الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةأدب وثقافة › تخثر وظيفة (الفلسفة) عربياً

صورة الخبر: تخثر وظيفة (الفلسفة) عربياً
تخثر وظيفة (الفلسفة) عربياً

من أهم محركات الفعل البشري "العقل-الخيال-الإرادة"، وتلك العوامل الثلاثة يتفرع عنها براعم متعددة تؤثر على سلوك الإنسان وعلى خياراته الفكرية واتجاهاته وطموحاته، فلا يمكن للإنسان أن يتحرك عملياً ما لم تكن لديه مخيلة معينة لما يمكن أن يثمر عنه سعيه الدؤوب، كما أن الإرادة هي الأداة وابنتها "الذات" من أشد المفاهيم التي استخدمتها فلسفات "الاختلاف" لزحزحة مركزية العقل في التاريخ الفلسفي الغربي، لم يكن "نيتشه" وحده مكتشف أثر الإرادة على اختيار الفكرة، بل رصد الإرادة بوصفها "وسوسة" خفيّة لاعقلانية لاختيار فكرة عقلانية بليز باسكال. وفي هذا يكتب (الإرادة من أهم عوامل التصديق، ليس لأنها تكون التصديق بل لأن الأشياء تكون صحيحة أو كاذبة بحسب الوجه الذي تنظر إليها منه والإرادة التي يروقها أحدهما أكثر من الآخر تحول الفكر عن اعتبار مزايا الوجوه التي لا تحب أن تراها وهكذا يمشي الفكر متحداً بالإرادة) [خواطر باسكال 43]. وإذا كان نيتشه قد حفر بمطرقة "الجينالوجيا" صخرة المعرفة ليكشف عن ديدان الذات وقد تخرثت تحت زيف "الحقيقة" السطح العلوي للتعابير العلمية، فإن مطرقة نيتشه ستتحول على يد ميشيل فوكو إلى معول ضخم هو "الأركيولوجيا" ضرب به أرض التاريخ ليعثر على جيوب "السلطات"، وقد اختفت كالأجنة القديمة التي لم تتخلّق بعد، ليجد تحت "عقلنة الحقيقة" ذاتيتها، بحث كيف ربضت سلطة العقل على جيوب الجنون، وكيف لعنت وثائق الجنس السرية خطاب الجنس الجسدي اللحْمي، هناك حيث "الوثائق المهجورة" عثر فوكو على عقود الحقيقة السرية المنزوية وراء "خطاب المعرفة"، وجد بقايا رصاصات العقل القديمة وهي تثقب جسد الذات، فكتب حافراً باحثاً في طبقات "الخطاب".
تأسست أركيولوجيا فوكو كشرارة لمعت حينما ضرب حجر البنيوية بحجر جينالوجيا نيتشه فأثمرت مفهومه الفلسفي المميز "أركيولوجيا المعرفة"، تميّز مفهومه عن البنيوية باعتماده على مفهومٍ مستقلٍ للخطاب واستناده التحليلي على الممارسة والتاريخ، وبلغ فوكو ذروته ابتعاده عن حجر البنيوية حينما كتب: (إن ما يهمني وأحاول بحثه ليس ظهور المعنى في اللغة وإنما وظيفة الخطاب في ثقافة معينة وكيف يعمل خطاب ما في ثقافة ما وفي مرحلة تاريخية معينة إن ما يعنيني هو وظيفة الخطاب وليس نمط الدلالة).
من جانبٍ آخر، لم يكن هدف ميشيل فوكو مناقشة مفهوم "الذات" وفق الخريطة التي حددتها الظواهرية، فهو يكتب: (لقد حاولتُ الخروج من فلسفة الذات وذلك بواسطة كتابة جينالوجيا الذات الحديثة، التي تناولتها باعتبارها واقعة تاريخية وثقافية، أي بوصفها موضوعاً متحولاً وهو أمر مهم من الناحية السياسية)، لكنه استعان بنظرية فتغنشتين في "ألعاب اللغة" كما طوّرها سيرل وأوستين، أما حينما ألف "نظام الخطاب" فقد أضاف الجينالوجيا بشكل صريح عندما شرع في تحليل السلطة والذات، استطاع فوكو أن يضع في ماكينته الفلسفية المستقلة أدوات مفهومية كثيرة صنع من خلالها نتائجه الخاصة المذهلة.
يشغب الفلاسفة وأهل الثقافة وباعة الأفكار على بعضهم البعض، يتهارشون، يأكل بعضهم لحم بعض، لأغراض كثيرة محورها "الذات" لكنها تُغطى بأغطية "المعرفة، الحقيقة، العلم، الصواب"، يغرقون في "حقد أزرق" وهم يبررون أحقادهم التي تشرب ماءها من "الارتكاس اللاواعي" يدفعه العجز عن النسيان، فالحقد عبارة عن: ملَكة ارتكاسية تعيش في أحضان اللا وعي، يتحول عمل الوعي (قراءة، كتابة) رهن عجز النسيان الارتكاسي الذي يوصف عادةً بـ"الحقد" لهذا يشب الخلاف عن الطوق، يتفجر شظايا ذاتية هجائية يمكن تفهمها بأي مبرر ذاتي، باستثناء المبررات العلمية أو المعرفية.
في هذا يكتب باسكال (لا يريد الناس في الغالب أن يعرفوا شيئاً إلا ليتكلموا عنه) (نحن من الغرور بحيث نريد أن تعرفنا الأرض قاطبة، بل أن يعرفنا حتى الذين يأتون بعد أن نزول، ونحن من الازدهاء بحيث أننا إذا حظينا بتقدير خمسة أشخاص أو ستة ممن يحيطون بنا سررنا وارتضينا) (الازدهاء متأصل في قلب الإنسان حتى أن جندياًُ، أو خادماًُ أو طباخاً أو حمالاً يتباهى ويريد أن يكون له المعجبون به، وهو مبتغى الفلاسفة أنفسهم، أما الذين يكتبون مستنكرين هذا فيريدون أن يكون لهم الفخر في حسن الكتابة والذين يقرأونهم فيريدون أن يكون لهم الفخر في أنهم قرأوا وأنا الذي يكتب هذا قد تدب في هذه الغيرة).
إن كشف النزعة الذاتية في المنجز المعرفي لا يعني تفاهة المنجز، بقدر ما يعني الكشف عن النوازع التي تم أخفاؤها على مر السنين تحت يافطات كبيرة، فثمة معارك علمية كانت مشحونة بالحقد والكراهية أثمرت عن نظريات خلابة، كما هو في تاريخ العلوم على الأخص، لنقرأ حديث ستيفن واينبرج عن نيوتن أو وصف باسكال لديكارت أو تبخيس نيتشه لسقراط وكانط كانت كلها عبارات ونزعات ذاتية لكنها نزعات منتجة متدفقة، على عكس "الزعق" العربي الثقافي الذي يقطر جهلاً على جهل، وأنابيب ما يسمى بـ"الحراك الثقافي" المخرّثة لا تثعب إلا عبارات جاهلة مقرفة مدقعة، حتى في المعارك الثقافية يئنون من العجز والاضمحلال، ألم تتحول الصحف العربية إلى مؤسسات "ضمان اجتماعي" لأنصاف المثقفين وطلاب المحو الأمي الصحافي فغدت مرتعاً لكل فارغ يصفون عبر مساحات الصحف سيل الأكاذيب، ألم تعفّن الصحف العربية ويستخدمها باعة الدكاكين للف الأشياء!
إذا تصفحت أغلب المكتوب على أنه من "الإنتاج الفكري" تقرأ الكثير عن تشخيص الماضي، أغلب الإنتاج الثقافي أو الفلسفي –في الفكر العربي بالذات- ينزع نحو "تشخيص الماضي"، وحينما ننفي وجود "أعمال فلسفية" فإننا ننفي وجود عمل فلسفي يقارب تشخيص الراهن الحاضر، في الفلسفة الغربية قارب الفلاسفة راهنهم بل حايثوه، حينما بحثوا في "السينما، المطبخ، الموضة، الأزياء، الصورة، التقنية" ونحن عالة عليهم في كل تلك البحوث، بينما في العالم العربي ندور حول "ابن رشد، الكندي، ابن خلدون، ابن سينا" على طريقة المدرسيين العتيقة.
يطرح البعض على أن نزعة "تشخيص الراهن" عبارة عن نزعة بنيوية، أو فوكوية، بينما هي لغة فلسفية قديمة لإنتاج النظريات المتصلة بالحاضر، منذ العصر اليوناني، سجن سقراط، نهر هيراقليطس، مدرسة أرسطو، مدينة أفلاطون، دجاجة بيكون، الثورة الفرنسية –كمحفز- لهيجل، مشكلات شبنهور العائلية، آلام روسو، الراهن ليس فعل "التجريب" وإنما "نشاط التشخيص للحاضر، بل رأى فوكو أن معنى الحداثة والتنوير "القدرة بالذات على تشخيص الحاضر" أن تعثر على إجابة لغز الراهن في الراهن نفسه.

المصدر: ايلاف

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على تخثر وظيفة (الفلسفة) عربياً

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
4701

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة