافي ضحيّة المهنة، فيعيش صراعًا بين الواقع والمثال، بين القلم والوجدان، فيُكبّل قلمه بما يُرضي أصحاب المعالي، ولا يُطلق له العنان في غابات النفس. هو ضحيّة الواقع المهني الضاغط الذي يضحّي بإبداعه وحرّيّته على مذبح «المواضعات» المهنيّة الطارئة.
الضحيّة في «زنى»، القصّة التاسعة، هو رجل «تقيٌّ متّزنٌ وقورٌ»، يُقرّر بعد ثلاثين سنة من الزواج، وبدافع الملل، أن يزني، فيستعين بصديق له «محبٍّ للدنيا ومتعها»، حتى إذا ما قادته خطاه، بعد تردّد، إلى المنزل المقصود، يُفاجَأ بأنّ المرأة المستلقية على السرير هي زوجته زبيدة التي طالما أخلص لها. وهنا، يكسر الكاتب التوقّعات مرّتين: أولى، بوجود الزوجة في المكان الخطأ ما يعني أنّها دأبت على خيانة زوجها المخلص لها، وثانية، بردّ فعل الزوج المفاجئ الذي بدلاً من الانتفاض لكرامته، يرى في وجود الزوجة في ذلك المكان إرادة إلهية تجنّبه السقوط في الزنى، فشرّ البليّة ما يُضحك.

المصدر: دار الحياة

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على «غريتّا» إلياس العطروني قصص بين طرافة الموقف ... والقدر

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
21503

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة