الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةأدب وثقافة › أسود "تل حلف" المجنحة تحط في بون

صورة الخبر: تل حلف
تل حلف

ماجد الخطيب: يقف المرء مذهولًا أمام آثار "تل حلف"، أي سوريا اليوم، ويعود بعض قطعها الأثرية إلى الألف الثامن قبل الميلاد، وأمام الجهد الذي بذله علماء ألمان لإنهاض التماثيل الأثرية من الرماد، بعد أن هشمتها الحرب العالمية الثانية في 27 ألف شظية صغيرة.

بعد سنتين من إعادة تركيب ولصق وترميم مئات القطع الأثرية في متحف برلين التاريخي، عاد المتحف إلى سابق عهده تقريبًا، يتنقل بين المدن الألمانية بدءًا من العاصمة السابقة بون، القريبة من كولون، حيث ولد مكتشف "تل حلف"، ماكس فون اوبنهايمر.

غير صالحة فنفاية

500 قطعة فنية تمتد بين النصب والتماثيل والأوان الخزفية والأختام الاسطوانية، عادت إلى الحياة بعد أكثر من سبعين سنة. ويعود الفضل إلى علماء التاريخ الألمان الذين أصروا على الاحتفاظ ببقايا متحف تل حلف وعدم التخلص منها.

وإذا كان اداريو متحف برلين صنفوا الآثار في الأربعيات من القرن العشرين في خانة "غير صالحة"، وخزنوها في صناديق خاصة، ثم أعاد العلماء في الستينات تصنيفها "نفاية"، لكنهم لم يتخلصوا منها. ثم جاء عصر الكومبيوتر وفتح الباب أمام آفاق جديدة لإعادة تصنيف وفرز ولصق القطع الأثرية.

وتمكن العلماء باستخدام برنامج كومبيوتري خاص من فرز 27 ألف شظية صغيرة، جمعت في صناديق، وعجز العلماء عن التفريق بين أجزائها المختلفة. وشكلت الشظايا الصغيرة فقط ما مجموعه 80 مترًا مكعبًا من الحجارة الصغيرة، وعمل العلماء بعدها، وبمساعدة الفنانين، وصور المتحف القديمة وصور الآثار نفسها، من إعادة تركيب ولصق التماثيل في أكبر لعبة تركيب أجزاء (Puzzle) في العالم.

وذكرت الباحثة ناديا كوليديس أن عملية نقل التماثيل من برلين إلى بون لم تكن سهلة أبدًا، "فوقع على العلماء نقل تماثيل كانت مفتته وأعيد لصقها، يزيد وزن بعضها عن 5 أطنان، وما نراه ببون ليس كل المتحف القديم، إذ زالت ممارسة لعبة البازل متواصلة، ويعكف العلماء، بمساعدة الكومبيوتر، على لصق أجزاء أخرى من ارث المدينة القديمة الواقعة بالقرب من الخابور".

آثار جذابة

كان متحف تل حلف ببرلين قد افتتح في العاصمة التاريخية من قبل فون اوبنهايم شخصيًا يوم 28 كانون الأول (ديسمبر) 1931. واستعرضت إحدى شاشات التلفزيون في متحف بون المكتشف الألماني في فيلم ناطق، بالأبيض والأسود، وهو يشرح أهمية المتحف كجزء من فسيفساء كبيرة مثلتها الحضارات الأولى في وادي الرافدين.

وأصبح المتحف، أسوة بجاره متحف بابل، الذي يضم بوابة عشتار وشارع الموكب، من أكثر الآثار جذبًا للسياح في العاصمة الألمانية.
تم قصف المتحف من قبل الحلفاء في العام 1943، وكان على فون اوبنهايم أن يشهد ذلك لأنه مات بعد ذلك بثلاث سنوات وهو يتطلع إلى أشلاء التحف التي نقلها على ظهور الجمال تارة، وعلى البواخر طورًا، ليوصلها إلى ألمانيا.

ويمكن لزائر المعرض ببون أن يشاهد عدة أفلام تظهر كيفية نقل الآثار من ميناء اللاذقية، وكيفية ترميمها في الثلاثينات، ومن ثم كيف تمكن العلماء من إعادة لصقها في القرن الواحد والعشرين. ويعرض التلفزيون في المعرض أيضًا فيلمًا افتراضيًا عن بنية تل حلف وموقع القصر الملكي، وأبواب المدينة، ومواقع الآثار المعروضة في القاعة.

لورنس العرب الألماني

استحق ماكس فون اوبنهايم لقب "لورنس العرب" الألماني، بسب شغفه بالشرق وقضاء معظم حياته فيه، متنقلًا بين سوريا ومصر والعراق وبلدان عربية أخرى. ولد في العام 1860 في كولون لعائلة صيرفي ثري، وبدأ ولعه بالشرق شابًا يافعًا، اتقن عدة لغات بينها العربية. وكان يتنقل في المنطقة العربية بأزياء عربية عرضها المتحف في غرفة خاصة إلى جانب أدواته وكتبه وآلاته الموسيقية الشخصية.

وهو مستشرق ومنقب آثار ودبلوماسي معروف، التقى باجاثا كريستي وزوجها مالون أثناء عملهما آنذاك على الآثار الأشورية. ويقال إن اوبنهايمر وقع على تل حلف صدفة أثناء مشاركته في طقوس دفن بعض معارفه السوريين قرب تل حلف، إذ ظهرت بعض التمائيل الكبيرة والقديمة أثناء حفر أحد القبور في العام 1911. وقضى اوبنهايم 4 سنوات بعد ذلك في الحفر واستخراج بقايا القصر والمقبرة الملكية والآثار.

من الناحية الدبلوماسية والسياسية، لم تثر الكثير من الأقاويل حول "لورنس العرب" الألماني عن علاقة ممكنة له بالمخابرات، لكنه انهمك لفترة بمشروع قطار البصرة الذي كانت ألمانيا تخطط لربطه بألمانيا في ذلك الوقت. وكسب الرجل سمعة طيبة في البلدان العربية، المحتلة من قبل بريطانيا، بسبب الحقد الذي كان يحمله العرب للمستعمرين.

وكتب فون اوبنهايم في مذكراته: "كان الأعراب يقولون إن تمثال إلهة الرعد في تل حلف هي زوجتي، لأنني لم أكن استطع أن ارفع عيني عن وجهها".

قصر كابارا بن قاديانو

يقع تل حلف الأثري على الضفة الغربية من نهر الخابور، بالقرب من الحدود السورية-التركية، وعلى بعد 3 كيلومترات جنوب غربي منطقة رأس العين السورية.

وقد دلت التنقيبات الأثرية أن حضارات الأولى استوطنت منذ الألف السادس قبل الميلاد، ثم أصبح مستوطنة مزدهرة في الألف الخامس قبل الميلاد، قبل أن يغدو في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، عاصمة لمملكة بيت بحياني. وكان حكم الآراميين في تل حلف الأقوى بين ممالك الشمال الآرامية، واتخذ جوزانا عاصمة له آنذاك.

ويبدو أن آثار تل حلف تعود بالذات إلى قصر الملك الآرامي كابارا بن قاديانو، وقد شيد هذا القصر وفق المخطط المعروف باللغة الآرامية باسم بيت هيلاني أي البيت العالي. وهو قصر يحتوي على قاعة عرش مزينة بمنحوتات حجرية ضخمة، ونقوش بارزة، وبينها منحوتات للآلهة وأخرى لمخلوقات تجمع بين البشر والحيوانات، مثل الإنسان السمكة، الرجال الثيران، الأسود المجنحة، وشكل آدمي برأس أسد وغيرها. وعثر فريق اوبنهايمر على منحوتات بارزة على الجدران تضم مشاهد دينية ومشاهد قرابين، وعثر أيضًا على مدفن ملكي يحتوي على العديد من الأواني والتحفوالحلي.

وتكشفت الحفريات عن مدينة صغيرة تعود إلى العصر الحديدي، لها مخطط مستطيل مساحته (600×300 متر) محاطة بنظام دفاعي من الأسوار والأبراج. وتحيط المدينة الخارجية بمدينة الداخلية ذات المساحة (150×200 متر)، وتنتصب في الجهة الشمالية، التي تقوم فيها الأبنية الهامة كالقصر والقلعة.

25 ألف ساعة عمل

وتولت الباحثة ناديا كوليديز منذ العام 2001 الاشراف على إعادة تجميع الشظايا في تماثيل. وتلقت كوليديز الدعم من قسم المعادن في جامعة برلين التنقنية باشراف البروفيسور كريستيان دروبل. وتقول كوليديز إن مشكلة الشظايا الصغيرة غير المتميزة تم التغلب عليها بتقنية فريدة من جامعة برلين، إذ استخدم دروبل وزملاؤه تقنية جزيئية للتعرف على الصخور وتجميعها من خلال كثافة مادتها، لونها، حافاتها....إلخ. وكانت النتائج مذهلة، ليس على مستوى إعادة ترميم الآثار، وإنما على مستوى تاريخ هذه القطع ومصدرها.

رغم دعم جامعة برلين التقنية، وبرغم سوفت وير الكومبيوتر الذي حل لعبة "البازل"، إلا أن علماء برلين كانوا بحاجة إلى 2500 ساعة عمل كي يعيدوا لم أجزاء الآثار مع بعضها. واضطر العلماء، بحسب تصريح البروفيسور لوتس مارتن مدير متحف البيرغامون ببرلين، إلى مد قطع الأثار المهشمة والشظايا، بطول 20 كم على 300 لوح خشبي كي يستطيع الكومبيوتر التمييز بينها. وانتهى العمل الماراثوني باعادة لصق وترميم 90% من موجودات متحف تل حلف، وكلفت "مغامرة تلف حلف"، كما يطلق عليها العلماء، أكثر من 5 ملايين يورو.

بحسب الدراسات البرلينية الأخيرة، وفي ضوء التحلييل الجيولوجي للصخور، يتضح أن مصدر الصخور التي صنعت منها تماثيل تل حلف لم تكن من "الكبسة" (15 كم شمال تل حلف)، كما كان المكتشف الألماني ماكس فون اوبنهايمر يعتقد، وإنما من "بيت الشيخ" التي تبعد 60 كم. والأخيرة عبارة عن هضبة ترتفع في صخورها نسبة البازلت وتقع إلى الجنوب من تل حلف.

ويقول دروبل إن الفحص الجيولوجي كشف أيضًا نوع القنبلة التي أصابت الآثار خلال الحرب العالمية الثانية، إذ لاحظ العلماء وجود آثار الفوسفات والكربونات ملتصقة على سطوح الشظايا الأمر الذي يشي بسقوط قنابل فوسفورية عليها.

وإذا كانت القنابل قد حطمت التماثيل في شظايا فأن مياه رجال الأطفاء فتت جزءا منها. وحملت حافات الصخور الصغيرة آثارًا تدل على إطفاء النار بواسطة الماء.

متحف حلب في خطر

ومعروف أن الجزء المتبقي من الآثار، نحو الثلث بحسب تقدير العلماء الألمان، معروض في متحف حلب، وبينها تماثيل للآلهة عشتار وهي تمتطي اللبوة والآلهة "حدد" ولوحات منحوتة. وقد أقام كبارا القائد الآرامي عاصمته غوزانا مستفيدًا من بقايا الأبنية القديمة في تل حلف لتشييد بيوت المدينة وأسوارها.

ومن أهم تلك المنشآت قصره الذي يعرف بالقصر المبني على طراز بيت هيلاني وكانت تزين واجهتها تماثيل ضخمة لآلهة آرامية تنتصب على حيوانات، وقد بينت التنقيبات الأثرية أن عاصمة "كبارا" كانت مستطيلة الشكل يحميها الخابور من أطول جوانبها أي من الشمال أما الجهات الثلاث الأخرى فتحميها أسوار وأبراج، ازدهرت مدينة غوزانا القديمة ولكن ما لبثت أن سقطت في يد الآشوريين عام 894 ق.م.

فخورون

العلماء الألمان فخورون طبعًا بما أنجزوه من خدمات للتاريخ من خلال نفخهم الحياة في تل حلف، لكنهم يتطلعون بقلق إلى مصير بقية أثار تل حلف في حلب السورية في ظل الحرب التي تطحن سوريا اليوم شعبًا وحضارة، وهو ما عبروا عنه في الكراس المرفق الذي قدموا فيه للعرض في متحف بون.

الجدير بالذكر أن الألمان أثبتوا بأنهم فعلًا أبطال العالم في لعبة "البازل"، لأنهم عملوا في التسعينات على ترتيب ولصق عشرات الآلاف من الملفات الممزقة التي خلفها جهاز شتازي، أي وزارة الأمن السابقة في ألمانيا الديمقراطية بعد سقوط جدار برلين.

واستخدم اللاعبون إذاك كومبيوترًا آخر يلم القصاصات الورقية، المحفوظة في أكياس كبيرة، بحسب أشكال حافاتها. واستغرقهم العمل أكثر من 12 سنة. وكان رئيس الجمهورية الحالي يواخيم غاوك آخر مسؤول عن الدائرة، التي شكلت خصيصًا لهذه المهمة، وأطلق عليها اسم "دائرة غاوك".

المصدر: ايلاف

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على أسود "تل حلف" المجنحة تحط في بون

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
82346

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة