الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةأدب وثقافة › الحكم المستنصر الأموي .. الخليفة العالم

صورة الخبر: الحكم المستنصر الأموي .. الخليفة العالم
الحكم المستنصر الأموي .. الخليفة العالم

الحكم المستنصر بالله هو تاسعُ الحكام الأندلسيين، هو أبو المطرف الملقب بالمستنصر بالله الحكم بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، حكم من 350 إلى 366هـ. لُقِّب بعاشق الكتب، وهو ثاني خليفة أموي في الأندلس، كان أبوه عبد الرحمن الناصر أول أمير أموي اتخذ لنفسه لقب الخلافة.

استمر عهد أبيه الناصر لدين الله خمسين عامًا، حتى إن أباه كان يداعبه قائلاً: "لقد طوّلنا عليك". وتسلم الحُكْمَ وعمره سبعة وأربعون عامًا، وكان حسنَ السيرة فاضلاً عادلاً، رفيقًا بالرعية. قال عنه المؤرخ الوزير الأندلسي ابن الخطيب الغرناطي: "كان (الحكم المستنصر بالله) مَلكًا جليلاً، عظيم الصيت، رفيع القدر، عالي الهمة، فقيهًا بالمذهب، عالمًا بالأنساب، حافظًا للتاريخ، جَمّاعًا للكتب مُحبًّا للعلم والعلماء، مشيرًا للرجال من كل بلد، جمع العلماء من كل قطر، ولم يكن في بني أُمية أعظم همة، ولا أجلّ رتبة في العلم وغوامض الفنون منه. واشتهر بهمته بالجهاد، وتُحُدّث بصدقاته في المحول، وأَمَّلته الجبابرة والملوك".

وعنه قال العالم الإسباني الكبير فندث بيدال: "وصلت الخلافة الأندلسية في ذلك العصر إلى أوج روعتها، وبسطت سيادتها السلمية على سائر إسبانيا، وكفلت بذلك السكينة العامة".

وقال عنه المؤرخ ابن حبان في (بغية الملتمس): "لم يسمع في الإسلام بخليفة، بلغ مبلغ الحكم المستنصر في اقتناء الكتب والدواوين، وإيثارها والاهتمام بها، أفاد على العلم، ونوّه بأهله، ورغّب الناس في طلبه، وصلت عطاياه وصلاته إلى فقهاء الأمصار النائية".
الخطر الإسباني

واجهت الأندلس مدة خلافة الحَكَم (ستة عشر عامًا) العديد من الأحداث العسكرية مع إسبانيا الشمالية، سواء تلك التي قادها بنفسه، أو وَجَّه إليها قادتَه وجندَه، برًّا وبحرًا.

أعاد القوى الإسبانية إلى حظيرة الولاء إثر محاولاتها استغلال موت والده الخليفة الناصر الذي أخضعها، وذلك بتجريد الحملات عليها، وبالعمل الدبلوماسي المتمثل باستغلال المنازعات بين الدويلات الإسبانية، أو بين القوى ضمن كل دويلة. وفي سنة 361هـ، عين الحكم سفارة متنقلة بين دول الشمال الإسبانية؛ "للتعرّف على أخبارهم، تحيطه علمًا على الدوام بما يجري فيها، وإبلاغ الكتب إليهم في كل وقت".

ومن الأخطار الخارجية التي واجهتها الأندلس أيام الخليفة الحكم، تلك الهجمات الثلاث البحرية التي قام بها "النورمان"، المعروفون باسم "الفايكنج"، انطلاقًا من الدنمارك:
الهجوم الأول بداية رجب سنة 355هـ كما ذكر المقري ذلك في "نفح الطيب"، والهجوم الثاني بداية رمضان سنة 360هـ، والهجوم الثالث بداية سنة 361هـ.

استمرت خلافته خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، وتوفي وله من العمر 63 سنة، وخلفه ابنه هشام من صبح البشكنسية (الباسكية) بعهد منه، وله من العمر عشر سنين، ولقبه المؤيد بالله.
شخصيته الأدبية

كان الحكم عالمًا بالدين، ملمًّا بالأدب والتاريخ، ضليعًا في معرفة الأنساب، محبًّا للعلم وراعيًا للثقافة في مختلف فروعها. ويقال إنه قلّما خلا كتاب من كتب مكتبته إلا وعليه تعليق بخط يده، وكانت هذه التعليقات موضع تقدير واستفادة من العلماء الذين عاصروه وأتوا بعده، فاعترفوا له بالعلم وسعة الاطلاع، ذكر من مؤلفاته "أنساب الطالبيين والعلويين القادمين إلى المغرب".

وله أبيات عدة، من أشهرها قوله:

إلى الله أشكو في شمائـل متْرف *** عليَّ ظـلوم لا يديـن بما دنـتُ

نأت عنه داري فاستزاد صدودَه *** وإني على وجدي القديم كما كنتُ

ولو كنت أدري أن شوقي بالغ *** من الوجـد ما بلّغتُه لم أكـن بنْتُ
التعليم المجاني

من الإنجازات التي تحسب له تفكيره بتخصيص ميزانية دائمة للتعليم المجاني لأبناء الشعب، فقام بوقف حوانيت السراجين بسوق قرطبة على المعلمين الذين قد اتخذهم لتعليم أولاد الضعفاء والمساكين بقرطبة (هذا يعني أن الدولة تبنت تخصيص مصروفات للمدارس). وبلغ عدد المدارس 27 مدرسة مجانية، منها ثلاث مدارس ازدهرت في المساجد، و24 مدرسة في أحياء قرطبة المختلفة. ونتيجة لذلك شهد التعليم في عهده نهضة عظيمة، فانتشرت بين أفراد الشعب معرفة القراءة والكتابة، وتقلصت الأمية بين العامة.
حبه للعلم والمعرفة

عاشت الأندلس في عهده عصرًا ذهبيًّا تميز بعدَّة مظاهر، أبرزها ازدهار العلوم والآداب. أطلق الحكم للفلكيين والرياضيين الحرية في إذاعة علومهم، فظهرت مدرسة مسلمة المجريطي (ت 398هـ/ 1007م) في مدريد، ولقيت دراسة الطب عناية عظيمة بفضل الطبيب أبي القاسم الزهراوي (ت 404هـ/ 1013م)، كما نهضت دراسة النبات على يد سليمان بن جلجل (ت384هـ/ 994م).

وإلى جانب ذلك، لقي الفلاسفة في كنف الحكم المستنصر ظلاًّ يحميهم، ويكفل لهم متابعة دراساتهم، فقد كان أكثر خلفاء بني أمية حبًّا للكتب، وكان يبعث رجالاً بأموال طائلة لاستجلاب نفائس الكتب إلى الأندلس.

وكانت له كذلك مجموعة من مهرة الورّاقين بسائر البلاد، لا سيما في بغداد والقاهرة ودمشق، يبحثون له عن الكتب، ويحصلون منها على النفيس والنادر، كما كانت له في بلاطه مجموعة أخرى من البارعين في نسخ الكتب، وتحقيقها، وتجليدها، وتصنيفها، وبذل في هذا السبيل من الجهود والأموال ما لم يسمع به، واجتمع لديه من نفائس الكتب في مختلف العلوم، ما لم يجتمع لأحد قبله.

وقد أرسل رجاله الذين بعثهم إلى المشرق لأبي الفرج الأصفهاني صاحب كتاب "الأغاني"، فبعث إليه ألف دينار من الذهب، وحصل منه على نسخة مبكرة من ذلك الكتاب قبل أن يشيع في العراق. وكان يطالع الكتب بنفسه.

وكان الفارابي أحد الذين اعتمد عليهم الحكم المستنصر للحصول على المؤلفات من العراق، ووصل علماء الأمصار بعطاياه ووصلت صلاته إلى فقهاء البلاد البعيدة، ومنهم أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان المتوفى بمصر سنة 355هـ، وكان أحفظ علماء عصره لفقه مالك وأبو عمر بن يوسف بن يعقوب الكندي وغيرهما.

وازدهر تأليف الكتب في عصره حتى كثر النساخون، وصار وظيفةً للنساء في البيوت.

ولما ضاقت مساحات القصر عن استيعاب العدد العظيم من الكتب الواردة إليها باستمرار، أنشأ الحكم على مقربة من القصر مكتبة قرطبة، وهي صرحٌ عظيم وصلت محتوياتها إلى أربعمائة ألف مجلد، وحوت العديد من المؤلفات التي كانت معروفة في عهده.
ورعه وتقواه

في أول يوم من خلافته، أصدر الأوامر بقطع الخمر من الأندلس وأمر بإراقتها وتشدد في ذلك، وشاور في استئصال شجرة العنب من جميع أعماله، فقيل له إنهم يعملونها من التين وغيره، فتوقف عن ذلك. وأمر بالقبض على كثير من المجاهرين بالمجون وأودعوا السجن، فكان ممن لوحق وسجن يوسف بن هارون البطليوسي الشاعر المعروف بأبي جنيش، وبقي في محبسه حتى لان له الخليفة، فأطلق سراحه بعد أشهر.

وأصدر المستنصر كذلك أمرًا بمطاردة الشعراء الهجائيين والقبض عليهم؛ صونًا لأعراض الناس من لاذع ألسنتهم ومقذع هجائهم، وكان منهم عيسى بن قرلمان الملقب بالزبراكة، ومؤنس الكاتب، وأحمد بن الأسعد، وغيرهم، فظفر صاحب المدينة بهم وأودعهم السجن.
شخصية الحكم المستنصر

الحكم بن المستنصر الأموي تاسع حكام الأندلس من الأمويين، عرف بحسن سيرته وعدله وتقواه وورعه، وسمِّي بدودة الكتب لشغفه بجمع الكتب واقتنائها.

قيل عنه: "لم يسمع في الإسلام بخليفة بلغ مبلغ الحكم المستنصر في اقتناء الكتب والدواوين، وإيثارها والاهتمام بها". من مآثره نشره للعلم والتعليم في الأندلس، واهتمامه بإقامة المكتبات واقتناء الكتب. وأكبر مآثره جامعة قرطبة.

عاشت قرطبة في عصره أزهى عصورها العلمية، وتحولت إلى مركز للعلم والمعرفة، ووصل إشعاعها الثقافي إلى أوربا. ومع ذلك فإن سيرة الحكم المستنصر الطيبة خافية على كثير من الناس، ومعالم شخصيته وإنجازاته ومآثره مجهولة لدى الكثيرين، وهذه بعض من جوانب سيرته:
عمارة جامع قرطبة

يعد المسجد الجامع في قرطبة من أروع الآثار الإسلامية الباقية، ويحتل رقعة فسيحة من الأرض قرب نهر الوادي الكبير، ويشغل بيت الصلاة ثلثي المساحة، والثلث الباقي يشكل صحن المسجد المغروس بأشجار النخيل والليمون، وهي أشجار غرسها عبد الرحمن الداخل لتذكره بدمشق.

ويعود تاريخ إنشاء جامع قرطبة إلى الأمير عبد الرحمن الداخل الأموي أول الأمراء الأمويين في الأندلس، وقد جرت العادة أن يقوم كل أمير جديد من أمراء الأندلس بزيادات على المسجد، وإجراء توسعات عليه.

وافتتح الحكم المستنصر خلافته بالنظر في المسجد الجامع بقرطبة، وهو أول قرار يتخذه ويأمر به، وذلك في اليوم الثاني من يوم خلافته. وكان محيط قرطبة قد كثر به الناس، فضاق الجامع عن حملهم، فسارع الحكم المستنصر إلى الزيادة فيه زيادات كبيرة، ضاعفت من عمرانه وجماله. وقد أضاف الحكم المستنصر إلى جامع قرطبة محرابًا هو المحراب الثالث في جامع قرطبة، وقد أحكم عمله ونقشه في سبع سنين. وأجمع كل المؤرخين على أنه أجمل ما في مسجد قرطبة.

وزين الحكم المستنصر الجامع بالفسيفساء المجلوبة من قبل إمبراطور القسطنطينية مع الصناع المهرة، ويقول المؤرخ المقري: "والجامع ليس في معمور الأرض مثله، فيه من النقوش والرقوم ما لا يقدر أحد على وصفه، وبقبلته صناعات تدهش العقول".

وكان مجموع ما صرف على هذا المنبر كما تذكر إحدى الروايات نحو 35 ألف دينار، وجعلت فوقه قبة فخمة.

وقد أوصل الماء إلى المسجد عبر قناة مدها من سفح جبل العروس قرب قرطبة.

ومد القنوات الناقلة للمياه إلى السقايات والميضآت (مياه الوضوء) التي أحدثها في الجامع. فقد كان في الجامع ميضأة قديمة تستمد مياهها من بئر، فبنى الحكم المستنصر في موضع هذه الميضأة أربع ميضآت، في كل جانب من جانبي المسجد الشرقي والغربي اثنتان، كبرى لوضوء الرجال وصغرى لوضوء النساء. وأودع في جوف تلك القناة أنابيب الرصاص لتحفظه من كل عطب، وابتدأ جريان الماء فيها عام 356هـ/ 966م.

وبُنيَت عدة مقاصير في الجامع، منها:

1- المقصورة التي بناها غربي الجامع، وعرفت باسم دار الصدقة؛ لأن الحكم جعلها مركزًا لتوزيع صدقاته على الفقراء.

2- المقصورة التي جعلها مكتبًا يستخدمه خطباء الجامع والوعاظ والعمال.

3- المقصورة التي بناها قبالة الباب الغربي للجامع، يتخذها الفقراء الذين لا بيوت لهم سكنًا لهم.

4- وبُنيت حول الجامع ثلاثة مكاتب للمؤذنين الذين أجرى عليهم الرواتب؛ ليعلِّموا أبناء المسلمين القرآن الكريم.

وأنشأ الحكَم رصيفًا جميلاً على امتداد طول الجامع ليكون متنزهًا لأهل قرطبة. وتبلغ زيادات الحكم نحو ثلث المساحة الإجمالية للجامع. وأوقف الحكم ريع جميع ما جرته إليه الورثة عن أبيه في جميع كور الأندلس وأقاليمها، وجعل جامع قرطبة جامعة من أشهر جامعات العالم.

ويصف المؤرخ الإسباني ريكاردو مورينا صحن المسجد وبيت الصلاة فيقول: "لدى دخولنا المسجد من باحة البرتقال تظهر أمامنا دفعة واحدة أروقة المسجد، فيعترينا شعور بأننا أمام غابة مظلمة متشابكة الأغصان متداخلة الفروع. وتمر أمامنا أعمدة من المرمر الملون على رأسها تتدلى الأزهار المنقوشة تيجانًا للأعمدة، وفوقها القناطر ذات اللونين الأبيض والوردي، وبين الظلال تسبح في أرجاء المسجد أنوار سحرية تدعو إلى التأمل والصلاة".
جامعة قرطبة

من قلب جامع قرطبة وتحت أعمدته ومناراته ظهرت جامعة قرطبة، فقد كانت يومئذ أشهر جامعات العالم، وتدرس في حلقاتها مختلف العلوم، وفيها كانت تلقى الدروس في مختلف العلوم، حتى تحوّلت إلى أكبر مركز علمي في أوربا، ومن خلالها انتقلت العلوم العربية إلى الدول الأوربية على مدى قرون، وتدرّس في حلقاتها كل العلوم، ويختار لها أعظم الأساتذة؛ فقد كان أبو بكر بن معاوية القرشي يدرس الحديث، ويملي أبو علي القالي دروسه عن العرب قبل الإسلام وعن لغتهم وأمثالهم، وكان ابن القوطية يدرس النحو، وكان الطلبة يفدون بالآلاف.

وقد احتلّت حلقات الدرس أكثر من نصف المسجد، وتم تحديد مرتبات للشيوخ ليتفرّغوا للدرس والتأليف، كما خصصت أموال للطلاب ومكافآت ومعونات للمحتاجين، ووصل الأمر بنفر من الأساتذة إلى ما يشبه منصب الأستاذية اليوم في مجالات علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والنحو وغير ذلك من العلوم.

ومن الذين تخرجوا في جامعة قرطبة، الكاتب والشاعر المعروف ابن زيدون.

وكان عدد العاملين في جامع قرطبة والمتصرفين فيه (أي عدد الإداريين والعلميين) من أئمة وخطباء ومقرئين ومؤذنين وسدنة وموقدين وخدم، مائة وتسعة وخمسين شخصًا.

المصدر: قصة الاسلام

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على الحكم المستنصر الأموي .. الخليفة العالم

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
39242

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة