الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةأدب وثقافة › في حوار خاص لأخبار الأدب دابيد ويرتا: أن تكون شاعرًا يعني أن تضحي بكل ما لديك

صورة الخبر: دابيد ويرتا
دابيد ويرتا

في يوم 10 أبريل من 2014 كرّمت المكسيك العاصمة ثلاثة من أدبائها، حيث حُفرت أسماء أوكتابيو باث، والروائي خوسيه ريبويلتاس واسم والدك الشاعر إفرايين ويرتا بأحرف من ذهب علي جدران صالة مجلس النوّاب الخاص بالمدينة، وفي نهاية الحفل رأيناك تلوّح بإشارة النصر "V" نحو الصحفيّين والأصدقاء ورجال السياسة الذين تواجدوا في الصالة. من هم المنتصرون والمغلوبون في ذلك اليوم؟
- كانت هناك حكايتان في ذلك اليوم: الأولي صغيرة وبسيطة. قبل الحفل بأشهر، أعلن مجلس النوّاب نيّته في تخليد باث وريبويلتاس في مئويتهما، ونسوا والدي الشاعر إفرايين ويرتا، المولود أيضًا عام 1914. كان إذًا انتصارًا صغيرًا علي نسيان النوّاب لوالدي، بعد أن قمنا بحملة جمع آلاف التوقيعات في المكسيك وخارجها، لضم اسم أبي بالحفل، ونجحنا في ذلك، وكان للكاتب بينيتو طايبو دور أساسي في هذا النجاح. أما الحكاية الثانية فأكبر وأخطر. الكتّاب الثلاثة، كلّ علي طريقته، كانوا جزءًا من اليسار في هذه البلاد. بينما كان ويرتا وريبويلتاس متعاطفين ونشطين بشكلٍ علني في صفوف اليسار المكسيكي المنظّم آنذاك، خصوصًا الحزب الشيوعي المكسيكي خلال الأربعينيّات والخمسينيّات، كان باث وفيًّا لقِيم الاشتراكية الديمقراطية التي ورثها عن جدّه وأبيه. بالإضافة، تستحضر إشارة النصر عندنا في المكسيك، وخصوصًا في صفوف اليسار، سجلًّا طويلًا من النضالات الاجتماعيّة التي لعب فيها هؤلاء الكتّاب دورًا فعّالًا، خصوصًا ويرتا وريبويلتاس، كإضراب عمال السكة الحديد عام 1959، وتظاهرات نقابة المعلّمين المدرسيّين عام 1958 وصدامها مع الجيش، وحركة الأطباء والممرضين عام 1964، وبالطبع الحركة الطلابية عام 1968، التي قُمعت بعنف من قبل الجيش بمذبحة مروعة قٌتل فيها أكثر من 300 طالب مدرسيّ وجامعيّ في ساحة تلاتيلولكو
بالقرب من وسط المدينة في الثاني من أكتوبر من ذلك العام. خوسيه ريبويلتاس، مثلًا، دخل السجن عام 1968 كأحد المسئولين عن هذه الحركة. أما في حالة إفرايين، فقد امتنع عن النشاط السياسي المباشر في 1968 بحكم كوني أنا وشقيقتيّ جزءًا من الحركة الطلابية، مما كان يشكّل خطرًا علي حياتنا. ولكنه ساهم فيها عن طريق الأدب؛ عام 1968 نشر والدي ديوانه الشعري الكامل، الذي سمّاه "الشعر، 1935-1968". لم يكن اختيار ذلك العام بالصدفة، فقد أراد ربط اسمه بعام 1968 شكلا ومضمونًا.
> تركت أحداث عام 1968 ومجزرة تلاتيلولكو بحق طلاب المدارس والجامعات المحتجّين أثرًا بالغًا علي الحياة الثقافية في المكسيك. باث، مثلًا، استقال من منصبه كسفيرٍ في الهند بعد وصوله نبأ المجزرة. ولكنّك، منذ فترة، صرّحت بأنك تخاف علي ذاكرة هذه المجزرة من النسيان؛ بعكس شعار التظاهرات السنوية لذكري المجزرة "لن ننسي الثاني من أكتوبر" لقد تم نسيانه بالفعل. ماذا تقصد؟
- مرّ 46 عامًا وحصلت الكثير من الأشياء. في سنوات السبعينيّات، مثلًا، عشنا حالة من الأزمة علي جميع الأصعدة الاقتصاديّة، والاجتماعيّة والسياسيّة. كنت في جيل 18 آنذاك وكنت طالبا مدرسيا. كان لي دور فعّال في الحركة الطلابية وأعتبر نفسي جزءًا من جيل 68.
لا أعتقد أننا نسينا مجزرة الثاني من أكتوبر 1968، ولكن ذكراها موجودة في خطر دائم. ذكري مجزرة تلاتيلولكو علي قيد الحياة اليوم لا بسبب من يتذكّرها، بل لأن حدث المجزرة نفسه كان له أثر هام علي وعي المكسيك الحديث. لذلك علينا الاجتهاد ذهنيًا وثقافيّا كي لا ننسي: يقع علينا واجب الكتابة، والتكلّم عن الحدث، ومناقشته. لا نريد أن يصبح هذا اليوم كيتشًا؛ فمن المألوف اليوم التحدّث عن جيل 68 وكأننا شكّلنا مجموعة من "الهيبيز" الشعوريّين وغير العقلانيّين ذوي القلوب النازفة. ولكن، رغم كل النكوصات التي تحدث اليوم في المكسيك (مثل خصخصة البترول، مما يقذف بنا إلي الوراء قرنًا من الزمن)، إن روح حركة ال68 لا تزال حيّة. إن حرية الصحافة والأحزاب السياسيّة موجودة اليوم بفضل نضال هذه الحركة والقضايا التي أثرناها وأشرنا إليها. هذه القضايا لا تزال حيّة، مثل دمقرطة المجتمع المكسيكي والحفاظ علي الحريّات.
ولكن، بسبب الأزمة التي نعيشها اليوم وصعود اليمين الجديد إلي الحكم، ذاكرتنا وماضينا هما في خطر دائم. علينا إبقاء هذه الروح حيّة، وهذا ما حصل في صالة مجلس النوّاب قبل بضعة شهور: ثقافتنا لا تزال حيّة، شعر والدي وريفويلتاس لم يمت. هؤلاء هم أبناء الثورة المكسيكيّة عام 1910، ونحن، أحفاد هذه الثورة، مصرّون علي مواصلة الطريق.
> ما التراث الشعريّ الذي تنتمي إليه كشاعرٍ مكسيكيّ معاصر؟
أولًا، أعتبر نفسي جزءًا من جيل الـ 68، وأعتز بكل ما يحمل ذلك من دلالات سياسية وثقافية. ثانيًا، اسمع، أن تكون شاعرًا معناه أن تضحي بكل ما لديك من أجل الشعر. منذ صغري وأنا أقرأ الشعر. عندما كنت صبيًا قرأت شعرًا أكثر مما قرأته في حياتي كلها. كنت كمسافر عبر الزمن؛ وبرأيي، أن يكون لك موروث شعريّ معناه أن تسافر في آلة خيالية عبر الزمن. بدأت بقراءة شعر والدي (فهو أيضًا أبي الشعريّ، ليس فقط البيولوجي)، ومن ثم السفر نحو الماضي الأبعد: إلي القرن التاسع عشر، إلي الشاعرة سور خوانا إنيس دي لا كروث في مكسيك القرن السابع عشر، إلي العصر الذهبي الأسباني وفرانثيسكو دي كيبيدو... وأنا أبحر في هذه العصور الممتدة علي خمسة قرون من الزمن كنت دائمًا اسأل نفسي: لمن أنا مدين؟ ماذا عليّ أن أفعل؟ وجدت الجواب عند الشاعر الأسباني خايمي خيل دي بييدما (برشلونا، 1929-1990)، الذي قال: "علي الشاعر التحالف مع الأجداد في قتاله ضد الآباء". وهذا ما قمت به. علي الشاعر أن يقاتل ويناضل من أجل مورثٍ ثقافيّ. هذا ما تعلمته: بدون النضال لا يوجد موروث. إذا قمت بمجرد تقليد الآباء، فأنت لا تحمل أي موروث. علي الشاعر خلق شعرٍ خاص به يميّزه عن الذين يسبقونه مباشرةً.
من أجل التمرّد علي والدي ويرتا وعلي عمّي أكتابيو باث (وحتي علي خوسيه ريبويلتاس، مع أنه كتب القليل من الشعر؛ ولكنّنا نعرف جيّدًا أن كل كاتب هو شاعر)، من أجل تمييز نفسي عن هذا الجيل الذي يسبقني بشكل مباشر، أخذت أبحث عن رفاقي في الجيل الذي يسبقهم، وهناك وجدت الشاعرين المكسيكيين خوسيه جوروستيثا (1901-1973) ورامون لوبيث بيلاردي (1888-1921). كانا بالنسبة لي مثل الآلهة. ولكني لم أكتف بهما، وتواطأت حتي مع شعراء العصر الذهبي في أسبانيا. هذا ما تعلّمته: علي الشاعر العودة في الزمن من أجل كسب موروثه الثقافي؛ وكلما عاد الشاعر أكثر بالزمن، سوف يتضح أمامه ما الشيء الذي عليه تجديده. اكتشفت لاحقًا أن هذا ما فعله والدي أيضًا في شعره. وجدت رسالة كتبها أبي إلي صديقه الشاعر الكوبيّ خوسيه ليثاما ليما (هافانا، 1910-1976) يقول له فيها: "ها أنا أهدي كتبي إلي معارفي وأصدقائي، ولكنّي، مثلك، لن أتخلي أبدًا عن الجونجوريّات، الكيبيديّات، والروبينيّات"، يقصد فيها الشاعرين الأسبانيين جونجورا (1561-1627) وكيبيدو (1580-1645)، والشاعر النيكاراجوي روبين داريو (1867-1916). تخيّل: شاعر مكسيكي يقول لشاعر كوبيّ إنه مستعد للتخلي عن كل شيء ما عدا الكلاسيكيّين الأسبان وروبين داريو، أبو الحداثة الشعرية في أمريكا اللاتينية. ما أجملها هذه الجملة، وما أجملها هذه السلسلة من الشعراء، كالسلسلة الغذائية يتغذي فيها الشعراء علي بعضهم البعض. يحتاج المرء لـ 25 عمرًا كي يدرس هذا المشهد الشعري.
> هل لمدينتك، المكسيك العاصمة، مكان في قصائدك؟
- بالطبع. وُلدت في هذه المدينة وهنا قضيت معظم حياتي. زوجتي، الكاتبة بيرونيكا مورجيّا، تقول ان جمالية المدينة تكمن في كل ما هو خارج مفهوم الحضارة، أي الشجر المصطفة علي الأرصفة والطرق، الحيوانات، وحتي الفئران، أما أنا فعلاقتي مع الطبيعة محدودة جدًّا، فالفيزياء الأرسطية لا تشكّل جزءًا من مناخي اليومي. أما المدينة، فهي تشكّل، في أيامنا، نوعًا من طبيعة بديلة بالنسبة لأهلها وشعرائها. ما مثّلته الغابات، الصحاري، والجبال للشعراء القدامي.. اليوم المدينة تحل مكان كل هذا. المدينة بمقدارها أن تعكس ما في باطننا، فهي مكوّنة من سلسلة من الرموز الحقيقية في تحوّل مستمر. فيها نتعرف علي ذاتنا، ندرك عالمنا العاطفي من خلال ما يحدث فيها، مثل الشعراء القدامي وهم يتأملون الزهور، والأشجار والظواهر الطبيعية ويستقون الإلهام منها.
قال أوكتابيو باث: "يعتبر الشاعر الحديث حديثًا بفضل كونه ابن المدينة". بالفعل، الشعر الحديث يولد ويكبر في المدينة. ولكن هناك مدن وهناك مدن؛ أنا ابن مدينة المكسيك في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي ليست بتلك الباريس الصغيرة التي عاش فيها شارل بودلير، أبو الشعر الحديث، في القرن التاسع عشر. مدينتي من مدن ما يسمّي بالعالم الثالث، مدينة لاتينوأمريكية، ضخمة، معقدة، تستشري فيها مدافن النفايات، والبؤس والظلم. تجربة المدينة هي الدوخان، الزحام، الضغط، الاضطراب العصبي... من هنا تولد معظم قصائدي.
> سؤال أخير لا بد منه: ما علاقتك بالأدب العربيّ؟
- أولًا، علاقة عن طريق زوجتي بيرونيكا، هي تقرأ الشعر العربي ما قبل وما بعد الإسلام، وكتبت قصة قصيرة تروي فيها عن موت الشاعر أبو الطيّب المتنبّي. لكن علاقتي بالشعر العربي هي بالأساس من خلال الشاعر الأندلسي، ابن غرناطة، فيديريكو جارثيا لوركا. شعر لوركا مشبع بالأندلس والثقافة العربية. كذلك، علينا ألا ننسي أن لوركا كان تلميذًا لإميليو جارثيا جوميث، العالم بفقه اللغة الكبير الذي تجوّل في بغداد والشام ومصر وترجم الشعر العربي للإسبانية ووزنها في قوالب شعر العصر الذهبي الإسباني. يشكّل لوركا حلقة الوصل بيننا وبين ثقافة الأندلس العربية. وهناك المزيد من الحديث بهذا الشأن.

المصدر: اخبار الادب

قد يعجبك أيضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على في حوار خاص لأخبار الأدب دابيد ويرتا: أن تكون شاعرًا يعني أن تضحي بكل ما لديك

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
88827

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة