الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةإصدارات وكتب أدبية › فصل من رواية "تمرين أوّلى على الكتابة" لأحمد مجدى همام

صورة الخبر: الروائى أحمد مجدى همام
الروائى أحمد مجدى همام

مرة رأيت صورة أيمن صلاح فى باب أصدقاء المراسلة بمجلة عربية، واندهشت من أن جارى وصديق طفولتى يهوى المراسلة وينشر عنوانه ليحظى بأصدقاء جدد، فى ثوان تدافعت على رأسى تفاصيل كثيرة ومباغتة، انتهت إلى القرار التالى : سأرتب مقلبا فى أيمن.
تناولت ورقة بيضاء وبيدى اليسرى كتبت بخط تعمدت أن يبدو مرتعشا :

(السلام عليكم
كيف حال أنت يا أيمن ؟
اسمى أجمالى نور إسلام عبادان ، أبلغ عمر/سنواتى 17 عام، أنا من جمهورى ديقراطى نارجوشيا، أسكن فى عاصمة بلاد ينج شاري-إينَت، وأنا طالبة أدرس فى كلية محاماة/شريعة, عام أول .
أنا منذ سنوات قارئة مجلات وهاوية مراسلة، وأنا رأيت اسمك وصورتك فى مجلة زهرة خليج واسع انتشار، واخترت أن نصبح أصدقاء متراسل سويا، لأن عندى نفس الهوايات التى عندك ولأن أنا أحب معرفة أصدقاء من مصر فما رأيك هو ؟
اسمح لى الآن سوف أعرّف لك عن بلادى وعن أنا : جمهورى ديمقراطى نارجوشيا دولة صغيرة متناهى وهو تقع فى جنوب آسيا الأوسط ليس من بعيد عن كيرجيزيا وجمهورى تاجيكستان، لكن بلادى لها ساحل على المحيط. يبلغ نسمات التعدادية (Demography) 900000 إنسان، يسكن معظم منهم فى العاصمة، بينما يتوزع باقى النسمات فى أقاليم مختلفة فى بلادي. تبلغ مساحة إجمالى (غريب جدا : تكتب هذه الكلمة بشكل يشبه كما تكتب إسمى بلغة العربية!) 10.500 كم2 وتضاريس بلادى جبالية، يمر فى بلادى نهر " Вахш " وأنا لا أعرف كيف كتابة اسم النهر بلغة العربية، وهو نهر مياهه عذبة جدا وصافي.
اللغة فى بلادى هى الخليط من ثلاثة لغة أخرى : التاجيكى الإيرانيان و الروسى و التوركماني، وتعرف هنا باسم Modern Nargoshian.
هذا عن بلادي، أما عنى أنا، عندى أخو واحد وأخت واحد، أخو أكبر يعمل فى الزراعة ويمتلك أشجار كثيرة، وأختى أكبر هى زوجة وأم أطفال صغار، وأسرتى نحن من الأصل من جمهورى إيرانى من العرب فى منطقة أهواز غرب جنوب جمهورى إيراني، وقد هاجر الأسرة عام 1928 بعد ثورة الأهالى العربية فى منطقة أهواز ( ثورة الحويزة جدى يقول) العربية ضد شاه إراني، لكن شاه قتل ناس كثيرون، فهاجرت أسرتى إلى نارجوشيا الذين كانت خلال وقت ذلك تحت حكم سوفييت ثم حدث استقلال بلادى قبل أحد عشر سنوات مع انهيار المتحد السوفييت.
ربما الآن أنت أدركت كيف أجيد الكتابة العربية رغم أننى من بلاد بعيد جدا عن مناطق العربية، فجدودى أنا هم أصلا من العرب، ويمكنك قراءة الكثير عن منطقة أهواز العربية وعن مضايقات إيرانيان لها وكثير تحرشات عنصرية ضد ذلك المدينة.

أنا أحب أن أجمع العملات، وأنت كذلك تحب تجمع العملات، وأنا أرسلت لك عملة بلادى عشرة سامانى ، ودولار أميركى واحد = 119 ساماني، فما هى قيمة عملة بلادك أمام سامانى نارجوشى واحد ؟ وأنا أيضا أمارس رياضة سباحة ورياضة تينيس، وقد قرأت فى المجلة أنك أنت تمارس كرة قدم، وأنا أحب كرة قدم وأناصر فريق مفضل لدى دينامو ينج شاري-إينت رغم أنه دائما هزيمة أمام منافس نارجوزيش إستاوا لكن هذا مسألة إنتماء، فممتلك الفريق هو أيضا رجل أصول له من أحواز، فهنا فى نارجوشيا تجد نسبة 1.2% من إجمالى هم من العرب، من أصول أحواز ومن أصول غير أحواز حضرموت من التجار المهاجرين ويقال لنا (أَرَبْشا).
أنا اخترت دراسة المحاماة/شريعة لأن عند مستقبل رائع خصوصا أنا أجيد عديد لغات من لغة العربية ولغة إنجلش ولغة الروسية وفضل السبب يرجع لأصول أسرتي.
أيمن أتمنى ألا أكون فعلت إطالة ضدك، وأتمنى مسامحة منك لأنى لغتى العربية ليس مع مايرام، لكنى والله دائما أخضع لدروس لأن بابا يحب كثيرا أن نحافظ على أصولنا وديننا، وهو يجيد لغة العربية أفضل منى جدا، وجدى له الرحمة كان يتحدث لغة العربية مثل كل العرب فى المناطق العربية.

السلام عليكم
أجمالى نور إسلام)

بعدما فرغت من كتابة الرسالة التى رأيتها متقنة، بالغت فى تجويد خدعتي، وسحبت عملة يوغسلافية قديمة على سكانر ثم زورت اسم البلد والعملة ودسست بعض الحروف الغريبة، وطبعت الورقة بعد حساب دقيق للقياسات ليأتى الوجه والظهر متناسقان ثم قصصتها. وأخيرا رششت رذاذ ماء على الورقة وكويتها فبدت مثل أى جنيه ورقى مهترئ ومتداول.
فعلت فى الطوابع والأختام مثلما فعلت مع (السامانى العشر) ، طبّقت الرسالة بعناية ووضعتها رفقة العملة فى ظرف، ومن ثم ألصقت الطوابع، أغلقت المظروف بعناية وتسللت للطابق الأعلى وحشرته فى باب بيت أيمن وقرعت الجرس ثم هربت.

===
بعد ساعتين زرت أيمن فوجدته منهمكا فى كتابة رسالة، أدركت عندها أن حيلتى نجحت وأن الرسالة الملفقة والعملة المزورة قد أقنعتا أيمن. سألته عم يفعل فأعطانى رسالة أجمالى وهو منهمك فى كتابة رده، قلت فى عقلى (هذى بضاعتنا ردت إلينا) وتظاهرت بالضحك وسخرت من لغة أجمالى الركيكة، سألنى أيمن :
- بس انت تعرف جمهورية نارجوشيا دى ؟
- أنا أول مرة اسمع عنها، بس الله أعلم، إنت إيش درّاك؟ العالم واسع يابني، يظهر إنها جنب روسيا.
- طب معاك جنيه؟ انا عايز ابعتلها جنيه.
ناولته الجنيه وراجعت معه رسالته واتفقنا أنه سيعرّفها فى رسائلهما المستقبلية على بصفتى صديقه المقرب وسيطلب منها أن تجد لى صديقة نارجوشية. وضع هو رسالته فى الظرف ثم قال لى أنه سيذهب للسنترال لشراء الطوابع والرد على رسالة أجمالي.

====
أنا لم أكن أعرف أن ذلك المقلب سيكون بداية حياة مختلفة لأيمن، ولو كنت أعرف لما أقدمت على مثل تلك الخدعة التى كنت أراها ظريفة، والحق أنه ولاأذكى الأذكياء كان ليعرف أمرا مثل هذا، خصوصا أننا اعتدنا على تدبير المقالب فى بعضنا والتندر على المفاجآت وغفلة الآخرين..
الذى حدث هو أن أيمن تعرض لسخرية موظف السنترال الذى نفى معرفته بدولة اسمها نارجوشيا، وحتى عندما أراه أيمن رسالة أجمالي، أصر الموظف أنه لايعرف تلك البلد، ثم نصح أيمن بالتوجه لسنترال العتبة الرئيسى لأنه الأكبر فى مصر، ولأن أيمن لم يكن يمتلك جنيهات كافية ليذهب للعتبة، رجع وقرر أن يرجئ المشوار لليوم التالي. أما أنا فقد أشفقت على صديقى من المشوار، وقررت أن المقلب قد أخذ كفايته وأنه لابد من كشف الأمر.
وهنا كانت البداية..
أمام جيراننا وأصدقائنا عايرت أيمن بغبائه وكشفت أمر الرسالة وأجمالى والعملة والطوابع ونارجوشيا وضحكت وضحك الأصدقاء، وكانت أول كلمة قيلت هى (إيه يا نارجوشى ؟ أيمن يا نارجوشي). دمعت عينا أيمن الذى شتمنى كثيرا وأنا شبه منهار من الضحك فلم أرد عليه سوى بكلمتين : النارجوشى الغبي!

====
طالت مخاصمة أيمن لى لشهور حتى يئست من أن نتصالح، وكان له كل الحق فى ذلك، فقد شاع لقبه الجديد فى شارعنا بشكل مدهش، وصار الجميع ينادونه نارجوشى أو نارجوشيا، وحتى المكتبة القريبة التى كانت إحدى مشاريع والد أيمن اشتهرت باسم مكتبة النارجوشي، ثم تطور الأمر عندما وصل الاسم إلى المدرسة وشاع بين الطلاب.
كنت أتابع تلك الأخبار وأحزن على أيمن وألوم نفسى على قسوتى معه، كم رأيته أثناء رجوعى من المدرسة وهو يتشاجر أو يبكى أو يعرج إثر علقة ! كنت أعرف يقينا أن أيمن المسالم والمهذب لا يتشاجر إلا بسبب تلك الكلمة، وكان هذا يشعرنى بالذنب، كما كان يمنحنى حظوة بين أصدقائى بصفتى المشاغب الأكبر الذى بوسعه سحق الآخرين بلسانه ومقالبه !
زادت شجارات أيمن ولازمته الكدمات والجروح، كما تدهورت نتائجه فى المدرسة، وتحول من طالب جيد ومعقول إلى آخر يناضل لكى ينجح، وتكررت زيارات والده للمدرسة بالقدر الذى تكررت به جوابات الفصل التى وصلت بيته. أما أنا فعاودت محاولات الصلح معه بعدما وجدته قد انطوى وذبل، فوسّطت أمه التى لم تفهم سبب خصامنا، وبعد محايلة وإلحاح وتحت ضغوط عزلته وحزنه اضطر أيمن أن يتكلم معي، وكان أول مافعلته هو الاعتذار له، ثم بدأت حملتى فى تحسين موقفي، فصرت أدعوه للمذاكرة معى فى البيت مثلما كنا نفعل قبل الحادثة النارجوشية، ورغم جزعى من التدهور المهول فى مستوى أيمن، لم أيأس ورحت أوالى محاولاتى للقفز به من عثرته. كما طلبت من كل الأصدقاء أن ينسوا قصة نارجوشيا، وذكرتهم بالآية (ولاتنابذوا بالألقاب).

ذات مساء كنت عند أيمن نذاكر سويا، كنت منهمكا فى حل بعض المسائل الرياضية عندما وجدته يسألنى :
- تعرف، أنا كتير بحلم بأجمالى نور إسلام.. تخيل ؟ بشوف بنت حلوة وشعرها أشقر زى الأمريكان كدا، عينيها زرقا ورفيعة وطويلة، ولابسة فستان سماوى وقاعدة فى حتة زى غابة كدا وبتقطف ورد..
عقدت الدهشة لسانى لبرهة ثم انفجرت فى الضحك، أضاف:
- أنا عارف إنها حاجة تضحّك، بس والله حلمت بيها كذا مرة.
- آآه. وانا كمان عايز أخطب سنووايت وأتجوزها عشان حلمت مرة إنى خلفت منها الأقزام السبعة.
ابتسم النارجوشي، فأكملت مبتسما:
- بقول لك إيه.. بلاش هَبَل.
لكن أيمن مذّاك اليوم لم يكف عن الهَبَل !

====

95% كان مجموعى فى الثانوية الذى دعا أبى لأقامة احتفالات كرنفالية، و59% كان الرقم الذى جناه أيمن والذى كان بمثابة الكارثة له ولوالده.. وربما ليس عبثا أن يكون العدد المعكوس هو المقياس الحقيقى للفرق بينى وبينه فى تلك السنوات من حياتنا، فأيمن الذى كان مستواه مقاربا لي، تقهقر كل تلك المسافة ليستقر فى معهد للخدمات الاجتماعية فى بنى سويف، بينما أرسلنى مجموعى لكلية الطب فى جامعة الفيوم.
تعرض أيمن لحملة شعواء من والده الذى ضربه وطرده من البيت وخاصمه طويلا بسبب فجيعته فى ولده وسخطه سخطه على خيبته، فبات أيمن عند عمته لليال ثم عندى قبل أن يرجع للبيت مصحوبا بعاصفة بكاء من أمه المشطورة بين غضب أبو أيمن وحزن ابنها، حتى أمى أنا أشفقت على حال صديقى النارجوشى المنفي، ولذلك انتهزت حزنها لتقنع أبى بأن نصطحب أيمن معنا فى مصيفنا السنوى كنوع من التخفيف عنه وتغيير الجو.
فى ذاك المصيف بدأت أطوار أيمن الغريبة تفصح عن نفسها : نوبات البكاء المفاجئ، الشرود الطويل، والرجفة اللاإرادية فى جفنيه وخديه التى كانت تند عنه مع الأصوات المرتفعة والمباغتة، ولعل أغرب مواقفه كان شكواه من جارنا فى المصيف، فقد ادعى أن الجيران فى الطابق الأعلى يتحينون وجوده فى الشرفة ليبصقوا عليه وينفضوا سجائرهم على رأسه وشعره.. الغريب فى الأمر أن التاريخ يشهد –بدهشة- أننا سكنّا فى الطابق الأخير أثناء ذاك المصيف !
حاولت ستر حماقات صديقى النارجوشى عن أهلي، ورغم ذلك لاحظوا اضطرابه، وكلمنى أبى ذات يوم عن أيمن وعن حاجته لزيارة طبيب نفسي، وقد تطوع ونصح أبو أيمن بذلك وصارحه أن الولد يعانى نفسيا، وكانت تلك النصيحة كفيلة بإشعال غضب أبو أيمن، وبديهى أن أقول أن ذاك الغضب تمت ترجمته فى هيئة علقات متواصلة وشجارات كثيرة كانت بدورها تعمل على خلخلة استقرار النارجوشى وتهييج نارجوشيته !

====

كان لقب النارجوشى قد صار واقعا لا فرار منه، فالدوائر المتداخلة التى كان صاحبنا يقع فى مركزها أقرت الاسم الجديد واعتمدته بديلا للاسم الذى مُنِح له يوم ميلاده، الجيران والأصدقاء وزملاء الدراسة، حتى أيمن نفسه بات يتقبل الفكرة وصار يقدم نفسه على أنه أيمن النارجوشي، وقد رأيت ذلك بنفسى عندما رافقته إلى معهده فى بنى سويف.
فقد حصل أن اتفق والدانا على تأجير شقة صغيرة لنا فى سنورس بالفيوم لتوفير كلفة المواصلات وعناء السفر اليومي، كان مشوارى لكليتى لايستغرق مشيا سوى عشر دقائق، بينما كان أيمن يقطع النصف ساعة تقريبا فى ميكروباص إلى معهده فى بنى سويف، كنا نستيقظ مبكرا ونتجه إلى دراستنا ثم نرجع قرب المغرب للبيت نسهر أنا والنرجوشى وحفنة من الأصدقاء.

فى تلك الأيام بدأ أيمن ينحو منحى جديدا، وكان ذلك بعدما بدأ فى تلقى دروس العزف على العود، فقد تعرف فى معهده على صديق يجيد العزف على العود، وفتنته الفكرة والأصوات، فغاص فى دروس متوالية، وقض منامى كثيرا بفضل تنشيزه فى منتصف الليل وهو يتدرب على عوده. كان يوقظنى لاستمع له وهو يعزف –برداءة- جزء من (إنت عمري) أو (وقف الخلق)، وكثيرا ما أصر أن أشكل معه (تخت) بأن أتولى النقر على الطاولة أو على جردل مقلوب.
تزامن وله النارجوشى بالعود مع ظاهرة بدت لى غريبة وطبيعية فى آن، فقد بدا لى حينها أنه بدأ يستعيض بالأصوات التى يصدرها العود عن الكلام، كانت فترات صمته تطول، وكلماته تصير أكثر اقتضابا بمرور الوقت، وكنت أنا أحاول هدم توجسى ودفعه للتحدث عن طريق غمره بالأسئلة وإثارة نقاشات غير ذات قيمة . ورغم اقتناعى بأن الموسيقى كانت تمنح أيمن مساحة أوسع للصمت والتأمل السماعى أو التأمل عامة، إلا أن ذلك – على طبيعيته- كان مريبا بالنسبة لي، خاصة وأن النرجوشى بدأ يتهته فى كلامه ويتعثر فى نطق بعض الكلمات الطويلة أو تلك الكلمات التى تحمل حروفا فخمة وغليظة؛ وأدى هذا إلى ظهور لازمة لن تفارق النرجوشى طيلة عمره : (البتاع) أو (البتاعة) أو (البتوع) وكل مشتقات الكلمة، للإشارة لأى شيء أو فكرة أو معنى يقصدها.

====

جلسات الكهرباء كانت منعطفا جديدا فى حياة النرجوشي، لكنها للحق كانت منعطفا ضروريا، فصديقى الذى تدهور كثيرا بسبب رسوبه مرتين وفصله من المعهد، كان قد بدأ فى الاتيان بتصرفات أثارت الرعب فى محيطه وفى نفوس كل من يعرفه، فبخلاف انقطاعاته المتوالية عن العودة للبيت، و بخلاف العزف على العود فى الطرق والشوارع، بدأ الشك ينخر رأس صاحبنا، كما يفعل السوس بالضبط، فيبدو أن أيمن بدأ يشعر أنه مراقَب أو شيء من هذا القبيل، إذ بدأ يتلفت حوله بطريقة تشى بذلك. يضع عوده فى جرابه، ويعلقه أمام صدره ويحيطه بذراعيه تحسبا من أى محاولة للغدر بالعود، ثم يهيم حيثما شاءت له الأقدار أن يهيم.. يجلس على دكة حجرية فى وسط البلد أو على أرصفة شارع السودان، يجوب شارعى الهرم وفيصل وينشط فى الجيزة والدقي. وتمتد حدوده حتى مشارف رمسيس فى قلب العاصمة، وفى المكان الذى يختاره يجلس ويشهر عوده بفخر وتيه ثم يبدأ فى العزف، يعزف ألحانا لأغانى لعبدالحليم وقنديل وشادية وأم كلثوم، يتحلق حوله مجموعة من رواد وسط البلد أو السياح المهووسين وبعض الصبية، يلتقطون له صورا وفيديوهات ويضع القليل منهم بعض الجنيهات فى جراب العود الملقى تحت رجليه. بينما يواصل هو عزفه بعينين مغمضتين، بتوحد وتماه مطلقين، وبهيبة فنان تشيكى مغمور فى العصور الوسطي، فنان يؤمن أن التاريخ سيكتشفه بالتأكيد بعد عشرات السنوات من موته.
وفى الوقت الذى يراه مناسبا، يفتح عينيه ويرفع ريشته عن الأوتار، يبتسم للمتحلقين، يضع عوده فى الجراب ويمضى وهو يتلفت بارتياب.

جلسات الكهرباء الأولى، كانت حيلة أحكمها أبوأيمن؛ فقد حدث أن انقطع النرجوشى عن العودة للمنزل لثلاثة أسابيع، فى تلك الفترة أحرق الرجل المدينة ومشطها بحثا عن ابنه دون طائل، ولما رجع النرجوشي، كان والده قد بيت النية على تسليمه لمصحة مرموقة للأمراض النفسية والعصبية، أقنعه أنهم سيذهبون لزيارة صديق مريض فى المستشفى وأن على أيمن التخفيف عن الرجل ببعض الموسيقى والعزف، وبكرم بالغ وافق أيمن وحمل عوده على صدره ورافق أباه للمستشفى التى لم يخرج منها إلا بعد أربعة أشهر !

====

ثم إن النرجوشى دخل الجيش !
وهذه نكتة تفوق قصة أيمن طرافة ! هذه أشياء تحدث فى بلادى ! أن يدخل بعض المعاقين والمصابين بالعشا الليلى والحمقى والمصروعين للخدمة الإلزامية فى الجيش !
لكنه –رغم سوء حظه ودخوله للجيش- كان محظوظا بعض الشيء، فقد كان دخوله للجيش حلما بالنسبة له! فالجيش هو الملاذ الوحيد الذى سيجد فيه نومة آمنة ولقمة بعيدا عن البيت وعن الحاج أبو أيمن. وقد اكتملت اللعبة عندما أدرك العقيد أن أيمن به شيء لله، ورأى النور الغائر فى عينيه؛ فخصه بمعاملة لينة وأكرمه، وأعفاه من كل التمرينات والطوابير ونوبات حراسة البرينجى والكينجى والشينجى واصطفاه فى مكتبه الخاص، يعد القهوة ويحمل الأوراق والوثائق الرسمية بين مكاتب الضباط. وفى أوقات الروقان والارتخاء يعزف ليلا على عوده ليرطّب مزاج العقيد.
فى الجيش تعلم أيمن بعض الأمور الهامة، وعلى رأسها الادخار، ادخار الجنيهات التى كانت تدس فى جيبه ليتوسط لدى العقيد ليمنح أحد الجنود إجازة، أو إدخار المكافآت الدورية وغير الدورية التى تمنحها القوات المسلحة للجنود. كما تولى -بطلب منه- لفترة قصيرة مهام العمل بالمقصف، لكنه فشل سريعا فترك المهمة –بعد اختلاسات خاطفة ومحكمة- لمن يستطيع القيام بها. ثم طور أيمن من أدائه وعمل بنصيحة أحد المجندين الثقاة وبدأ نشاطه فى بيع الحبوب الكيماوية السحرية المخدرة، تلك الحبوب التى تهون على الشباب أوقاتهم وتحملهم على الإتيان بمزيد من المجهود.
أسر لى أيمن أنه كان يدخر كل قرش يصل لجيبه لأنه قرر أنه سيخرج من الجيش يوم انتهاء خدمته إلى أى مكان غير البيت، وفاجأنى بأنه ادخر واحد وعشرون ألف جنيه فى عام ونصف حتى حدث ذلك الموقف المدهش الذى كان نقلة أخرى فى مسيرة صديقى النارجوشي.

===

ففى إحدى إجازاته تعرف على (محمد الفنان) فى وسط البلد، حيث كان يعزف على عوده عندما اقترب منه شاب يرتدى بدلة مهترئة وقدم نفسه للنرجوشى بوصفه فنانا يقدم خدع الحواة وسحرة الشوارع، يخفى الكرة فى فمه وبين أصابعه ويخرج حماما من مناديل صغيرة ملونة ويحترف خفة اليد والخدع البصرية. قام محمد الفنان بتقديم فقراته فى حضور النارجوشى الذى أطربته الحيل، وقَبِل بسرعة مشروع محمد الفنان فى الشراكة وتقديم تابلوهات فنية ومعزوفات سريعة، وشرعا من اليوم التالى فى التدريبات المشتركة، وخلال أيام كانا قد أقاما عدة سكتشات سريعة جنت عليهما ربحا معقولا، كما التقيا بعد إحدى فقراتهما برجل طلب منهما أن يعملا معه فى بعض الموالد على مسرح سينصب خصيصا لهما، ووعدهما بتقديمهما لعتاة الفنانين الشعبيين ومطربى الليالى والحواة الهنجرانية.. فسافرا معه.
لم يخبرنى أيمن يوما عن رحلته إلى موالد الدلتا وأيامه فى المنصورة ودمياط والمحلة، ولم أسأله أنا يوما، وما أعرفه عن هذه القصة أنه تأخر عن العودة لوحدته فى الجيش وكسر أيام إجازته لشهر ونصف، وأعرف أيضا أنه كان يظن أن العقيد سيقرص أذنه برفق ثم يعيده للخدمة فى مكتبه، لكنه فوجئ بمحاكمة عسكرية، واكتشف أنه معرّض بشكل جاد لعقوبة السجن الحربى لمدة تفوق السنة ! ولذلك.. لذلك فقط، اختلق أيمن القصة التالية والتى حكاها للقاضى بعينين دامعتين وصوت مرتعش ومتهته :
(روحت البيت ياففندم وووملقتش بتاع دا..أمي، سألت اإاخواتى قالوا لى انها فى البلد بتبت بتعزى فى واحدة قريبتنا، بس لما اتأخخرت ققلقت ووسألت أبويا، أبويا قال لى يافندم وهو بيبيعيط إن أمى هرهر هربت مع بتاع دا.. صبى المكوجي، ولد اس اسمه سعيد، وأنا ياففندم خدت اخويا وولاد عمى ولفينا مصر بنبندور عليها).
ولا داعى للقول بأن القاضى العسكرى طبعا أصيب بدهشة بالغة! وله كل الحق، فأنا أيضا أصبت بدهشة بالغة وبكريزة ضحك هيستيرية عندما حكى لى أيمن هذه القصة، لكن القاض لم يضحك، العسكر لايضحكون. كل مافعله سيادته هو أن أفرج عن أيمن وأعاده للخدمة وجازاه بمنعه من الإجازات لستين يوما، تلك الأيام كانت جحيم أيمن الحقيقي، لأن قصة الأم الفاسقة مع سعيد المكوجى شاعت فى الوحدة، وتناقلها الجنود بينهم، بل وبلغت كتائب أخرى فى معسكرات بعيدة. وصارت قصة (ابن الهربانة) علكة تلهى الشباب فى أوقات فراغهم، وقد حدث يوما أن عاير أحدهم النرجوشى بتلك الكلمة، (ياللا ياض يابن الهربانة)، وحدث أيضا أن النرجوشى أسرها فى نفسه حتى حانت أولى إجازاته، فجمع كل أشيائه ومدخراته وخرج من المعسكر إلى محطة مصر ثم إلى نويبع حيث كان محمد الفنان قد سبقه ورتب لهما إقامة مشتركة فى كامب سياحى فى ركن قصى من قرية الترابين. ثم لم يرجع أيمن بعدها أبدا للجيش، بل ولم يخرج أصلا من تلك القرية لآخر عمره. لأن خروجه كان سيودى بحياته حتما، لأن فى تلك الليلة بالذات اقتحم جندى شاب معسكر الجيش فى حالة إعياء شديدة والدم يغطى وجهه وثيابه، ذلك أن النارجوشى كان قد استدرجه لفلاة مهجورة فى المعسكر ثم ضربه على رأسه وقص له لسانه ووضعه فى ظرف وكتب عليه (اوعى تشتم تاني) ثم مهره بتوقيع (إجمالى نور إسلام).

المصدر: اليوم السابع

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على فصل من رواية "تمرين أوّلى على الكتابة" لأحمد مجدى همام

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
1827

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة