الأخبار المصرية والعربية والعالمية واخبار الرياضة والفن والفنانين والاقتصاد من موقع الاخبار طريق الاخبار

أخبار الأدب والثقافةأدب وثقافة › جان دمو شاعر اللعنة العراقية

صورة الخبر: جان دمو شاعر اللعنة العراقية
جان دمو شاعر اللعنة العراقية

بعد أن كان بطلاً لروايته التوثيقية «يوميات صعلوك - جان دمو في الجبهة» يتصدَّى الشاعر العراقي حسين علي يونس لجمع أعمال الشاعر والمترجم الراحل جان دمو (كركوك 1943 – أستراليا 2003) وهي أعمال متناثرة وقليلة في كتاب جديد بعنوان «جان دمو ... التركة والحياة» (دار نون).
لكن جان نفسه، كان هارباً في حياته من الإرث والتركة على حدِّ سواء. فهو غيَّرَ اسم الميلاد واسم المعمودية مبكراً، وكان هذا التغيير أبعد من استبدال لغوي، إنه أقرب إلى التقويض الاحتجاجي، لينطلق من ذلك الهدم إلى صياغة حياة خاصة به تتسم بنوع من نزعة التدمير الذاتي والنهلستية.
ومثلما توَّج جان مريده وأنيسه يونس بلقب «حسين الصعلوك» وهو أرفع لقب يمكن أن يخلعه جان على أحد- وما سوى ذلك فكلُّ الألقاب التي يُطلقها على الآخرين هي من معجم البذاءة والهجاء التهكمي الذي يستمدُّ نعوته من أجواء العالم السفلي- يستدعي الصعلوك المتوَّج، روح عرَّابه، ولا يتوانى عن استخدام قاموس الصعلوك الغائب، لهجاء أدباء آخرين نجوا من معجم جان لأنَّهم حاولوا مسايرته بقصد تحقيق شهرة تشرُّدية ما! أو لأنهم لم يكونوا ظاهرين في المشهد بوضوح آنذاك.
تركة جان بالعموم، ليست ثقيلة، ولا هي بذلك الإغواء الذي يستهوي الوارثين، ومع هذا فإن إطلاق اسم «التركة» بما تحمله من دلالة الإرث الفَخم، هي إيحاء مُوفَّق من يونس، لإضفاء نوع من الأهمية للتراث الأدبي المتواضع للراحل، أقول ليست بالثقيلة لأننا سنرى إزاءها الحدَّ الثاني من عنوان الكتاب: الحياة، وهو الحدَّ الأهم في شخصية جان دمو، فحياته هي قصيدته الأكثر تعبيراً عن نفسه، هي قصيدته لنفسه، وقصيدته التي لا تزال تُلهم الآخرين.
لقد بدأ شاعر الـ «أسمال» كغالب أقرانه ممن سمي «جماعة كركوك» معجباً بأفكار اليسار التروتسكي، مزجه لاحقاً بنزعة سوريالية، قبل أن يخلص إلى هُويِّته: ملك صعاليك بغداد، لكن حتى هذه الهوية ستبدو هشة، فقد دحضها موته وحيداً في الجانب الآخر البعيد من العالم: أستراليا.
اجتهد الفتى الذي صحب شيخه حقبة من زمن التشرد والتمرد واللعنة، في استدعاء نوادر قدِّيسه ومثالبه على الآخرين، بوصفها مناقب لشخصه في وقائع تُذكِّرنا بجانب من أخبار الشعراء الهامشيين في التراث العربي كأبي الشمقمق وأبي فرعون الساسي وأبي الينبغي وأبي هفَّان وسواهم. أنها نوادر تستحقُّ التدوين، فهي تنطوي على دلالات مضمرة في التكوين النفسي والشخصي، عدا عن كونها توثِّقُ جانباً من حقبة مفصلية في تاريخ الأدب العراقي، وبقدر بذاءة بطلها في محافل الشعراء الرسميين وصالوناتهم و«قلاعهم الحصينة» يكشف لنا جامع تَرِكَتَه، أنَّه في الجانب الآخر «لم يكن بذيئاً أبداً رغم استخدامه لمفردات حادة. فقد كان جان في المقهى وفي الشارع وعلى الأرصفة شيئاً مختلفاً، كان رجلاً وديعاً بالغ الطيبة» وفي المقابل «كان من برامجه أن يلعب الطاولة مع أحدهم، ويفضل أن يلعب مع شاعر بعثي من أجل أن يلحق به هزيمة نكراء طالما أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك في الواقع!».
وعلى رغم أنه كان لاعباً رديئاً إلا إنه كان ينتصر بإيحاءات جماهيره من الأصدقاء وتعليماتهم من حوله. وفي الواقع لم يكن جان ليخسر رهاناً مطلقاً لأنَّه لا شيء عنده أساساً يمكن أن يمنحه للرابح في اللعبة.
وعلى طريقة الصعاليك الكلاسيكيين في المشاعيَّة وإيثار الآخرين على النفس فإن ملك الصعاليك الذي عاش دائماً في «أسماله» زاهداً في لذيذ الطعام، حين يغادر بغداد للمرة الأخيرة ليكمل تشرُّده القاسي في عمَّان يرسل من هناك إلى صعلوك بغداد «بنطال جينز وتيشرت، وتفاحة كتب عليها بخطِّه الجميل: ابني حسين، اقضمها بهدوء».
المتعة والسيرة المشحونة بالنكتة السوداء، هي سمة تلك النوادر التي يسرد جانباً منها في مقدمته. قبل أن يشيد، من باب العرفان، بشاعرية جان دمو، وتأثيره بشعراء من مختلف الأجيال بينهم يونس نفسه، ثمَّ يعدل عن ذلك الاستنتاج قليلاً بقوله «قد لا يكون جان شاعراً كبيراً لكنه كان شاعر ضرورة» و«كان شاعراً في حياته أكبر منه في نصِّه».
العطالة والهامشية، هي سحر سيرته وحبرها، وهو الذي يفضل الجلوس في المقهى والحانات لساعات على الجلوس لساعة عمل واحدة في اليوم في مكتب جريدة أو شركة. لهذا لم تنجح تجربته في بيروت أواخر السبعينات، على رغم محاولات أصدقاء له هناك لتحريضه على الترجمة للمجلات الثقافية، فعاد مرحَّلاً إلى بغداد، حيث الحانات الأكثر رأفة وخبرة بنوادره وشتائمه اللاذعة. فلا غرابة أن نجد أغلب قصائده موقَّعة في الحانات، بينما ثمة العشرات من المشاريع المحبطة في الكتابة والترجمة مقرونة بمحاولات يائسة من الآخرين لتصحيح مسار حياته.
في قراءة شعره، نجد أنه لا يشبه حياته! بمعنى أن مضامين قصائده لا تصلح أن تكون وثيقة معبَّرة عن حياته المتسرِّبة التي يهرَّبها كل يوم في التعتعة والغيبوبة، فأشعاره لا تكشف عن تلك التفاصيل في سيرته النهارية المكشوفة، إنما هي تعبير عن حياة أخرى غامضة، تجربة استبطانية مختلفة، حتى يبدو أحياناً متفلسفاً، رؤيوياً، معنياً بالمطلق والأبديَّات لا بالمبتذل اليومي أو بالترهات التي يواجهها كل لحظة في حياته الهشَّة.
«عظيمةٌ كلُّ الحقائقِ ما بعد الصِّفْر.
دُون لماذا.
حتَّى لو بَقِيَ العنقاءُ مَحبوسَاً
في خُرافات اللا محدَّد
ستبقى بوصلاتُنا دُونما جَدْوى»
وحينما طُلبُ منهُ أنْ يراجع قصائده في كرّاسته الشعرية اليتيمة «أسمال» عند دار النشر التي تكفَّلت بطباعتها بمؤازرة مجموعة من أصدقائه، كتب هذه العبارة في قصيدته الموقَّعة في «دار الأمد ٢٣ شباط ١٩٩٣»:
«لا كبيرَ فرقٍ إنْ كانَ هَذا هُراءً أمْ شِعراً أمْ تَفلسُفاً
لأنَّ للرجُل هُموماً أكثرُ إلحاحاً عليهِمْ
مِنْ أنْ يُقلقوا أنفسَهُمْ بمثلِ هذهِ الأمور»
وحدها قصيدة «براري العواصم» التي كتبها في بيروت نهاية السبعينات، تبدو الأكثر اقتراباً من حياته، ربما لأن تلك التجربة تنطوي على غربة مضاعفة أكثر قسوة مما جعلها تحمل نبرة اعتراف، اعتراف بصيغة التأنيب للذات:
«إنَّكَ ثملٌ إنَّكَ ظمآن...
ثملٌ وظمآنُ أكثرَ مِمَّا ينبغي: وهذه الحياة
هذه هي اللانهاية...!
تُقفل أسوارُ البيوت دونَكَ تنثرك الريح في الشوارع
انحنيت أمام الملوك
كثيراً... طويلاً...
أنتَ لَمْ تكنْ مُخلصاً لِذَاتِك
كنتَ غريباً عنها
ضرباً من العبث
أية خسارة!»
وعدا ذلك فإنَّ مجمل نصوصه لا تتمتَّع بتلك الجرأة التي اتسمت بها حياته، إلا أنَّ أهميتها مستمدَّة من عناصر أخرى: كتابته لقصيدة النثر في الستينات، والإصرار على تبنِّيها والتبشير بها في ذروة صعود القصائد المجلجلة في الحرب، وكذلك من استئثاره باهتمام الجيل الجديد كونه آخر من بقي في البلاد من «جماعة كركوك» التي تركت تجاربها أثراً طيباً في الوسط الثقافي العراقي في الثمانينات.
أما ذلك الهجاء الذي عرفناه، في لغته اليومية، فلا نعثر له على ظلال في لغته الشعرية، بل إنها تنحو إلى نقيضها، لتصبح قصائده المختزلة وربما المرتبكة أحياناً نَعْياً للذات، وللعالم من حوله، لتتخذ صرخة مرثية مكثَّفة.
«بينَ الليلِ والليل.
يموتُ حاضري.
آه، لِمَ القواربُ هذه؟»
ومن هنا فإنَّه حين يحاول أن يقارب مأزقه الشخصي بين المعيش والمكتوب، فلا يسترسل طويلاً في سرد وقائع حياته وفتوحات تشرُّده، بل يعمد إلى الاختزال، وهو المولع به حدَّ التطرّف، ليرمي جملة حادَّة تلخِّصُ ذلك المأزق:
«تَعلَّمتُ أنْ أكونَ أنَا.
وأنْ أتركَ للواقع، يتكفَّلُ مَا فَسدْ.»
لكن ذلك الجانب الهجائي في تكوينه الشخصي، لا يصدر عن عدوانية متأصلة تجاه الآخر، بقصد التنكيل به، إنما هو تعبيرٌ عن جانب مُضمر في ذلك التكوين، ولا يتاح للكثيرين اكتشافه، إلا أولئك الذين عرفوه جيداً وهم ندرة، وأعني بذلك جانب الطفولة في شخصيته. فأمام هذا النضج في المعارف، يبدو جان دمو، طفلاً في المشاعر والتكوين النفسي الداخلي. وطفولته في هذا الجانب طفولة حقَّة، يعرفها كلُّ من آنس إلى لحظات صفائه، كطفل تائه في دوامة الحانات والمقاهي والفنادق الرخيصة التي يطرد منها باستمرار.
ولعلَّ ما يثير العجب أن يبدو شخصاً كجان، مُفترساً يتجنَّبه حيتان الثقافة الرسمية ورموزها، وهو الذي عاش معظم حياته أدرد متهدَّم الأسنان، قضى شطراً مهماً من حياته بسنٍّ واحدة في فمه! لكنه كان زاهداً عن الولائم في حقيقتها ومجازها مدفوعاً بقوَّة روحية، تُشيد بالجوع، وتقاوم الاستسلام للنزوات والتنازل عن الأحلام.

المصدر: الحياة

قد يعجبك أيضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على جان دمو شاعر اللعنة العراقية

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
63598

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

حمل تطبيق طريق الأخبار مجانا
إرسل إلى صديق
المزيد من أخبار الفن والثقافة من شبكة عرب نت 5
الأكثر إرسالا
الأكثر قراءة
أحدث أخبار الفن والثفاقة
روابط مميزة